السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / لماذا تعد سنغافورة من أكثر المجتمعات نجاحا في العالم؟

لماذا تعد سنغافورة من أكثر المجتمعات نجاحا في العالم؟

إن نسخ أفضل الممارسات أمر يمكن لأي بلد القيام به. ومع ذلك فإن التنفيذ “بأمانة” هو أصعب شيء يمكن القيام به. الفساد وحده هو أكبر سبب وراء فشل معظم دول العالم الثالث. وقد كانت القوة الأكبر للآباء المؤسسين في سنغافورة تكمن في أنهم كانوا صادقين تماما. وساعدهم أيضا تمتعهم بالدهاء والذكاء بشكل غير عادي.

بلغت سنغافورة 50 سنة في الـ9 من أغسطس 2015. هل تعتبر سنغافورة المجتمع الأكثر نجاحا منذ بدء التاريخ البشري؟ أو، بعبارة أخرى، هل تحسن سنغافورة مستوى معيشة شعبها بشكل أسرع وأكثر شمولا من أي مجتمع آخر؟
الطريقة الوحيدة للإجابة على هذه الأسئلة هي البيانات التجريبية. أهم الاحتياجات الأساسية لأي إنسان هي الغذاء والمأوى والصحة والتعليم والعمل. هل سنغافورة تحسن تقديم تلك الاحتياجات الأساسية أسرع من أي مجتمع آخر؟
عندما انفصلت سنغافورة عن ماليزيا في عام 1965 واتجهت إلى الاستقلال غير المرغوب فيه، كانت دولة من دول العالم الثالث النمطية. وكان نصيب الفرد من الدخل 500 دولار كما هو الحال في غانا في ذلك الحين. لم تكن في فقر شديد، ولكن كان لديها سوء التغذية. أنا أعرف هذا شخصيا، وذلك عند وضعي في برنامج تغذية خاص عندما التحقت بالمدرسة في الصف الأول، حيث كان شرب الحليب من سطل مع مغرفة نتقاسمها مع الأطفال الآخرين.
اختفى سوء التغذية بسرعة وقفز دخل الفرد في سنغافورة اليوم من 500 دولار إلى 55000 دولار، وهي أكبر زيادة تتمتع بها أي دولة مستقلة حديثا. قصة النجاح الاقتصادي في سنغافورة مذهلة بشكل واضح. فعندما كنت سفيرا في سنغافورة للأمم المتحدة في 1980، اعتاد رئيس اليونيسيف في ذلك الوقت الأميركي جيمس جرانت الأميركي على دفعي للتحدث حول هذا الموضوع.
وقال لي إن نجاح سنغافورة في مجال آخر كان أكثر إذهالا. عندما انخفض معدل وفيات الرضع بشكل أسرع من أي مجتمع آخر، حيث انخفض من 35 لكل ألف مولود في 1965 إلى 10.90 في عام 1985، وكان جيمس جرانت على حق. فالأطفال هم الأفراد الأكثر ضعفا في أي مجتمع. فعندما يعيشون بدلا من موتهم، فإن ذلك يعكس تحسن النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي يبقيهم على قيد الحياة.
يتمع الأطفال الذين يعيشون في سنغافورة بواحد من أفضل أنظمة التعليم في العالم، حيث صنفت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الأطفال السنغافوريين البالغين من العمر 15 عاما رقم واحد في العالم في ترتيب عالمي حديث في “المهارات الأساسية العالمية” في الرياضيات والعلوم. كما تصدر طلاب سنغافورة اختبار حل المشاكل الذي أجرته المنظمة في عام 2012.
هناك العديد من المجالات الأخرى التي تتصدر فيها المعايير الاجتماعية السنغافورية الرسوم البيانية. فمن الأحياء الفقيرة في سنغافورة التي نشأت فيها، لدينا الآن أعلى معدل ملكية منازل في العالم، حيث إن 90% من السكان يعيشون في منازل يملكونها. حتى بين الأسر ذات الدخل الأقل من 20% فإن أكثر من 80% يملكون منازلهم الخاصة. فالارتفاع السريع في الرواتب والخطط القوية والإلزامية للادخار من خلال صندوق الادخار المركزي، أدت إلى هذا المعدل المرتفع بشكل مذهل في ملكية المنازل.
إذًا، كيف نجحت سنغافورة بهذا الشكل الكلي؟ الجواب البسيط هو القيادة الاستثنائية. سمع الكثير في العالم عن لي كوان يو، رئيس الوزراء المؤسس الذي وافته المنية في مارس من هذا العام. وسمع عدد قليل جدا بالدكتور جوه كنج سوي، مهندس المعجزة الاقتصادية في سنغافورة، وس. راجاراتنام، المفكر البارع بامتياز في سنغافورة. فقد كونا معا فريقا عظيما.
وطبق هذا الفريق الاستثنائي ثلاث سياسات استثنائية: الجدارة والواقعية والصدق. في الواقع فإنني أشاطر هذه الوصفة السرية كل طالب أجنبي في كلية لي كوان يو، وأؤكد لهم أنه في حال نفذوا ذلك، ستنجح بلادهم مثل سنغافورة.
الجدارة يعني أن يختار البلد أفضل مواطنيه، وليس الأقارب من الطبقة الحاكمة لإدارة البلد. الواقعية تعني ألا تحاول البلد إعادة اختراع العجلة أو البدء من الصفر. كما قال لي الدكتور جوه كنج سوي: “كيشور، مهما كانت المشكلة التي تواجه سنغافورة فإن شخصا ما أو مكانا ما قد يقوم بحلها. دعونا ننسخ الحل ونكييفه في سنغافورة”. إن نسخ أفضل الممارسات أمر يمكن لأي بلد القيام به. ومع ذلك فإن التنفيذ “بأمانة” هو أصعب شيء يمكن القيام به. الفساد وحده هو أكبر سبب وراء فشل معظم دول العالم الثالث. وقد كانت القوة الأكبر للآباء المؤسسين في سنغافورة تكمن في أنهم كانوا صادقين تماما. وساعدهم أيضا تمتعهم بالدهاء والذكاء بشكل غير عادي.
ومع ذلك لدى سنغافورة نصيبها العادل من المنتقدين. فقد كان ينظر على نطاق واسع لنظامها السياسي بوصفه “ديكتاتورية مستنيرة،” على الرغم من إجراء انتخابات حرة كل خمس سنوات. وينظر لوسائل الإعلام على نطاق واسع بأنها تحت سيطرة الحكومة وتأتي سنغافورة في المرتبة الـ153 من بين 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة الذي أعدته منظمة مراسلون بلا حدود في عام 2015. والعديد من منظمات حقوق الإنسان تنتقد ذلك. وصنفت فريدوم هاوس سنغافورة بأنها “حرة جزئيا”.
مما لا شك فيه أن بعض هذه الانتقادات بها بعض من الصحة. ومع ذلك، فإن سكان سنغافورة أحد أفضل السكان تعليما، وأكثر تنقلا على مستوى العالم. ويمكنهم أن يدلوا بأصواتهم فيما إذا كانت سنغافورة مجتمعا خانقا “غير حر”. وإن كانت الأغلبية ستختار الاستمرار على نفس النهج. بنفس القدر من الأهمية فإن بعضا من أكثر الناس الموهوبين في العالم بما في ذلك الأميركيون والأوروبيون، يتخلون عن جنسيتهم ليصبحوا من مواطني سنغافورة. ربما أنهم لاحظوا شيئا لم تلاحظه وسائل الإعلام الغربية: وهو أن سنغافورة هي واحدة من أفضل الأماكن التي يمكن أن تولد وتعيش فيها. والأكثر إثارة للدهشة أن مجتمعا كان مصيره الفشل في عام 1965، أصبح الآن واحدا من أعظم قصص النجاح في العالم.

كيشور محبوباني كيشور محبوباني
هو عميد كلية لي كوان يو للسياسة العامة بجامعة سنغافورة الوطنية،
خدمة جلوبال فيوبوينت خاص “الوطن”

إلى الأعلى