الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ

بسطة سعيد

* النص الفائز بالمركز الثاني في مجال القصىة القصيرة بالملتقى الأدبي الـ 21 بنزوى.

في طريقه الى ظلال أشجار النبق بجانب الشارع ، هناك في المكان الذي يضع فيه قربته المليئة بثمار البلح والموز والمانجو، فكر في حذاء زميله، عندما استعرضه في حصة الرياضة صباح اليوم ، لو كان مكانه لما اختار اللون الأسود ، سيختار لونا فسفورياً لافتاً ، ينظر إليه جميع الناس ، لطالما ظن ان الأغنياء يلمعون ، وأنه لفرط الاختلاف معهم ، مغطى بقشرة يصعب التكهن بما تحتها ، أراد سعيد البالغ من العمر إحدى عشر سنة أن يتفسخ ذات يوم عن نفسه.
يداوم سعيد على الذهاب الى نفس المكان كل يوم ، حال عودته من المدرسة ، ليتأكد من مرور الموظفين العائدين من اعمالهم ، عرفه البعض ، طفلا لا يتحدث كثيراً ، ولا يبيع بسعر باهظ منتظراً منك ان تجادله في السعر ، كان واضحاً بشكل حاد ، منكفئا الى نفسه ، عيناه تبدوان كما لو أنهما مزمومتان على الدوام ، معقود كل شيء فيه لفرط ما يشد وجهه تحت أشعة الشمس . وقف أحدهم بجانب الشارع ، مشى الى سعيد وتحدث إليه
- السلام عليكم
- وعليكم السلام
- كيف حال أبوك بعد الحادث ؟ وأمك كيف هو حالها من بعد اختك ؟
طفق سعيد يحدق في وجه الرجل ، كما لو أنه جاء ليواجهه بأمر ما . لم يكن سعيد يحب الحديث عن عائلته ، وإن سئل عنها ، اخذ عود خشب من اي مكان قريب واخذ ينقش الفواصل بين اسنانه مدعياً الاستغراق في التفكير .
- بخير . الجميع بخير . الحمدلله
ناوله سعيد طلبه، لقد حفظ تماماً طلبات زبائنه المستمرين، وبالنسبة لهم اعتبروا سعيد علامة من علامات هذا الشارع بالذات، وعندما لا يكون موجوداً يعرف الجميع أن ثمة خطبا ما سيحل بالمكان فيتوقع الناس مثلاً أنها ستمطر أو سيحل شيء ما بسعيد نفسه، آخر مرة غاب فيها، سقطت أخته في حوض المياه داخل المزرعة، وماتت غريقة، ومنذ ذلك الحين وهو يتردد إلى الحوض بعد عمله، يلقي بحصاة صغيرة فيه حتى يرصد طبقة الماء الرجراجة ويتمنى لو أنها تستمر طويلاً ولا تسكن ففي سكونها تجتر ذكرى فقدان أخته للحياة.
وفي يوم من الأيام ذهب سعيد كعادته في الوقت المحدد تماماً ليفاجأ بثلاثة صبية يحتلون مكانه عنوة، ويفرشون بسطتهم هناك، ويتحدثون بصوت عال، لم ينفعل سعيد منذ وقت طويل والأصح هو أنه لم يعبر عن انفعاله ، لكنه في تلك اللحظة على وجه التحديد شعر بأنه مهدد وبأن طبقة المياه الرجراجة خاصته ترتفع في دورانها إلى الذروة وعليه سريعاً أن يرمي نفسه هناك، حتى يصبح جزءاً منها، ولكي تمتد به لوقت أطول عل أمراً ما ينقذه. توجه سعيد ناحيتهم:

- هذا المكان مكاني
وأجاب أحدهم فيما يضحك الآخران:
عندك صك ملكية ؟
“زين لو تسمعوا الكلام بدون مشاكل”، قالها حنقاً. تتقطع أوصال قوته كما لو أن الشمس الحارقة في ذلك الحين تمشعُ نسيجاً مهملاً تطيره الريح كيفما اشتهت، لم يتغير شيء، رفضوا التحرك وأكدوا بأنهم بداية بهذه اللحظة سيأتون كل يوم الى هنا غير آبهين بأي شيء.
ما تسبب في حزن بالغ أصاب سعيد بتعب لا يمكن تصوره، عندما كان يراقب زبائنه وقد توقفوا في نفس الممكان لابتياع نفس الفاكهة من آخرين، معيدين طلبهم بكل صدر رحب كأن هذا كله مألوفٌ إلى الدرجة التي لا تحس فيها بتغير في إيقاع الحياة أمامك في هذه اللحظة الدقيقة جداً. اعتصر فؤاده، وعرف جيداً أنه لا مناص من تقبل هذه الحقيقة. شعر سعيد بالوحدة ونظر الى كل العالم بعين جديدة بدءا من الآن كما لو أن هذه الأرض المرقطة كيفما اتفق والتي عرفها جيداً في كل مرة كانت تصفعه وقد اكنتزت عيناه بالصفعات، توسع رقعة السواد والعتمة. لقد أراد حصته الكاملة من الحياة وقرر ببساطة استعادتها زائدة. فهذا الحدث الفارق في حياته أشعره بالتهديد وبأنه معرض لخسارة كل شيء.
ذهب أول الأمر لإمام المسجد جنوب ذلك الشارع، مسجد القرية العتيق الذي يطل عليها بقبة خضراء تتطاول على كل شيء، وفي مقدمته بعد طريق ضيق تفضي إلى بابه سلالم بأعمدة تلمع. دخل إلى هناك ووجد الشيخ نائماً، اقترب منه وأصدر صوتاً فاستيقظ الشيخ واستيقظت لحيته الكثة معه فما أن استقام استقامت. وبعد السلام :
- يا شيخ ، انا أعمل هنا منذ ثلاث سنوات ، لقد جئت لأشتكيهم إليك بعدما احتلوا مكاني .
نظر اليه الشيخ ملياً ثم طفق يقول:
- يا بني لقد شغلتك السفاهات عن العبادة فأنا يوما لم أرك تصلي. حتى صلاة الجمعة لا أنت ولا والدك تنضمون الينا.
- لكنني واثق من أن الرب يحبني لا يمكن أن يكره ولداً مثلي. أنا والذنب بعيدان ثق بذلك.
- حصل لك هذا لكي تنتبه لشؤون دينك. إنه عقاب من الرب ولا شك.
غضب سعيد من حديث الشيخ وخرج مسرعاً بلا استئذان، ملقياً بعد نزوله من السلالم نظرة أخيرة على المسجد وعيناه تطفحان بالدمع. كان يمسك البكاء. وتوجه سعيد بعد ذلك لشيخ القبيلة، وعندما وصل الى بيته الكبير بعد عناء، انتظر في الخارج ريثما يأتيه حارس المكان بالجواب. اعتذر له من أن الشيخ لا يستطيع استقباله الآن فهو في قيلولة، وعليه فيما لو كان الأمر ملحاً أن يزوره في وقت لاحق. ترجى سعيد الحارس الذي كان بطبيعة الحال رجلاً بسيطاً من القرية وكان قد أشفق على سعيد وحاله. هذا الرجل أيضاً لديه مشاكل كثيرة ويستطيع أن يشعر بحجم المشكلة التي تلح بها عينا سعيد ومظهره. فدخل مجدداً للشيخ وعاد بعدها طالباً من سعيد مرافقته إلى المجلس. كان ثمة إصيص زهر طويل عند المدخل، حوافه ذهبية تلمع، والمجلس تتدلى ثريا كبيرة من سقفه. ثريا بطول قامة سعيد تقريباً. جلس سعيد هناك منتظراً شيخ القبيلة وعندما أقبل عليه، فز سعيد من مكانه ليسلم على الشيخ. وكان وراء الشيخ تماماً ذلك الرجل مع صحن فواكه وقهوة. سأل الشيخ سعيد عن حاجته وأسهب أنه فيما لو كان هنا لطلب المال فهذا ليس هو المكان المناسب ولا الطريقة المناسبة للحديث في هذا الأمر. أحس سعيد بشرخ في صدره جراء هذا الحديث، سرح قليلاً وهو يفكر في ثقله في تلك اللحظة، لقد أحس نفسه كبيراً، وبأن ثمة قوة ما تشده الى الأسفل، إلى الأرض، وبأنه منحط على نحو ما، حتى ظن أنه وذلك الفراش الأثير الذي يجلس عليه سيستويان. لكنه انتبه بعد ذلك للشيخ وفسر له سبب مجيئه. ضحك الشيخ واعتبر ان هذا الامر من قصص ودعابات الأطفال. ولا يمكنه في الحقيقة تقديم المساعدة نظراً لأن أولئك الثلاثة الذين صادفهم سعيد وكان الشيخ قد مر عليهم في طريقه إلى هنا من قبيلة أخرى ذات مكانة رفيعة وعلى سعيد ان يبحث عن مكان آخر. هذا عدا أن سعيد ووالده لا يحضران اجتماعات القبيلة ولم يزورا الشيخ منذ وقت طويل. استأذن سعيد عندما علم أن نهاية الأمر شبيهة بما حدث له في جامع القرية. ونظر قبل أن يمضي الى طريقه الى ذلك الرجل الذي يحرس المكان ثم ذهب إليه، طالباً منه أن يزوره فيما لو احتاج للفاكهة والخضار فمزرعتهم الصغيرة بعيدة بعض الشيء عن بيت الشيخ لكنه سيرحب به على الدوام.
مضى سعيد متثاقلاً إلى وجهته الأخيرة هذه المرة، بيت الوالي، دخل إلى هناك، قصر كبير وحرس يرتدون ثوباً موحداً هذه المرة، وفي مقدمته مزرعة كبيرة فيها شتى أنواع الفواكه والخضار. انتظر سعيد ساعتين قبل أن يتمكن من الدخول الى الوالي، وعندما فعل، تقدم إليه وحكى له القصة كلها وكيف أنه لجأ للشيوخ ولم يفته أحد في أمره. غضب الوالي وصار يزعق في الأرجاء، فكيف لمتسول أن يدخل إليه. وطلب منه المغادرة دون أن يفهم سعيد شيئاً. وفي أثناء خروجه من القصر دخل الصبية الثلاثة من نفس الباب. ضحكوا عليه، وانفرطت دموعه لأول مرة منذ زمن بعيد أمام الملأ هذه المرة.
ذهب سعيد إلى الحوض الذي ماتت فيه أخته، رمى أحجاراً كثيرة اليوم في قلب الحوض الذي كان يخفق في دوائر عريضة. وبكى كما لو أنه يفعل للمرة الأولى، شعر بالغيظ والحسرة، لماذا لا يكون العالم أكثر عدالة؟ أبوه يقامر بالمال القليل الذي يتحصلون عليه، وأمه صمتت بعد موت طفلتها. وهو وحيد، حتى الناس الذي خدمهم طوال ثلاث سنين تركوه وحيداً، شعر بأن الحياة تضيق عليه، تخنقه، وبأن طنيناً في رأسه لن يتوقف أبداً بعد اليوم. نظر ملياً إلى اخر دائرة تموج على سطح الماء، ثم ألقى بنفسه في الحوض. كانت المياه رجراجة، كما لم تكن في حضرة سعيد أبداً. وكانت الشمس تلمع هي الأخرى من فوق، قبل أن يسكت الماء، هذا الماء إلى الأبد.

أمل بنت عامر السعيدية

إلى الأعلى