الأربعاء 20 سبتمبر 2017 م - ٢٩ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب : قانون اليسر والسهولة

رحاب : قانون اليسر والسهولة

كان يخطط ويتخذ جميع الإجراءات لتنفيذ خططه، وغالبا ما يجد نفسه يسلك طرقا مختلفة تضطره إليها المستجدات والظروف. ويفاجأ بعد ذلك أن النتائج التي ينشدها تتحقق بطرق مختلفة عن تلك التي يحرص عليها. ذات مرة اشترى بيتا واتفق مع صاحب البيت الذي اشتراه أن يسدد له الثمن بشيك مؤجل، لأنه كان ينتظر مبلغا من المال من استثمارات له تكفي لسداد قيمة الشيك، بعد أن دفع مبلغ عربون إلى صاحب البيت ونقل ملكيته باسمه. أنهى جميع الإجراءات العقارية في وزارة الإسكان، وكان مخططا أن يستلم مستحقاته من المستثمر العقاري ويسلمها لصاحب البيت؛ إلا أن الظروف صارت على خلاف ما كان مخططا، فقد انهارت قيمة العقارات بعد شهرين من شرائه للبيت، وجاء موعد سداد المبلغ ولم يكن في حسابه البنكي مبلغ يكفي لسداد قيمة الشيك. استمرت المحفظة العقارية تتوعك وتهبط حتى خسر كامل مستحقاته ولم يحصل على مال كافٍ لسداد قيمة البيت. ولما يئس من الحصول على مدخراته تلك اضطر اضطرارا أن يعيد البيت إلى مالكه وتحول من مالك إلى مستأجر! ثم جاء اليوم الذي أجبره صاحب البيت أن يتركه لأنه سيسكنه، ووجد نفسه مرة أخرى مستأجرا، وبالفعل أعاد البيت إلى صاحبه، واستأجر بيتا آخر. ولكنه بعد فترة من الزمن أكرمه الله بشراء أرض واسعة تستوعب متطلبات سكناه وتستوعب جميع أفراد أسرته، وسهل الله له بناء تلك الأرض بمواصفات تلبي طموحه ولم يكن ذلك المشروع في عقله أصلا. سيناريو يتكرر معه. ولم يكن يراقبه ولم يكن ينشغل بتفسير أسبابه. يحدث معه باستمرار كما لو أن شخصا آخر يمتلك حكمة ونضجا وحسن تصرف ويمسك (بريموت كنترول) ويحرك به خيوط حياته. تمضي الأيام وتبدأ طلاسم حياته تتكشف له، وتسلمه إلى إمعان التفكير، فيتساءل: ما الذي يحدث؟ يخطط ويضع الأهداف والتدابير ويرسم الخطوات والإجراءات، ولكن عند التنفيذ كانت تعترضه عقبات تصرفه عن المضي قدما في استكمال إجراءات تنفيذ خططه. وبعد مرور فترة من الزمن وقع في يده كتاب بعنوان (قوة النية) للكاتب والمحاضر العالمي (واين داير) الذي يناقش فيه قوة النية. ويعرض فيه أن الإنسان بمجرد أن يتبنى نية معينة أو يتخذ قصا أو توجها لتحقيق هدف ما، فإن قوة النية المرتبطة بالخالق عز وجل تعمل وفقا لقانون البذرة، فما أن تضعها في التربة وتتركها فإنها تستسلم لقانون النماء الذي تتضافر فيه عوامل كثيرة منها ما يراها والكثير منها لا يستطيع مشاهدتها ورصدها، ولكنها تعمل باتجاه تحقيق المقصد، وتتحول النية إلى نتائج، وتصبح النية كما لو كانت هي التي تقوده وليست الإجراءات المنطقية والتدابير المنظمة التي يحكمها مبدأ الضبط والسيطرة.
صار حذرا جدا، وأصبح أكثر وعيا للعوامل اللامرئية التي تكتنف حياته وتتحكم في نشاطه وتصرفاته. تعود به الذاكرة مرة أخرى إلى عشرين سنة مضت، عندما كان متحمسا وبشدة أن يستكمل دراساته العليا بعد انتهائه من دراسة البكالوريوس، ولكن جميع محاولاته للحصول على منحة باءت بالفشل، حتى جاءت الظروف بدون تخطيط ووجد نفسه يسجل للحصول على الماجستير ثم الدكتوراة بسهولة ويسر. وأدرك أن خط سير حياته كان سيتغير بشكل جذري وربما لم يكن سيحقق ما أنجزه لو صارت الأمور كما كان قد خطط لها. تعلم العمل وفقا لمبدأ السهولة واليسر ببساطة ويقين مع الاقتناع بأن الله إذا قدر أمرا، فإنه يرتب له الأسباب والعوامل التي تدفع باتجاه تحقيقه. وهذا ما جعله يأخذ في اعتباره (وما تشاءون إلا أن يشاء الله) فالله سبحانه وتعالى قد يصرف عن الإنسان أمرا لحكمة يعلمها، لأن التفكير المنطقي والأخذ بالأسباب يتطلب وعيا روحيا يربط الإنسان بالله سبحانه وتعالى فيصبح متعلقا بالله سبحانه وتعالى وهذا يكسبه التوفيق والحكمة وحسن التدبير، بحيث لا يحزن على شيء فاته، ولا يقلق على تأخر تحقيق ما يتوق إلى تحقيقه، وهذا بكل تأكيد يحرر الإنسان من الارتباط والالتصاق مع رغباته وشهواته ومطالبه الملحة التي تجعل الإنسان الذي يبالغ في التمسك بها عبدا لها وتصرفه عن الحرية والاستقلال النفسي والعقلي والروحي عن كل شيء ما عدا الله سبحانه وتعالى.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى