الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / القانون والناس .. قراءة في قواعد روتردام للنقل البحري الدولي للبضائع (6) الإعفاء الاتفاقي للناقل من المسؤولية

القانون والناس .. قراءة في قواعد روتردام للنقل البحري الدولي للبضائع (6) الإعفاء الاتفاقي للناقل من المسؤولية

إلى جانب حالات إعفاء الناقل البحري بقوة القانون، يمكن إعفائه من المسؤولية كذلك بالاتفاق بينه وبين الشاحن وإدراج هذا الاتفاق في عقد النقل، وهو ما جرت تسميته “شروط الاعفاء من المسؤولية، أو “الإعفاء الاتفاقي من المسؤولية”… والواقع أن شروط الإعفاء من المسؤولية من أهم المسائل التي ثار بصددها خلاف كبير في الفقه، وأحكام القضاء حول صحتها. ويرجع الخلاف حول هذه الشروط إلى النزاع القديم الذي نشأ بين الناقلين والشاحنين الذي يطالب فيه الأولون بصحة هذه الشروط إعمالا لقاعدة “العقد شريعة المتعاقدين” ويطالب فيه الآخرون ببطلان هذه الشروط استنادا إلى الأضرار الكبيرة التي تصيبهم من جراء وجود هذه الشروط، وعلى اعتبار أنها تفرغ عقد النقل من مضمونه حيث تجيز للناقلين التصرف كما شاءوا في البضاعة وهي في عرض البحر بعيدة عن رقابتهم… أما فيما يتعلق بموقف القانون البحري العماني وكذلك الاتفاقيات الدولية البحرية “بروكسل، هامبورج” نجد أنها جميعا قد تضمنت قاعدة عامة نصت عليها مفادها بطلان شروط الإعفاء من المسؤولية، غير أنها تضمنت إستثناءات على هذه القاعدة مفادها صحة هذه الشروط في حالات معينة بينتها هذه الأنظمة القانونية… والواقع أن قواعد روتردام الجديدة لم تشذ عما أقرته الإتفاقيتان الدوليتان السابقتان عليها في بطلان شروط الإعفاء من المسؤولية، بل نهجت نهجهما ولكن بطريقة مفصلة أكثر ويشكل أعم مما كان عليه في معاهدة بروكسل وقواعد هامبورج، كما يتضح ذلك من نص المادة (79) من هذه القواعد- نأمل من القارئ الرجوع إلى نص المادة- ويعن لنا أن نبين بعض الملاحظات حول هذا النص: الملحوظة الأولى: خصص النص البند الأول للحديث عن شروط الإعفاء والتي تعفي الناقل أو تحد من مسؤوليته وقرر بطلانها، وخصص البندالثاني عن شروط إعفاء الشاحن أو تحد من مسؤوليته وجعلها كذلك باطلة. وبهذه العمومية في المعالجة تكون- بلا شك- قواعد روتردام قد خطت خطوة زائدة عن الإتفاقيتين السابقتين عليها وتعتبر هذه أو مرة تبطل فيها إتفاقية دولية الإتفاق على تعديل أحكام مسؤولية الشاحن. الملحوظة الثانية: أوضحت قواعد روتردام في نص المادة (79) أن بطلان الشروط التي تدرج في عقد النقل البحري تشمل الشروط التي تستبعد أو تحد من الإلتزامات والواجبات التي تفرضها الإتفاقية على طرفي عقد النقل، وتمتد كذلك إلى الشروط التي تحد أو تستبعد المسؤولية عن الإخلال بالالتزامات أو تحد منها… ولهذا تمتاز صياغة قواعد روتردام في هذا الصدد بالتفصيل عن سابقتها من الاتفاقيات الدولية… الملحوظة الثالثة: أبطلت القواعد الجديدة الشروط التي تعفي الناقل من مسؤوليته أو الحد منها ولكنها بطبيعة الحال تجيز الشروط التيتزيد منإلتزاماته ومسؤوليته على اعتبار أنها لا تقرر ميزة له على حساب الطرف الآخر بل أنها تخدم الطرف الآخر، أما بالنسبة للشاحن فقد أبطلت القواعد الجديدة الشروط التي تعفي أو تحد أو تزيد من إلتزاماته أو مسؤوليته ويرجع البطلان في حالة الزيادة إلى أن هذه الزيادة تتضمن إعفاء الناقل من المسؤولية، والشروط التي تعفي أو تخفف بشكل مباشر أو غير مباشر باطلة بنص الإتفاقية. وإذا أردنا أن نعقد مقارنة بين موقف الإتفاقيات الدولية الثلاث فيما يتعلق بصياغة بطلان شروط الإعفاء من المسؤولية فتميل إلى الأخذ بصياغة مختلطة تعتمد أساسا على نص المادة (79) من قواعد روتردام بإعتبار أنها تتضمن تفاصيل دقيقة أكثر، مع الإستفادة مما ورد في المادة (23) من قواعد هامبورج في النص على” بطلان هذه الشروط لا تؤثر على صحة الشروط الواردة في العقد أو الوثيقة التي تشكل جزاءا منها. فإذا أضيفت هذه العبارة إلى الصياغة الواردة في المادة (79) من قواعد روتردام يكون النص أكثر دقة واكتمالا… والقارئ للقانون البحري العماني يجده أنه تأثر كثيرا بنص المادة (3/ثامنا) من معاهدة بروكسل 1924 في نصه على بطلان شروط الإعفاء من المسؤولية وقد ظهر هذا التأثر في صياغة المادة (257) التي يجري نصها “يعتبر باطلا كل شرط في سند الشحن أو …” كما أن نص المادة (257) لم يشر إلى مصير الشروط التي ترد على المسؤولية عن التأخير مع أن المشرع أقام مسؤولية الناقل عن التأخير في المادة (252/3) بخلاف الحال في معاهدة بروكسل… وندعو المشرع أن يتدارك هذا الامر- عند صدور القانون البحري العماني الجديد- وعدم تبنيه صياغة معاهدة قديمة لم تتضمن الإشارة إلى المسؤولية عن التأخير……

الدكتور سالم الفليتي
محام ومستشار قانوني
كاتب وباحث في الحوكمة والقوانين التجارية والبحرية
salim-alfuliti@hotmail.com

إلى الأعلى