الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / اللعين الثالثة .. “نعم” للترشيد .. “لا” للتقشف

اللعين الثالثة .. “نعم” للترشيد .. “لا” للتقشف

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

نشاطر الحكومة هاجسها من تداعيات انخفاض أسعار النفط، وعدم استقرارها، وربما لم ينتقل هاجسها إلى الخوف، لكنه (أي الخوف) قد انتابنا منذ توقيع الاتفاق النووي بين إيران والقوى الدولية الست في يوليو الماضي، لأن هذا يعني عودة طهران لسابق إنتاجها النفطي، وهناك توجهات إيرانية لرفعه إلى (3،6) مليون برميل يوميا، وهذا بدوره سوف يخفض أسعار النفط، فكيف لو عادت ليبيا كذلك إلى إنتاجها النفطي؟ وكيف لو علمنا بحجم المؤامرة على النفط الخليجي؟ مع علمنا باعتماد اقتصادنا على النفط بنسبة (85%).
كل هذا يدفع بنا إلى القلق، لكنه قلق لا يلغي التفكير ولا يشل الأداء وإنما يدفع إلى البحث عن الحلول ونتائجها السريعة، فالخوف هو حالة فكرية أن خطرا (ما) وشيك، وهل هناك خطر كبير من استمرار انهيار الأسعار النفطية أو العلم بموعد نضوب النفط؟ فهو خطر وشيك من منظور استمرار انهيار الأسعار واحتمالات الانهيار الأكبر في ظل اعتماد اقتصادنا الكبير عليه، وخطر مستقبلي؛ أي ليس وشيكا نتيجة العمر الزمني المحدود للمخزون النفطي لبلادنا، وإذا ما أخذنا بهذا النوع من القلق “مؤسساتيا” فهو سيكون قلقا صحيا ومفيدا، وهو ما تحتمه الظرفية الراهنة، فهذا النوع من القلق يشحذ طاقاتِ الإنسان للتعامُل مع ذلك الخطر من منظوريه سالف الذكر. ولنفترض أننا “مؤسساتيا” وصلنا فعلا إلى تلك الحالة، إذن، ماذا ينبغي أن تكون عليه الخطوة الحكومية الفورية والعاجلة؟ بكل تأكيد، يحتم عليها تبني مفهوم الترشيد كمسار ثابت ودائم حتى لو ارتفعت أسعار النفط إلى حاجز المئة دولار بين ليلة وضحاها، وهذا السعر نطرحه كمثال رغم استحالة تحقيقه، لكي ندلل على أن الترشيد يشكل الخطوة الأولى الواعية بالضرورات الوطنية وفق مختلف سياقاتها الزمنية، وبالتأكيد سيكون النجاح حليفنا، وهذا يعني أننا ينبغي أن نستبعد خيار التقشف تماما، وهناك فرق جوهري بين المفهومين، والبعض يخلط بينهما كثيرا، فالتقشف يلجأ إليه في حالة الكوارث والانهيارات الاقتصادية يصاحبها تداعيات أمنية واجتماعية …الخ، بينما الترشيد يلجأ إليه لضغط النفقات إذا ما أريد للتنمية الاستمرار وفق أولوياتها، وهو لا يعني أبدا وقف المشاريع، وهذا الترشيد قد أصبح ضروريا في حالتنا الراهنة، فهناك إسراف وتبذير واستهلاك مفتوح وتوسع في المؤسسات الفرعية وكأننا في عصر النفط الذهبي، وحتى لو كنا كذلك، فإن ماهية المرحلة الراهنة مختلفة تماما عن مراحل السبعينيات والثمانينيات، واحتياجاتها التنموية أكثر تعددا وتنوعا وشمولية .. ومن ثم فإن هذا يستدعي تبني خيار الترشيد كتوجه عام ودائم بصرف النظر عن الأزمات، توجه له مؤسسات حاكمة له، تنظيرية ورقابية وآليات عمل خاصة بها، أي لا تترك العملية للاجتهادات الفردية للوزراء، فهي متروكة الآن، فماذا نتائجها؟ الترشيد يقتصر على الشاي وعلى تخفيض ساعات خدمة الإنترنت، ويلوح بها البعض افتخارا، فهل هذا الترشيد المطلوب؟ ذلك من بين المضحكات المبكيات، ففاتورة خدمة الإنترنت قد دفعت مقدما .. فمهما خفضت الساعات فهي أصلا مدفوعة الثمن، إنه خطاب ديماغوجي يقفز فوق المشكلة ولن ينفذ للذهنيات الاجتماعية، مما سوف يعمق أزمة الأداء الحكومي والعلاقة مع المجتمع، وحتى لو كان هذا النوع من الترشيد حقيقيا، فإنه يعبر عن القصور الفكري في فهم واستيعاب الترشيد في ظل استمرار الأزمة النفطية وآفاقها السوداوية المقبلة، فهناك أوجه إنفاق عديدة ينبغي أن تتوقف فورا، مثل المهمات الخارجية والداخلية غير الضرورية، وحتى الضرورية ينبغي أن يتم تقليص العدد، بينما نلاحظ استمرار هذه المهمات وبالكيفية المثيرة جدا، ولو بدأنا من القمة، فسوف نرصد مهمات بعض الوزراء مصطحبين بالوكلاء ورؤساء مكاتبهم وبعض مديري العموم، وكذلك ينبغي الضغط على الندوات والمؤتمرات، واختزالها في الأهم فقط، ومن الظواهر التي تدين كل من يزعم تبنيه الترشيد، استمرار ما نسميه بالسياحة الداخلية المجانية، وهذا ما رصدناه خلال الخريف الحالي 2015، حيث تلجأ بعض الوزارات بما فيها (…) إلى استئجار شقق لكبار مسؤوليها مع عائلاتهم تحت مبررات قانونية عدة كإقامة الندوات أو استحداث مهمات في كل فصل خريف.. وقد تابعنا هذه الظاهرة بشيء من العمق، واطلعنا على نماذج محددة .. كما تستوقفنا كثيرا قضية استئجار العمارات من قبل العديد من الوزارات، بعضها تصل إلى (70) ألف ريال شهريا، وأخرى ما بين (10-12) ألف ريال شهريا .. ولو توقفنا عند مهرجان خريف ظفار للعام الحالي، فسوف نتحدث كثيرا .. فأين ترشيد النفقات؟ هذا ما يجعلنا نرفع خيار الترشيد واستبعاد خيار التقشف الذي قد يطرحه البعض بسبب انهيار أسعار النفط، فلا يمكن اللجوء للتقشف وهناك سياسات مالية تتسم بالهدر وعدم الاهتمام بنتائجها على اقتصادنا واستحقاقات المستقبل، كما لا يمكن اللجوء إليه في ظل الثقل المؤسساتي وتعدد اللجان وفرق العمل وتنوعها وتداخلها في بعضها البعض، وهي تستنزف كثيرا من ميزانية الدولة، وبالتالي، فإن إعادة الهيكلة وعملية إصلاح الهيكل الإداري للدولة تدخل في صلب الترشيد، كما لا يمكن التفكير في التقشف في ظل استمرار المنح والامتيازات التي تعطى دوريا لكبار المسؤولين، كما لا يمكن التفكير في التقشف وهناك تبذير وهدر واضحان في المال العام من قبل بعض الشركات الحكومية .. المنتفعون والمتمصلحون قد يدفعون بنا إلى التقشف للضغط على الموارد حتى لو خنقوا المعيشة على المواطن مقابل أن لا تمس منافعهم ومصالحهم.
ومن الواضح تماما، أن الترشيد في صيغته الراهنة، لم يتوفر له الوعي الوزاري الذي يتناغم وينسجم مع مرحلة انهيار أسعار النفط، وما ينتظر الأسعار من سيناريوهات مقلقة، وكل ما نخشاه أن تتم عملية القفز إلى خيار التقشف، ويتم المساس بالمكتسبات الاجتماعية وبعمليات تعزيزها وبسياسة احتواء الشباب .. وهذا من الخطوط الحمراء، وحتى لو لم تستدعِ الظروف التقشف أو لم يبرز أحد من دعاته، فإن الترشيد قد أصبح خيارا استراتيجيا لبلادنا حتى لو تحسنت الأسعار النفطية لدواعي العقلانية والانضباطية، وللزوم تعزيز التنمية المستدامة، ولضرورات ضبط الأداء الحكومي. من هنا، فإن الترشيد لا بد أن يكون له كيان مستقل ينظر له ويراقب تطبيقاته، وتكون من صلاحياته المساءلة تحت رقابة مجلس الشورى.

إلى الأعلى