الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / سوريا وأكبر أزمة إنسانية وسياسية

سوريا وأكبر أزمة إنسانية وسياسية

علي عقلة عرسان

يوم الاثنين ١٧/٨/٢٠١٥ أصدر الاتحاد الأوروبي بيانًا حول الأوضاع في سوريا، جاء فيه: “سوريا التي لا يزال العنف يتصاعد فيها، أصبحت بالفعل أكبر أزمة إنسانية في العالم”، وكان ذلك بعد قصف دوما، يوم الأحد، حيث سقط عدد كبير من الضحايا بين قتيل وجريح.. وهو قصف جاء، فيما يبدو، ردًّا على قصف المسلحين لأحياء عدة في دمشق قبل ذلك بيومين. وما جاء في بيان الاتحاد الأوروبي، يصف، في حقيقة الأمر، جانبًا من المأساة السورية الكبرى، لكن لتلك المأساة أكثر من جانب، وكلٌّ من تلك الجوانب يكاد يكون فريدًا في مأساويته، من حيث الاستمرار، والتكاليف، والمعاناة، والضحايا، وتدمير بلد وشعب وتراث ثقافي وحضاري كبير، هو ملك للإنسانية جمعاء.. ومن حيث تأثير ذلك على شعوب المنطقة، وعلى أوضاع أخرى في العالم. وتتواصل فصول المأساة السورية، وتتفاقم، من دون رحمة أو مسؤولية من أي نوع أو درجة، ومن دون شعور بالآخرين “الشركاء في الوطن، والقرار والمصير، والضحايا في كل موقع”، ومن دون بعد نظر سياسي، وشعور وطني، وحساسية إنسانية واجتماعية، بتزايد الخطر، وخروجه عن السيطرة، ليصبح فوضى العقول المسكونة بالشر، والقلوب المسكونة بالكراهية والثأر والحقد.. وليصبح التدمير المأساوي الشامل لشعب وبلد وحضارة.. ذاك الذي يستمر إرهابًا واقتتالًا مجنونًا، وفتكًا بالناس من جهة، وقضية خارجة عن إرادة معظم السوريين من جهة أخرى حيث تحولوا فيها إلى أدوات وحالات عماء دموي يحكمها الفعل الجريمة ورد الفعل بجريمة على الجريمة.. ويصبح حل هذا الوضع بحاجة إلى إرضاء دول، وتحالفات، ومرجعيات، وإلى تلبية مصالح، وتوافق سياسي على تقاسم النفوذ، وتنفيذ المشاريع السياسية والاستراتيجيات الكبيرة.. ليس في سوريا فقط، بل في المنطقة وفي أرجاء من العالم. والذين يستثمرون في مأساة الشعب السوري، لا يكفون عن ممارسة لعبة الوجه والقناع، بخبث مطلق، وشر منطلق من عقاله، مع إدراك تام منهم، لكثير مما تنطوي عليه الأحداث المأساوية في سوريا، وما ينبئ به استمرارها من اتساع وتطور وتجذر. وهذا يجعلنا نشير إلى بعد رئيس، أو إلى وجه مهم، من وجوه المأساة السورية، يساوي في الأهمية “الأزمة الإنسانية” التي أشار إليها بيان الاتحاد الأوروبي.. وهو “الأزمة السياسية الدولية”، التي أصبحت بالفعل من أكبر الأزمات في العالم، حيث تسهم في صبيب الدم، وتعاظم الفتك بسوريا وشعبها يومًا بعد يوم، وتصب في مجرى استمرار “الأزمة الإنسانية السورية” وتفاقمها.
إن الأفعال الدموية التي تتبادلها الأطرف المعنية مباشرة بعمليات القتل والتدمير ونشر البؤس والفوضى والإرهاب، تقع معظم نتائجها الكارثية على المدنيين.. الذين هم سوريون، لمن ينسى ذلك أو يتناساه، ولمن يرفع شعارات باسم السوريين ويتعاطف معهم، أو يحرضهم على الاقتتال حتى الرجل اللأخير.. أيًا كانت تلك الشعارات!! وكل طرف من المتقاتلين على الأرض السورية، يعتقد أنه، حين يضرب بقوة ووحشية، إنما يضرب خصمه الذي يسميه “عدوه”.. لكن واقع الأمر أن الكل يفتك بسوريا وشعبها بالدرجة الأولى، بمن في ذلك كلُّ من يدعم، ويوجّه، ويمول، ويساند، ويحرض، ويناور، ويتحالف، ويسوف في الحل، ويتاجر، ويرتزق، ويخطط لمشاريع مستقبلية، يحتاج تحقيقها إلى سيول أخرى من الدماء.. وكل من يعتقد أن المرحلة التي وصلها في مشروعه الدموي، تقتضي المتابعة: للتثبيت، أو لتحقيق “انتصار؟!” وحسم.. إلخ، إن كل أولئك يسهمون في قتل سوريا والسوريين، وفي مضاعفة الأزمة “الإنسانية والسياسية” التي لا سابقة لها في العالم. وكل أولئك أطراف، بدرجات من الأهمية والمسؤولية، في صنع مأساة هذا القرن، ويتحملون مسؤولية أخلاقية، وسياسية، وقانونية، وإنسانية.. حيال مأساة السوريين وبلدهم.
في هذا الخضم الدموي الرهيب، المتماوج بالدم والأشلاء، منذ أكثر من أربع سنوات، لم يلتفت أحد، بجدية المسؤول ذي الأهلية، إلى شعب يُذبح وبلد يُدمر، ولم يلتفت أحد إلى حقيقة أن هذا المسار، هو مسار قاصرين عن إدراك الأبعاد والنتائج التي تترتب عليه، ولا إلى أنه مسار بلا أفق مشرق ولا نتائج طيبة، وأنه مسار لا يفتح إلا أبواب جهنم على من يسلكه، ولا يفرخ إلا التطرف، والعنف، والإرهاب، والجريمة، والفوضى، والبؤس بكل أشكاله. فكل من يسير في هذا المسار: يذبح ويدمر، ويفجر، ويزعم أنه على حق، وأن الآخر هو الباطل والجريمة والمجرم والمتآمر.. إلى آخر الكلام المعروف الذي نستمع إليه في كل دقيقة من دقائق الليل والنهار.. وأنه سوف يحقق “نصرًا” يدخله التاريخ، وأبدية الوجود، وأنه سيحقق الحسم بالقوة على “الخصم/ العدو”.. وما هو بمحقق سوى عارٍ ملوث بدم الأبرياء، ودمارًا شاملًا يرضي الأعداء.
يختلف “الكبار” على أشخاص، وأقليات، وسياسات، في سوريا الحاضر والمستقبل.. ولا يعنيهم شعب وبلد، ولا قتلى بمئات الآلاف، وجرحى ومعوقون ومصابون يبلغ عددهم أضعاف أضعاف أولئك، ولا إلى مجتمع يتفكك، ومئات آلاف النساء اللائي وضعن في أوضع لا يمكن أن تكون مريحة ولا مقبولة.. وهم لا يلتفتون بمسؤولية، من أي نوع أو أية درجة، إلى ملايين السوريين والسوريات، الذين “أصبحت” أزمتهم ومأساتهم أيضًا”، هي بالفعل أكبر أزمة إنسانية في العالم”؟!.. يختلف الكبار، على “مصائر أفراد، وجماعات، وأقليات.. وعلى مصالح، ومواقع نفوذ، ومستويات هيمنة.. إلى غير ذلك من الخصوصيات والذرائع والازدواجيات السياسية والأخلاقية، ويتبعهم في ذلك من يتبعهم لأسباب وأسباب.. ويهملون شعبًا وبلدًا وحضارة، وأكثريةً “هي الناس” بكل أطيافهم ومشاربهم وانتماءاتهم، ممن لكل منهم حق الحياة، والعيش في وطن آمن، والمشاركة في تقرير مصيره، ورسم سياساته، وتحديد خياراته.. يهملون فعليًّا حقوق أولئك السوريين والسوريات، في سوريا وخارجها.. ويتركونهم يُقتلون، ويُشردون، ويعانون الويلات، ويبقون بين ضفتي الدماء والدموع، ينتظرون “الحل” في بلدهم، لتقف مآسيهم عند حد، ويتوقف الفتك بهم، وتتراجع مأساتهم درجة، ويتوجهون نحو الاستقرار في وطن ودار.
لا يمكن أن تحل أزمة/كارثة/حرب/فتنة.. إلخ، بهذا الاتساع، وهذه الشدة، وهذه الأبعاد.. لمصلحة أشخاص، أو فئات، أو أقليات، أو أكثرية، أو .. أو.. إلخ، بل لمصلحة شعب وبلد مستقل ذي سيادة، ووجود على مدى التاريخ. إن القول “بأن السوريين وحدهم يحلون مشكلتهم ويقررون ما يشاؤون”، قول ملغم بالكثير من الألغام التي لا يكشفها الشعب الضحية، وهي أقوال تعلنها الأطراف الدولية كلها، لكن رقاب السوريين المعنيين بالاقتتال، ومن ثم بأي حل سياسي، ممسوكة جيدًا، ومسيطر عليها تمامًا، من قوى دولية وإقليمية شريكة في ما يجري في سوريا.. ولتلك السيطرة أشكالها وصيغها، وأسبابها المعروفة جيدًا، وأهم ما يحكمها ويجعلها نافذة ومستمرة، الارتباط المصيري لأطراف الصراع بالدول والتحالفات والقوى والمرجعيات.. إلخ، التي تقود، وتأمر، وتسند، وتمول، وتحرض.. فبعد أن غرق السوريون أو أغرقوا في هذا الخضم، أصبح كل طرف من أطراف الحرب/الفتنة.. مرتبطًا ارتباطًا مصيريًّا بمن لجأ إليهم، أو استعداهم، أو طلب مساعدتهم على سوري آخر.. ومن ثم أصبح معظم أولئك أسرى، أو لا يملكون من أمر أنفسهم شيئًا، فكيف يملكون أمر شعب وبلد، إلا بأن يستمروا بتنفيذ أوامر أعدائه بقتله وسحقه وإخضاعه؟!
ليست الدول الكبرى المتناحرة سياسيًّا، حيال الشأن السوري على الخصوص، على شيء من الحكمة، والحق، والمنطق، والأخلاق، والمسؤولية بأنواعها ودرجاتها، حين تدخل في صراع سياسي فيما بينها، على حساب شعب دمه يسيل، وأبناؤه تقتل فيهم إنسانية الإنسان، وحضارته تُدمَّر، ودولته التي تُنتهَك وتهدد بالتقسيم، وحقوقه الإنسانية والقانونية والتاريخية تُهدر، وأرضه المحتلة، “الجولان”، ومناطق أخرى من أرضه، يسعى البعض إلى تقديمها: هبات، وترضيات؟! حين يُقدم استقلاله، وتقدم سيادته، لمن تنفتح شهيته لابتلاع دولة، تحت ذرائع وأغطية وشعارات، هي الكذب والنفاق ومنطق العدوان، تلك التي لا تنطلي على من يعرف التاريخ، ويقرأ الحاضر، ويستشرف المستقبل في ضوئه!… ليست الدول الكبرى على شيء من ذلك الذي أشرت إليه قبل قليل، ويرتجى منها، ولا الذين يتبعونها ويتحالفون معها: من دول وقوى وفئات وأشخاص، هم على شيء من الوطنية والانتماء، والحكمة والأهلية للمسؤولية، والذكاء.. حين تستخدم تلك الدول، أو تسمح لهم باستخدام، القوة البشرية، والمادية، والعسكرية المدمرة، والمالية، وغير ذلك.. لكي يخوضوا صراعاتهم الدامية، ذات الصبغات الشخصية، اللاشرعية، لحسابها أو لحسابهم، فيدمروا بلدًا ويذبحوا شعبًا، ويفسدوا مجتمعًا، ويشعلوا نار فتنة مذهبية في أمة، وعقيدة، وهوية.
لكن هذا الذي نشير إليه، في الوقت الذي يعتصرنا فيه الألم ويكاد يلفّنا القنوط.. ليس هو منطق السياسة التي تجردت من الأخلاق والقيم، والتصقت بالمصلحة والمادة، وتلوثت بالدم والاثم والخطيئة في أكثر الأحيان، وحين تعجزها الغاية تبرر الوسيلة، وتفتح الخيارات، أو كما يقولون بلغة سياسة القوة المعاصرة: “كل الاحتمالات مفتوحة، وكل الخيارات على الطاولة”؟!.. فمنطق السياسة “قوة”، ومنطق القوة يؤدي إلى التسلط، والظلم، والقمع، والعنف، والتطرف، والإرهاب بدرجاته.. ومن ثم إلى استخدام القوة، بكل أنواعها وطاقتها ومخزونها ووسائلها، لبلوغ الغاية.. حتى لو بلغ ضحايا ما تخوضه من صراعات وحروب، “ساخنة وباردة”، عشرات الملايين من البشر، وأدى ذلك إلى تدمير دول، وإبادة شعوب وحضارات، وجعل ملايين البشر يعيشون في أزمات وضائقات اقتصادية، وشقاء وبؤس شامل، وأعادهم في حركة تخلف عشرات السنين إلى الوراء، بعيدًا عن عصرهم. والتاريخ يفتح أمامنا صفحات سوداء، لأقوياء، أغراهم منطق القوة فاتبعوه، على مستويات وصعد شتى.. واستخدموا القوة، في التسلط، وحسم الخلافات، والنزاعات، والصراعات، فقادتهم القوة إلى الوحشية، بأفظع صورها ومعانيها وممارساتها ومراميها. وليست الحرب العالمية الأولى، ولا الثانية عنا ببعيد، ولا عدوان الصهاينة المستمر على الشعب الفلسطيني كذلك، ولا حرب فيتنام وكمبوديا، والحرب في لبنان، وفي أفغانستان، ولا ما جرى في البوسنة، ولا الحروب الأهلية والقبيلية في إفريقية، ولا تدمير العراق وإلقاء شعبه في أتون الفتنة المذهبية التي ما زالت تلتهم الكثيرين.. ولا الحرب الكارثة المستمرة في سوريا؟! ليس كل ذلك وسواه عنا ببعيد. منطق القوة أعمى، أو هو يعمي ويصِمّ، ويغري من يأخذ به ويتبعه، بأنه الحق وليس فقط على حق، وأنه البطولة، والإنقاذ.. فإذا انتصر كتب التاريخ على هواه، وإذا انهزهم طواه التاريخ هو وقضيته ومن معاه، وكتب الصفحات قوي آخر على شاكلته.. فمنطق القوة أعمى، كما أنه يزيغ عن الحق، ويُعمي ويُصم. على أن ذلك المنطق، منطق القوة، يستدرج منطقًا من نفس النوع والطبيعة، أو قد يفرضه بأسلوب ما، ولسبب ما. وهو في الحالين، حال المبادرة والمثاورة، الفعل ورد الفعل، حتى لو استخدم في رد قوة عادية، وفي الدفاع المشروع عن النفس، ومن وما في حكمها، ولدفع ظلم وضيم وجور، واضطهاد واستبداد، وطلب لحق وحرية وقيمة إنسانية.. فإنه يكون مكلفًا، ويدخلك في لغة الحرب، ومطلب الحرب ليس بالضرورة هو الإنساني الحكيم المشروع، لأنه في النتيجة “القتل والموت”، وليس ذلك بفعل مشروع، حسب قيم وإيمان رفيعين. مطلب الحرب، أو منطق القوة مكلف، ولا يكاد صاحب الحق في معمعانه ينجو بنفسه حتى من نفسه، فالقوة تسحر وتغوي وتغري وتبتر..؟!
فكيف السبيل إلى حكمة تحكم القوة بالتقوى، وإلى منطق يجابه منطقها، بالعدل والحق والوعي، من دون استفزاز ولا سفك دم.. لا سيما حين تتجرد القوة من المنطق وتتنكر له، أو حين لا تعيه، ولا تنشده، ولا ترتضيه.. وحين لا ترى الحكمة نفعًا في القوة، ولا مخرجًا مع منطقها الأعمى، إلا بمثلها؟!
تلك إشكالية يغرق فيها الناس، وتغرق فيها دول، وتُغرِقنا فيها قوي وجهات وتكتلات وأحزاب وشخصيات.. وهي مما نغرق فيه اليوم، نحن السوريين، من بين الدول والشعوب، ويغرق فيها أبرياؤنا وأطفالنا ونساؤنا وشيوخنا على الأخص.. فبين دمنا ودمنا قوة مجنونة عمياء تعبث بنا، قوة جشعة وظامئة، لا تشبع ولا ترتوي من الدماء.. وغي لا ينفع معه منطق العقل والحق والعدل، وفورة أنفس دفعها التطرف إلى سوء التصرف، فأصبحت رهن غُلوّها وثأرها وحقدها ومعاناتها وهواها.. لا ترى لها خارج القوة مخرجًا. وهكذا، في ظل هذا الوضع الغريب العجيب المريب، أصبحت الوطنية حجابًا، والمذهبية حجابًا، والدين حجابًا، وكذلك السلطة، والدولة، والسيادة، وطلب العدل، والحق، والحرية، والمساواة و.. إلخ، كل ذلك أصبح أحجبة، لا تسمح برؤية سليمة للآخر، ولا تسمح للآخر بسلامة الروية. ففي هذا المناخ العاصف المشبع بالقذائف والرصاص والدم والموت: بأي العيون نرى، وبأي الملكات نميز، ونحكم، ونهتدي؟ وبأيٍّ نقتدي.. حين القوة حاكم مسيطر، وبديل وقبيل، وقنديل ودليل.. وحيث العقول غيبوبة أو في غياب، والقلوب مظلمة ونورها في احتجاب، والأنفس في ضلال وعتمة، تعصف بها أهواء معظمها ينطوي على خراب أو سراب، والأبصار في الغشاوات، والبصائر في ارتياب؟!
اللهم مُنَّ علينا برحمة منك، تحفف علينا هذا المصاب، وتؤدي إلى فرج بعد هذه الشدة.. فقد ضقنا، وضاقت الدنيا بنا، وضاقت علينا، وضقنا بها، واضطرب كل ما فينها وما حولنا.. حتى غدت عودة الطائر إلى عشه، في وطننان، نوعًا من عذاب له أي عذاب، وأصبح كل من يرى حيرته وتخبطه وعذابه، في حال أشد من حاله، تضاف إلى هول ما هو فيه من عذاب، ورعب من أنواع الفساد والإرهاب.

إلى الأعلى