الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن .. بالتسامح والأخلاق تسمو الأمة

رأي الوطن .. بالتسامح والأخلاق تسمو الأمة

لكل مجتمع ثقافته ومنظومة القيم الخاصة به، وثقافتنا كجزء من العالمين العربي والإسلامي، تنهض على أساس من التسامح والتراحم والتواصل مع الآخروتبادل المصالح معه ومعاضدته في أعمال تعود بالخير للبشرية كلها. وتنطلق رؤية حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ من تلك المنظومة السمحة لدعم وتنمية المعرفة الإنسانية، وإيجاد جسور من التواصل بين ثقافتنا والثقافات الأخرى، ولما كان التعليم هو الأساس الذي يساعد على تكوين الرصيد المعرفي والثقافي للإنسان ويوسع من قدراته العقلية ليتجاوز النظرات الضيقة التي تعلي من شأن (الأنا) فلا تترك مجالًا للفهم الموسوعي لحركة البشر على الأرض. لذلك أولى جلالته ـ أعزه الله ـ التعليم عنايته القصوى، ليس على مستوى السلطنة فحسب، بل على مستوى العالم، للمساعدة في التقريب بين الثقافات وتعميق أدوات الحوار وتحقيق هدف التلاقي الحضاري بيننا وبين العالم الذي نعيش فيه. وكانت إحدى أدوات تحقيق هذا الهدف إنشاء كراسي السلطان قابوس العلمية في عديد من الجامعات العربية والأجنبية، وتختص تلك الكراسي العلمية بمجالات أكاديمية وميادين دراسية علمية ودينية وثقافية واقتصادية وفنية، وجميعها تسهم في تطوير البرامج والأنشطة وعمليات البحث العلمي في المجالات المتعلقة بالدراسات الفكرية والحضارية والأخلاقية والأصول الدينية أيضًا.
وإذا كان للعلم دوره الكبير في توسيع المدارك والفكر وتغذية العقول بكل ما هو مفيد والسير بها نحو مرحلة تلو المرحلة من الابتكارات والمخترعات التي تسهم في تقدم العلوم وخدمة البشرية ورفعة الأمم وتحضرها وتقدمها، فإن الأخلاق هي الأخرى لها دورها الأكبر والأسمى في سمو الأمم ورقيها، فلا يزال بين دفتي التاريخ قصة الحضارة الإسلامية لا سيما في صدر الإسلام حين كان نور النبوة يرسل نوره في السماوات والأرض ويبعث فيوضه في الاتجاهات الأربعة، حيث أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم كانت نبعًا صافيًا زلالًا، وترجمة عملية لقول الحق جل في علاه “وإنك لعلى خلق عظيم”، وترجمة عملية وفورية لقول المصطفى عليه الصلاة والسلام في وصف دوره ومهمته العظيمة “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” و”إنما بعثت مربيًا ومعلمًا”. ما كان لهذه الترجمة الأثر القوي والفعلي تجاه الناس شريفهم ووضيعهم، غنيهم وفقيرهم، عربيهم وأعجميهم، حضرهم وبدوهم، في دخولهم الإسلام، فبسمو أخلاقه صلى الله عليه وسلم استطاع أن يربي أمة متحضرة راقية في تعاملها وعلاقتها مع الله والناس على مختلف مشاربهم ومعتقداتهم وأديانهم، أمة أكدت مصداق قوله سبحانه وتعالى “كنتم خير أمة أخرجت للناس”.
ومن ينظر إلى واقع المسلمين اليوم وما كان عليه الرعيل الأول في عصر النبوة والصحابة رضوان الله عليهم، ليجد البون الشاسع، وكيف تخلى السواد الأعظم من أمة الإسلام والعرب عن أخلاق النبوة، وتنازلوا عنها في سبيل شهوات الدنيا ومتعها، في معاكسة واضحة للأهداف السامية والغايات الجليلة التي من أجلها جاءت الرسالات السامية وما حملته من مكارم أخلاق، فتراجعت الأمة عن عليائها وسموها، جراء بعدها عن دستورها الإلهي وارتهانها لتراث بشري قام الأهواء والتطرف والشذوذ والتكفير والدعوة إلى الإرهاب والقتل والعنف والتخريب والفتن، ما سهل لأعداء هذه الأمة التغلغل في مفاصلها واستغلال ذلك في إفساد أخلاقها وضرب ركائز استقرارها واطمئنانها وتآلفها وتعاونها وتسامحها وتراحمها، واحتضانها الآخر وتعايشها معه.
ولكن على الرغم من ذلك، تبقى جهود الخيرين الآملين في أن تعود الأمة إلى رشدها وصلاحها وأخلاق رسالتها الإسلامية مبعث خير وتفاؤل، وتأتي فعاليات ندوة “الإسلام تفاهم وتعايش وتعاون” التي تنطلق اليوم في مدينة صلالة اضطلاعًا بأهمية نشر تعاليم الدين الحنيف وإبراز قيمه ومبادئه، وتأكيدًا على قيم التفاهم والتعايش والتسامح في السلطنة ودور العلماء المسلمين في بناء الحضارة الإنسانية، وأهمية تفعيل المفاهيم بين مختلف الثقافات وبناء جسور التواصل للارتقاء الحضاري والمعرفي. كما يأتي تدشين حملة “راقي بأخلاقي” أمس الأول تأكيدًا على أهمية الأخلاق في حياة الأمم وما ينتج عنها من ترابط وإخاء، ففي التاريخ هناك شعوب سادت بأخلاقها حين التزمت، وبادت حين تخلت. فما أحوج الأمة إلى أخذ العبر، والعودة إلى أخلاق النبوة والقرآن، ومتى ما عادت سادت.

إلى الأعلى