السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : الفرق كبير وخطير

باختصار : الفرق كبير وخطير

زهير ماجد

لست متحمسا لإعادة الكرة في زيارة أي من الدول الأوروبية وخاصة تلك الموصوفة بالثقافة والأدوار التاريخية إضافة إلى أميركا واليابان وحتى الصين التي زارها صديق ولم يعد إلينا إلا بصعوبة. مصدر عدم الحماس تلك الفروقات الكبيرة بين عالمنا الآن وعالم هؤلاء، بين ما وصلوا إليه وبين ما نتخبط فيه، بين مستقبلهم والوجع المصيري الذي ينتظرنا .. وأن لا أريد أوجع خيالي بتلك الفروقات الهائلة.
لا أريد الدخول في فروقات التأمينات الاجتماعية والتعليم والتربية وفرص العمل والضمانات ضد الشيخوخة؛ لأن لهم شيخوخة مؤكدة أما نحن العرب فمشكوك في شيخوختنا، إضافة إلى قوانين النظافة والرهافة والحرية والشكل الديمقراطي .. بل أريد من خلال مشاهداتي أن أستغرب ذلك الانكباب العربي على الإنجاب الذي بات في أوروبا ما يشبه التوازن العددي، فيما نحن نبلغ أعلى المعدلات في العالم.
زيارة بسيطة للمخيمات السورية في أي مكان سنجد كما هائلا من الأطفال، ثمة تدرج في الأعمار، كأن تكون المرأة حاملا فيما على يدها طفل في عمر السنتين، وآخر تجره في عمر الثلاث سنوات ورابع في عمر الأربعة، وخامس وسادس وربما سابع … في حين حلم الأب أيضا في امرأة ثانية وثالثة وربما رابعة .. الشوارع التي ليست شوارع مليئة بالأطفال الذين لا ذنب لهم سوى ثقافة البدع التي يتداولها الكبار، وأقول الكبار رغم أنهم من جيل لم يذهب إلى محو الأمية فعلق في شباك الفقر الفكري والتعليمي، وحتى وإن تعلم، فهو لا يساوي بين رغباته وبين التنظيم الاجتماعي .. من هنا أولادنا يصيرون لا أولادنا، يذهبون إلى حيث يميل هواهم خارج التحكم بهم طالما أن الشارع من يحكم وأفكاره من تمشي وتسود .. في سوريا تضاعف عدد أفراد المجتمع بسرعة مذهلة من ستة ملايين مثلا إلى أربعة وعشرين مليونا، وستكون ضريبة حربها ملايين من الأميين مع أن جامعة دمشق في العام 1948 خرّجت أربعة آلاف جامعي في وقت لم يتخرج آنذاك من جامعات لندن سوى ثمانمئة. أما في مصر فتبدو المصيبة أصعب أمام الأفواه الجائعة والأمية التي تجاوزت الأربعين بالمئة، والعدد الهائل الذي يتكاثر يفاجئنا عدَّاده بأنه وصل رقم التسعين مليونا، فيما كان قبل أربعين سنة تقريبا في حدود الثلاثين. وفي اليمن مشاهد الفقر غلابة فمن يطعم أفواهها الجائعة ..
العالم العربي تزيد أعداده، لكن أحلام الفقر تعشعش في وجدان الناس، فأي سبيل يصنع لهم خيالا ورديا يلاحقونه .. هذا الكم البشري العربي غير المنتج وغير المضمون المستقبل، العبثي، الذي ما أن يصبح الفرد فيه فوق سنه الخامسة عشر حتى يصير متأملا، لكن بلا نتيجة سوى الفراغ الذي يأخذه إلى الكآبة.
لو يكف عالمنا العربي عن إنتاج المزيد من أطفاله الجدد كما تفعل الصين، وكما ترتاح إليه أوروبا، وكما هي شغوفة فيه أميركا .. يقول العلماء إن أكثر الفترات إنتاجا للأطفال هي فترة الحروب لأن الخوف على المستقبل عالٍ جدا، والرجال والنساء بلا عمل وأمل، فليس أمامهم سوى صناعة الإنجاب .. لكن الأمر عند العرب إنجابي سواء كانت هنالك حروب أو مراحل سلام .. المسألة ثقافة مجتمع، ومن الأسف القول أنها غائبة لا من ذاتها ولا من قبل دولها، وقد يكون لا علاقة لها بواقع الحروب والأمن المضطرب.

إلى الأعلى