السبت 25 نوفمبر 2017 م - ٦ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الإرهاب في ليبيا

الإرهاب في ليبيا

إذا كان البعض يعتمد التقاطع مع الإخوان في سوريا ـ وربما بالتفريغ السلبي في اليمن ـ فهذا ما يجب التحذير منه في ليبيا. وربما نحتاج في المنطقة إلى عدم الرهان على أي دور دولي في دعم مكافحتنا للإرهاب في ليبيا، خاصة من واشنطن ولندن وباريس. فالعواصم الثلاث ساهمت بشكل أساسي في وصول الأوضاع في ليبيا ما بعد القذافي إلى ما هي عليه الآن.

استنجدت ليبيا مجددا، عبر حكومتها الشرعية، بالعرب والعالم لمساعدتها في مكافحة الإرهاب على أراضيها بعد تمدد جماعات إرهابية بايعت تنظيم داعش في مناطق الغرب تدمر الأحياء وتحرقها وتعدم المواطنين. وطلبت الحكومة الشرعية في طبرق من الدول العربية قصف مواقع داعش في سرت ودرنة، فيما تم دعوة جامعة الدول العربية لعقد اجتماع لبحث هذا الأمر ـ ربما بما يوفر غطاء عربيا لإجراء من جانب بعض الدول المعنية للتصدي للإرهاب في ليبيا. ورغم أن دعوات الشرعية الليبية تكررت من قبل لمساعدتها في مكافحة الإرهاب، إلا أن التطورات الأخيرة في شرق البلاد تستدعي تحركا عاجلا بعدما فعلته التنظيمات الإرهابية في سرت من تدمير للمدينة وإعدام سكانها بالعشرات. ولم يعد الأمر قاصرا على تمترس الإرهابيين في درنة، بل بدء تمددهم واستهدافهم أيضا لبنغازي ـ عاصمة الشرق وثاني أكبر مدن ليبيا ـ التي حررها الجيش الوطني الليبي من قبل من ربقة الإرهاب.
وكما حدث من قبل، منذ لجوء الجماعات المتشددة وجذرهم المتمثل في الإخوان إلى العنف لفرض أنفسهم بعد فشلهم في آخر انتخابات برلمانية، تزامن موجة الإرهاب الجديدة مع تعثر العملية التي تقودها الأمم المتحدة للوصول إلى حل سياسي توافقي يضم كل الأطراف في ليبيا. ومنذ بداية تلك العملية السياسية والأمم المتحدة تخضع لإرادة أميركية/غربية تصر على إشراك الإخوان والجماعات المتشددة في حكم البلاد (رغم الرفض الشعبي). ويستند هؤلاء ـ ومعهم بعض أطراف إقليمية ـ إلى أن هؤلاء “فصيل سياسي لا يمكن تجاهله” على أساس أنه يسيطر بقوة السلاح على العاصمة طرابلس ويرهب أهلها وبقية البلاد. ورغم أن الحكومة الشرعية تجاوبت تماما مع الجهود الدبلوماسية، حرصا على توافق وطني يضم الجميع، إلا أن الإخوان ومن هو قريب منهم من جماعات الإرهاب ـ بما فيها تلك المناصرة لداعش والقاعدة ـ يتمادون في الغي بالإصرار على ألا يكون هناك جيش وطني للبلاد، وأن يتكون الجيش والأمن من رجال الميليشيات (الذين هم رجالهم في النهاية من المتشددين والمتطرفين). ذلك حتى يصبح جيش ليبيا على طريقتهم هو الإرهاب بعينه، وإن ادعى أنه يكافح الإرهاب.
وكلما كسبت الحكومة الشرعية موقفا، حتى باستجابتها لمطالب الضغوط الدولية، كلما زادت وتيرة الإرهاب في ليبيا. وما تلك الموجة الأخيرة في سرت إلا حلقة في حلقات من العنف الدموي الإرهابي التي يشيعها قادة الميليشيات والإخوان المغتصبين لطرابلس. ويصر الأميركيون والغرب على عدم السماح بتسليح الجيش الوطني الليبي بحجة أن ذلك يقلب موازين القوى في وضع يريدون تسويته بما يضمن مشاركة الجميع وليس تغليب طرف على آخر. هذا في الوقت الذي يرغب الطرف الآخر (الإخوان ومواليهم من الإرهابيين) في السيطرة والتغلب حتى بدون سند من شرعية. والواقع بالضرورة هو أن إصرار الغرب على عدم تسليح الجيش الليبي إنما يعني بالنتيجة تقوية شوكة الإرهاب في ليبيا. حتى عندما أعدم الإرهابيون في ليبيا مجموعة من المصريين وقصفت مصر ـ على ما يبدو وإن لم تعلن ذلك رسميا ـ مواقعهم وقتلت وأسرت العشرات من الإرهابيين اعترض الأميركيون والغرب (وتذمر طرف إقليمي أو آخر من مؤيدي الإخوان).
وبصراحة، لم تكن مصر بحاجة لمبرر كتلك المجزرة الوحشية لتهاجم الإرهاب في ليبيا فحقها واضح جلي في الدفاع عن نفسها أمام خطر يهددها أكثر من غيرها. وإذا كانت تونس والجزائر مثلا تتردد في التحرك الإيجابي، رغم انسياب الإرهاب عبر حدودهما مع ليبيا، فإن مصر لا تملك هذا الترف وهي تقود حربا داخلية ضد الإرهاب. صحيح أن غطاء عربيا يتمثل في موقف لجامعة الدول العربية يدعم مكافحة الإرهاب في ليبيا “بشتى السبل” يمكن أن يعزز موقف مصر إلا أن ما يتطلبه الأمر هو دعم حقيقي لجهد مكافحة الإرهاب في ليبيا. وكما تداعت دول عربية وإقليمية للتحالف بقيادة السعودية دعما للشرعية في اليمن، فإن الشرعية في ليبيا بحاجة لتحالف مماثل يدعمها ـ بل أكثر من ذلك. هناك حاجة لتحالف مكافحة الإرهاب في ليبيا ـ كالذي يضم عشرات الدول الغربية والإقليمية لمحاربة داعش في العراق وسوريا ـ لا يقتصر على مصر فقط، حتى لو انضمت لها الجزائر وتونس.
وإذا كان البعض يعتمد التقاطع مع الإخوان في سوريا ـ وربما بالتفريغ السلبي في اليمن ـ فهذا ما يجب التحذير منه في ليبيا. وربما نحتاج في المنطقة إلى عدم الرهان على أي دور دولي في دعم مكافحتنا للإرهاب في ليبيا، خاصة من واشنطن ولندن وباريس. فالعواصم الثلاث ساهمت بشكل أساسي في وصول الأوضاع في ليبيا ما بعد القذافي إلى ما هي عليه الآن. ومن السذاجة تصور أنها يمكن أن تؤيد، ناهيك عن أن تدعم بشكل فعال، أي جهد لمكافحة الإرهاب في ليبيا. فتلك الدول تقود التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب في العراق وسوريا، ولم تكن النتيجة بعد عام سوى توسع داعش وسيطرتها على المزيد من أراضي البلدين. والآن، يجري دعم القاعدة والإخوان بحجة أنهم سيواجهون داعش! وهذا أكبر “استغفال” يمكن تصوره ممن يعرفون قبل غيرهم أن بعض تلك الجماعات الإرهابية إنما خرجت من عباءة الإخوان.

د.أحمد مصطفى
كاتب عربي ـ لندن

إلى الأعلى