الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / حقوق الإنسان في القرآن الكريم (4 ـ 5 )
حقوق الإنسان في القرآن الكريم (4 ـ 5 )

حقوق الإنسان في القرآن الكريم (4 ـ 5 )

قراءة في (الفقه الإسلامي: المشترك الإنساني والمصالح)

القرآن الكريم لم يتعرض لتشريع مباشر إلا ما ورد في السنة وهو مثار جدل وبحث، والسنة مستقلة بالتشريع

الخلاف بين العقلاء ليس في ورود حد المرتد في السنة إنما في ثبوت دلالاته أو ثبوت نصه

أغلب المؤرخين لم يتطلعوا على الدول الإباضية التي قامت وانتشر فيها العدل والمساواة والحرية واختفى التفريق المذهبي منها تماما

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها (الفقه الاسلامي: المشترك الإنساني والمصالح) والتي عقدت خلال الفترة من 6 إلى 9 جمادى الثانية 1435 هـ، الموافق 6 إلى 9 ابريل 2014م في نسختها الثالثة عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:(حقوق الإنسان في القرآن الكريم) للدكتور سيف بن سالم الهادي ..

معالجة البنود المتعلقة بهذا الحق:
حول هذا الموضوع يتحدث الدكتور الهادي في بحثه بقوله: تشغل مادتان مهمتان اهتمام كثير من الباحثين المستنيرين ويتساءل كثير منهم عن مستقبل العالم الإسلامي في ظل الاصرار على انتهاكما، ويزخم غير قليل من الآيات والأحاديث التي تبرر للدول انتهاكها ورميها بعيدا عن خصوصيات كل فرقة مسلمة ترى أنها على الحق وأنها الفرقة الناجية، وهاتان المادتان هما: (المادة 18): لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سراً أم مع الجماعة، والمادة (19): لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.
مبينا بأن المسلمين قد اعترضوا على جزئية من المادة (18)، فتغيير المسلم لدينه ليس مقبولا، وقد يترتب عليه حكم يعده المسلمون حدا من حدود الله، ثبت بالسنة النبوية المطهرة، وهو القتل بعد الاستتابه، وقد خاض الكتاب المسلون جدلا عميقا في حد الردة هذا، إلا أن القرآن الكريم لم يتعرض لتشريع مباشر إلا ما ورد في السنة وهو مثار جدل وبحث، والسنة مستقلة بالتشريع بجانب مهمتها في التخصيص والتبيين والتقيد، لكن الخلاف بين العقلاء ليس في ورود حد المرتد في السنة إنما في ثبوت دلالاته أو ثبوت نصه، ويمكن أن ييسر الله لي بحث هذا الموضوع لاحقا بحول الله.
وقال: أما التمييز على أساس الانتماء المذهبي فإنه قديم في الأمة وكان المؤمل أن يكونوا في هذا العصر قد وصلوا إلى قدر جيد من الوعي، وتمثلوا قيم الإسلام التي أصبحت في متناول الصغار والكبار، لكن المؤسف أنها عادت إلى السطح بقوة، وعبرت عن وجود مشكلة لا تزال قائمة ومعقدة، ففي 17 ديسمبر 2010م، تفجرت ثورة عربية على أنظمة الاستبدادات والقهر، ونادت الشعوب بحريتها ، وتكاتفت من أجل استعادة حقوقها. إن زمن الاستبداد قد ولى وحان للمسلمين أن يقولوا للعالم أننا هنا ولن نرضى أن نذل أو نهان . وما إن توسعت دائرة الثورات وتمكن عدد من دعاة الإسلام من الحصول على أنصبة سياسية مرموقة حتى تعالت الأصوات المذهبية لتحرك السياسية من أوسع أبوابها طالما توقفت الأهلية القيادية بمعانيها الكاملة أو الناقصة.
وأوضح هنا بأن الطائفية قد بدأت من جديد ، وبدأ تصنيف الناس حسب مذاهبهم من حيث المناصب والمراتب بل من حيث التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي، ولا أريد هنا أن أضرب أمثلة ـ بعيدا عن الحساسيات ـ إلا أن هذه العنصريات الطائفية تحولت فيما بعد مادة للصراع أو قتلا على الهوية ، واختفت تدريجيا دوافع الثورات العربية، وحتى تلك الجماعات التي تدور أفلاكها حول الأصل المذهبي فإن عددا من العلماء سوف يستخدمون ذخيرة احتياطية في قصفها مثل “الضالة” “المبتدعة” “المنحرفة” ويصبح أفراد هذه الطائفة السياسية مواطنين من الدرجة الثانية ولن يسمح لهم بممارسة أي حريات فكرية أو سياسية.
مشيرا الى أن كل هذا يثير جدلا ليس بالقليل حول استيعاب العالم الإسلامي للبند الثاني من مواثيق حقوق الإنسان وسوف يدفع عددا من الكتاب إلى المناداة بمراجعات علمية حول الفهم الصحيح للآيات التي تؤصل حرية الدين والمعتقد، وتضع الأطر المناسبة لانتشار هذه الحريات في داخل المجتمع الواحد، بينما ينادي البعض بضرورة تحكيم العقل واعطائه القدرة على نسخ عدد من الآيات التي تصادر حسب ظنه هذه الحقوق مثل محسن كديور، أو إلغاء التشريعات المدنية وإقامة تشريع إسلامي متطور ينسجم مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كما ينادي بذلك السوداني محمود محمد.
وقال: إن مصطلح الحقوق من أحق به يتردد في سياقات إسلامية كثيرة إلا أن غالب استخدامها يتجه إلى إثبات أمر ما بالدليل القطعي أو الراجح كما ينظر إليه صاحبه، وعلى هذا فإن المخالف لهذا الرأي على باطل لايقبل الجدال، ولا يفوت كثير من الكتاب أن يضع لمسة من الإرهاب الفكري تلاحق من يخالف الحق الذي استقر عنده وهو أول تحول في دلالات الحق والحقوق في الفكر الإسلامي، مؤكدا بأن هذا الدفع القوي قد كان في اتجاه إفحام الخصم واحدا من مشكلات الحقوق وتطبيقاتها في العالم الإسلامي، حيث سيصنف المبطل مواطنا من الدرجة الثانية، ولن تشفع له استحقاقاته الشرعية لأنه سيغلب دائما في حقه الباطل الذي يتبناه، والبدعة التي يلبسها، وليس أدل على ذلك من تصنيفات كتب الجرح والتعديل، وتقسيمها للناس على أساس المواقف السياسية أو السنة والبدعة.
وقال: لقد حاول الكتّاب المعاصرون البحث والتنقيب في صفحات التاريخ إلا أنهم لم يجدوا ما يساعدهم على نفي التهمة عند المسلمين في انتهاك حقوق الإنسان بمجرد الانتصارات المذهبية ، لكن غالب هؤلاء المؤرخين لم يتطلعوا على الدول الإباضية التي قامت وقد انتشر فيها العدل والمساواة والحرية واختفى التفريق المذهبي منها تماما، حتى قال المؤرخ المغربي عبدالله العروي وهو يتحدث عن هذه الحقوق (لو قدر للدولة الرستمية أن تستمر لكنا اليوم أفضل من أوروبا).
وليس هذا التطبيق سوى ثمرة التنظير الفقهي الدقيق عند علماء الإباضية في التعامل مع المخالف مذهبيا سواء عاشوا في دولته أو عاش في دولتهم.
موضحا هنا بأن من تسامح الإباضية قد بلغ أن مكنوا المدارس الأخرى من تأسيس مساجد لهم ورُبَطا وزوايا يتمكنون خلالها من ممارسة حريتهم الفكرية والعقدية، يقول ابن الصغير المالكي:(ليس أحد ينزل بهم من الغرباء إلا استوطن معهم وابتنى بين أظهرهم ، لما يرى من رخاء البلد وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيته ، وأمانه على نفسه وماله ، حتى لا ترى دارا إلا قيل هذه لفلان الكوفي، وهذه لفلان البصري ، وهذه لفلان القروي، وهذا مسجد القرويين ورحبتهم، وهذا مسجد البصريين، وهذا مسجد الكوفيين .. )، وشرح هذا يطول.
حق التقاضي والمساواة أمام القانون:
وقال الدكتور الهادي في هذا الجانب: في جانب التقاضي أمام المحاكم سيكون الجميع سواسية لا فرق بينهم في شيء، ولا اعتبار لأي طبقية أو انتماء بما فيهم القاضي نفسه إن قامت عليه الحجة أو قامت على أقاربه وعشيرته (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)، إن المواقف النفسية أو الدينية من الخصم لا يجوز أن تدخل في أي حكم؛ لأن دخولها يعني خروج العدل، وتحول الأمر من الشهادة لله إلى الشهادة للنفس والعصبيات، وذلك ما يرفضه الإسلام جملة وتفصيلا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
مبيناً بأن توجيه القرآن الكريم لداوود عليه السلام قد كان فيه دلالة واضحة إلى ضرورة الانتباه للخصوم والأعداء والبعد عن الأهواء والشطط أثناء الحكم عليهم أو بينهم (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ).
وحول حق المشاركة في الولاية العامة، أو في أي منصب في الدولة تحدث القرآن الكريم عن تساوي الناس في هذه المناصب، وعن حق كل واحد منهم في تولي المنصب الذي يتأهّل لاستلامه، بغض النظر عن نسبه أو ماله، فمؤهلات القيادة كما يجملها القرآن تتمثل في العلم وصحة الجسم، وليس في الحسب أو المال كما كان يتصور بنو إسرائيل:(وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)، وكثيرا ما يتردد اشتراط الحكمة في مثل هذه المناصب التي تسوس الناس:(فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ)، وعلى هذا فإن كل إنسان له الحق في أن يدخل منافسا في أي منصب طالما توفرت فيه الأهلية، ولا يصح أن تكون الخلافة أو الملك أو الرئاسة وراثة يتقلدها الأبناء عن الآباء، إلا إذا كان الابن صالحا وتقتضي المصلحة أن يكون منافسا لغيره في منصب عام، أما إن نقصت أهليته الخلقية أو العلمية فإن عهود الله لا ينالها هؤلاء باسم الدين :(وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ).
وقال: ومن منطلق هذا يكون الحاكم مسلما في بلدان المسلمين لأن ذلك شرط في تعزيز القيم والأخلاق الإيمانية التي جاء بها الإسلام، فالحكم هنا سيكون باسم الله: “يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ”، وعلى الحاكم أن يراعي شرع الله، ويعمل على تطبيق حكمه في الأرض. واشتراط الإسلام في الحكم لا يقدح في استحقاق كل الناس أنصبة عامة، لأن هدفه أخلاقي بحت يحافظ على قيم العدالة والحرية والمساواة التي جاء بها الإسلام، والتي لا تبلغ أقصى درجات تطبيقها إلا في ظل حكم إسلامي عادل. ويمكن أن يقال بأن هذا التكريم نوعان كوني عام وخاص” والتكريم العام كوني مرتبطا بالإنسان، أما التكريم الخاص فهو شرعي مرتبط بالإسلام، ولا يأتي إلا إذا كرم الإنسان نفسه، بأن يعبد الله وحده ولا يتم إلا بأن يكون مرتبطا بالإسلام، لا يخضع لمخلوق مثله، ولذلك ارتبط التوحيد بإنسانية الإنسان، وتناسب معها تناسبا طرديا، وكلما كان تصور التوحيد لدى الإنسان أشمل وتفاعله معه أكمل كانت الإنسانية أسمى وأرقى، وإذا كانت ثمة علاقة قوية واضحة قوية بين الكرامة الإنسانية والتوحيد فثمة علاقة أخرى بين التوحيد، فكلما كان الالتزام بحقوق لتوحيد أعظم كان تحقق العدل أؤكد من الملتزم به نحو الآخرين ومن له بهم صلة، والعكس صحيح؛ فكلما كان الشرك بالله كان ظلم الإنسان لنفسه وظلمه للآخرين، ذلك أنه إذا كان الإنسان لنفسه ظلوما فإنه للآخرين أظلم”.
اما عن حق توفير محاكمة نزيهة ولو على أعلى المستويات فقال: وقد استتبع هذا أن يمتلك الإنسان حرية متكاملة لعرض قضيته أمام محكمة نزيهه للنطر في قضيته نظراً عادلاً ، وفي قصة خولة بنت ثعلبه التي جاءت تشكي إلى رسول الله أبلغ دليل على ذلك (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ).
مبيناً انه وفي مواقف كثيرة يمارس الرجل ضغوطا على المرأة، ويستدعي بحكم سلطته قوانين العرب قبل الإسلام، ولم يكن في بال المسلمين بعد التحول إلى المدينة أنه أصبح من حق الرجل والمرأة أن يلجأوا إلى القضاء، وأن يحصلوا على حقوقهم دون هضم أو تمييز، فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: كان الناس والرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها وهي امرأته إذا أرجعها وهي في العدة، وإن طلقها مائة مرة أو أكثر، حتى قال رجل لامرأته والله! لا أطلقك فتبيني مني ولا آويك أبدا!!. قالت وكيف ذاك؟ قال أطلقك فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك. وذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة فأخبرتها فسكتت عائشة حتى جاء النبي (صلى الله عليه وسلم) فأخبرته، فسكت النبي (صلى الله عليه وسلم) حتى نزل القرآن :”الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ” (البقرة)، قالت عائشة فاستأنف الناس الطلاق مستقبلا من كان طلق ومن لم يكن طلق”، وأمثال هذا في القرآن الكريم كثير، عاشه المسلمون واقعا تتحدد فيه معالم الحقوق القانونية، ويرتفع فيه رصيد العدالة بتولى المولى جل وعلا الفصل في قضايا الناس صغيرهم وكبيرهم غنيهم وفقيرهم مسلمهم وكافرهم دون تمييز عبر الآيات التي تتنزل على النبي (صلى الله عليه وسلم) حيث كان يمثل آنذاك الحاكم والقاضي في نفس الوقت “وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا”.
مؤكدا هنا بأن القرآن الكريم قد اوضح أن حق الإنسان في الحصول على محاكمة نزيهة منهج إلهي عظيم جاء به كل الأنبياء والرسل، فلا يمكن عندما تسود العدالة الإلهية أن يتطاول أصحاب الأموال على الفقراء، ولا يمكن أن يتسلط الأقوياء على الضعفاء. وضرب الله لنا مثلا بقصة داود عليه السلام مع الخصوم (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ، إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ، قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ، فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ، يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ).

.. للحديث بقية الأسبوع القادم.

إلى الأعلى