الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / سورة الحاقة “5″

سورة الحاقة “5″

اعداد ـ ام يوسف
سميت ‏بهذا ‏الاسم ‏لتضمن ‏السورة ‏أحوال ‏يوم ‏القيامة ‏من ‏سعادة ‏وشقاء ‏لبني ‏الإنسان ‏‏. ‏اسم ‏الحاقة ‏في ‏كل ‏المصاحف ‏قيل ‏في ‏كتاب ‏بصائر ‏التيسير ‏أنها ‏تسمى ‏السلسلة ‏وسماها ‏الجعبري ‏في ‏منظومته ‏‏”الواعية‎” .وهي مكية، من المفصل ،آياتها “52″ وترتيبها التاسعة والستون، نزلت بعد الملك ، بدأت السورة باسم من أسماء يوم القيامة وهو الحاقة. ومحور مواضيع السورة يتناول أمورا عديدة: كالحديث عن القيامة وأهوالها، والساعة وشدائدها، والحديث عن المكذبين وما جرى لهم، مثل عاد وثمود وقوم لوط وفرعون وقوم نوح، وغيرهم من الطغاة المفسدين في الأرض، كما تناولت ذكر السعداء والأشقياء، ولكن المحور الذي تدور عليه السورة هو إثبات صدق القرآن ، وأنه كلام الحكيم العليم، وبراءة الرسول مما اتهمه به أهل الضلال.
وسبب نزول السورة: قال تعالى:”وتعيها أذن واعية” قال رسول الله: لعلي أن الله أمرني أن أدنيك ولا أقصيك وأن أعلمك وتعي وحق على الله أن تعي فنزلت(وتعيها أذن واعية ) .. فالى التفسير مع الامام القرطبي.
قال تعالى:(فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ)
قوله تعالى:”فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ” إعطاء الكتاب باليمين دليل على النجاة. وقال ابن عباس: أول من يعطى كتابه بيمينه من هذه الأمة عمر بن الخطاب، وله شعاع كشعاع الشمس. قيل له:فأين أبو بكر؟ فقال هيهات هيهات! زفته الملائكة إلى الجنة. ذكره الثعلبي .. “فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ” أي يقول ذلك ثقة بالإسلام وسرورا بنجاته؛ لأن اليمين عند العرب من دلائل الفرح ، والشمال من دلائل الغم.
قال الشاعر:
أبيني أفي يمنى يديك جعلتني
فأفرح أم صيرتني في شمالك
ومعنى:”هَاؤُمُ” تعالوا ؛ قاله ابن زيد. وقال مقاتل: هلم. وقيل : أي خذوا ؛ ومنه الخبر في الربا “إلا هاء وهاء” أي يقول كل واحد لصاحبه: خذ. قال ابن السكيت والكسائي: العرب تقول هاء يا رجل اقرأ، وللاثنين هاؤما يا رجلان، وهاؤم يا رجال، وللمرأة هاء “بكسر الهمزة” وهاؤما وهاؤمن. والأصل هاكم فأبدلت الهمزة من الكاف؛ قال القتيبي. وقيل: إن “هاؤم” كلمة وضعت لإجابة الداعي عند النشاط والفرح. روي أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ناداه أعرابي بصوت عال فأجابه النبي (صلى الله عليه وسلم) “هاؤم” يطول صوته. “وكتابيه” منصوب بـ “هاؤم” عند الكوفيين. وعند البصريين بـ “اقرؤوا” لأنه أقرب العاملين. والأصل “كتابي” فأدخلت الهاء لتبين فتحة الياء ، وكان الهاء للوقف، وكذلك في أخواته:”حسابيه”، و”ماليه”، و”سلطانيه” وفي القارعة “ماهيه”. وقراءة العامة بالهاء فيهن في الوقف والوصل معا ؛ لأنهن وقعن في المصحف بالهاء فلا تترك. واختار أبو عبيد أن يتعمد الوقف عليها ليوافق اللغة في إلحاق الهاء في السكت ويوافق الخط. وقرأ ابن محيصن ومجاهد وحميد ويعقوب بحذف الهاء في الوصل وإثباتها في الوقف فيهن جمع. ووافقهم حمزة في: “حسابيه”، و”ماليه”، و”ماهيه”. في القارعة. وجملة هذه الحروف سبعة.
واختار أبو حاتم قراءة يعقوب ومن معه إتباعا للغة. ومن قرأهن في الوصل بالهاء فهو على نية الوقف “إِنِّي ظَنَنْتُ” أي أيقنت وعلمت، عن ابن عباس وغيره. وقيل: أي إني ظننت أن يؤاخذني الله بسيئاتي عذبني فقد تفضل علي بعفوه ولم يؤاخذني بها. قال الضحاك : كل ظن في القرآن من المؤمن فهو يقين. ومن الكافر فهو شك. وقال مجاهد : ظن الآخرة يقين ، وظن الدنيا شك. وقال الحسن في هذ الآية : إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل وإن المنافق أساء الظن بربه فأساء العمل. “أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ” أي في الآخرة ولم أنكر البعث ؛ يعني أنه ما نجا إلا بخوفه من يوم الحساب ، لأنه تيقن أن الله يحاسبه فعمل للآخرة. “فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ” أي في عيش يرضاه لا مكروه فيه. وقال أبو عبيدة والفراء : “رَاضِيَةٍ” أي مرضية ؛ كقولك : ماء دافق ؛ أي مدفوق. وقيل : ذات رضا ؛ أي يرضى بها صاحبها. مثل لابن وتامر؛ أي صاحب اللبن والتمر. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم “أنهم يعيشون فلا يموتون أبدا ويصحون فلا يمرضون أبدا وينعمون فلا يرون بؤسا أبدا ويشبون فلا يهرمون أبدا”. “فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ” أي عظيمة في النفوس. “قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ” أي قريبة التناول ، يتناولها القائم والقاعد والمضطجع على ما يأتي بيانه في سورة “الإنسان”. والقطوف جمع قطف “بكسر القاف” وهو ما يقطف من الثمار. والقطف “بالفتح” المصدر. والقطاف “بالفتح والكسر” وقت القطف. “كُلُوا وَاشْرَبُوا” أي يقال لهم ذلك. “هَنِيئاً” لا تكدير فيه ولا تنغيص. “بِمَا أَسْلَفْتُمْ” قدمتم من الأعمال الصالحة. “فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ” أي في الدنيا. وقال : ” كُلُوا ” بعد قوله : “فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ” لقوله : “فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ” و”من” يتضمن معنى الجمع.وذكر الضحاك أن هذه الآية نزلت في أبي سلمة عبدالله بن عبد الأسد المخزومي ؛ وقاله مقاتل. والآية التي تليها في أخيه الأسود بن عبد الأسد ؛ في قول ابن عباس والضحاك أيضا ؛ قال الثعلبي. ويكون هذا الرجل وأخوه سبب نزول هذه الآيات. ويعم المعنى جميع أهل الشقاوة وأهل السعادة ؛ يدل عليه قوله تعالى : “كُلُوا وَاشْرَبُوا”. وقد قيل :إن المراد بذلك كل من كان متبوعا في الخير والشر. فإذا كان الرجل رأسا في الخير ، يدعو إليه ويأمر به ويكثر تبعه عليه ، دعي باسمه واسم أبيه فيتقدم حتى إذا دنا أخرج له كتاب أبيض بخط أبيض ، في باطنه السيئات وفي ظاهره الحسنات فيبدأ بالسيئات فيقرأها فيشفق ويصفر وجهه ويتغير لونه فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه “هذه سيئاتك وقد غفرت لك” فيفرح عند ذلك فرحا شديدا ، ثم يقلب كتابه فيقرأ حسناته فلا يزداد إلا فرحا ؛ حتى إذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه “هذه حسناتك قد ضوعفت لك” فيبيض وجهه ويؤتى بتاج فيوضع على رأسه ، ويكسى حلتين، ويحلى كل مفصل منه ويطول ستين ذراعا وهي قامة آدم عليه السلام ؛ ويقال له: انطلق إلى أصحابك فأخبرهم وبشرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا. فإذا أدبر قال: “هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ” قال الله تعالى : “فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ” أي مرضية قد رضيها “فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ” في السماء “قُطُوفُهَا” ثمارها وعناقيدها. “دَانِيَةٌ” أدنيت منهم. فيقول لأصحابه: هل تعرفوني؟ فيقولون: قد غمرتك كرامة ، من أنت ؟ فيقول : أنا فلان بن فلان أبشر كل رجل منكم بمثل هذا. “كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ” أي قدمتم في أيام الدنيا. وإذا كان الرجل رأسا في الشر ، يدعو إليه ويأمر به فيكثر تبعه عليه ، نودي باسمه واسم أبيه فيتقدم إلى حسابه ، فيخرج له كتاب أسود بخط أسود في باطنه الحسنات وفي ظاهره السيئات، فيبدأ بالحسنات فيقرأها ويظن أنه سينجو، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه “هذه حسناتك وقد ردت عليك” فيسود وجهه ويعلوه الحزن ويقنط من الخير، ثم يقلب كتابه فيقرأ سيئاته فلا يزداد إلا حزنا، ولا يزداد وجهه إلا سوادا، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه “هذه سيئاتك وقد ضوعفت عليك” أي يضاعف عليه العذاب. ليس المعنى أنه يزاد عليه ما لم يعمل – قال – فيعظم للنار وتزرق عيناه ويسود وجهه ، ويكسى سرابيل القطران ويقال له : انطلق إلى أصحابك وأخبرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا ؛ ينطلق وهو يقول : “يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ. وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ. يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ” يتمنى الموت .. والله أعلم.

.. يتبع بمشيئة الله.
(المصدر: تفسير القرطبي)

إلى الأعلى