الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الخطاب السياسي بين “السرب” والنمل الأبيض

الخطاب السياسي بين “السرب” والنمل الأبيض

عادل سعد

أن يلتقط رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون كلمة (سرب) ويضعها عنوانا لتوصيف اللاجئين غير الشرعيين الذين يتكرر تسللهم إلى بلاده، وأن يصف نائب رئيس الجمهورية العراقية السابق الدكتور إياد علاوي منصبه (بالقندرة) أي الحذاء استهانة بهذه الوظيفة التي كان يعتليها ويمرر مفردة (الحذاء) أمام مسامع وأنظار الإعلام العراقي والعالمي. والأسبق من ذلك استخدام بهاء الأعرجي نائب رئيس الوزراء السابق ذات المفردة (لسحق) منتقديه.
وأن يصف رئيس وزراء الهند ناريندا مودي الفاسدين في بلاده (بالنمل الأبيض) وهي ديدان سريعة الانتشار والتوغل، وتتكيف مع أصعب التحديات، وتحتفظ بنظام تحرك غامض لم يستطع العلماء التوصل إلى كل تفصيلاته، أقول إن تصدر هذه التوصيفات فإن لكل توصيف منها أسبقيات صدوره.
لا شك أن الدنيا قامت ولم تقعد حتى الآن في بريطانيا تنديدا وشجبا في (لجوء) رئيس وزراء البلاد إلى هذا التوصيف الذي يحط من حقوق اللاجئين غير الشرعيين، بينما لم يجد علاوي والأعرجي غضابة في استخدامهما لمصطلح (الحذاء)، بل إن جميع الذين كانوا يشاهدونهما ويستمعون إليهما تسلحوا بابتسامات عريضة وكأنهم كانوا على موعد معه في استخدام هذه المفردة.
وبالمقابل فإن رئيس وزراء الهند هو الوحيد الذي لم يتعرض توصيفه للفاسدين بالنمل الأبيض إلى أية مفارقة، بل على العكس من ذلك كان التشخيص دقيقا، إذ إن الفاسدين ينخرون في المجتمعات كما ينخر النمل الأبيض جذور الأشجار ويحولها إلى هياكل ميتة، ولكن ليس على غرار التوصيف الذي أطلقه الشاعر الفلسطيني معين بيسوسو على أحد دواوينه الشعرية (الأشجار تموت واقفة).
وما دمنا في أجواء تلك التوصيفات أقول بثقة إن هناك في العراق براعة لا يستطيع أحد أن يشق لها غبارًا في مزاولة الإدمان على استخدام الكلمات النابية وطقوس الشتم والإهانة من دون أن ينتفض ضمير للدفاع عن أحقية الخطاب الأمين القائم على احترام المتلقي، والامتناع عن إلحاق الأذى بحقوقه! أي حق الاستماع إلى كلمة لائقة مع ملاحظة أن جميع علماء النفس والمعنيين بأصول الخطاب يقولون إن من مستلزمات المجتمعات التي تحترم وجودها النأي عن الخطاب الذي يمس شرف العلاقة بين الناس، ولا شك أن الأعراف الاجتماعية هي التي تحدد سمات ذلك، وإلا لماذا تطير البريطانيون من مفردة واحدة استخدمها رئيس وزرائهم ولمرة واحدة في كل عمره السياسي حتى الآن؟ ولماذا نجد في العراق من يبتسم لاستخدام الأحذية في الخطاب وتأشير المعاني؟
وبخلاف رئيس الوزراء البريطاني والسياسيين العراقيين إياد علاوي وبهاء الأعرجي، فقد كان رئيس الوزراء الهندي صاحب أولوية (بناء المرافق الصحية قبل بناء المعابد) موفقًا عندما وصف الفاسدين في بلاده بالنمل الأبيض، إذ جاء هذا التشخيص نتيجة فحص (سريري) توفرت فيه كل مستلزمات الإحاطة، بل وانطلق من شعور بالمرارة لما يتسبب به الفساد من انتهاك حقوق وتجاوز على العدل والشفافية.
إننا في البلاد العربية نمتلك براءات اختراع عديدة في التقاذف بالكلمات النابية، العينة موجودة ولا تحتاج إلى أدلة، ويكفينا متابعة بسيطة لبعض الفضائيات العربية وهي تتناول أحداث سياسية وأمنية.
لقد قال الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وسلم) (الكلمة الطيبة صدقة)، والتزم العرب في لغتهم عدم التجريح عندما يقولون عن الأعور (كريم العين)، ويقولون عن الأعمى (بصير)، وعن الفقير (متعفف)، وعن المعوقين (أصحاب الحاجات الخاصة)، وعن المرأة العانس (لم يتوفر لها النصيب)، والقائمة تطول، إما في مشهد الخطاب العربي الطازج فلنا أن نتوقف عند المفردة التي استخدمها الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك وهو في قفص الاتهام، إذ كان يخاطب القاضي اثناء المحاكمة بمفردة (أفندم) وهي مفردة شعبية مصرية يراد بها تأكيد احترام المتكلم للمتلقي.

إلى الأعلى