الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الغاز إذْ تَرَبَّع على عرش الطاقة!

الغاز إذْ تَرَبَّع على عرش الطاقة!

جواد البشيتي

“الغاز”، أكان “طبيعيًّا” أم “صخريًّا”، أكان “غازِيًّا” أم “مُسَالًا”، هو “لغة القرن الحادي والعشرين”، أو “لغة الطاقة في القرن الحادي والعشرين”؛ و”الغَزْوُ” بـ”الغاز” سيُمَيِّز، سياسيًّا واستراتيجيًّا، القرن الحادي والعشرين، الذي سيَتَّخِذ من أربعة مواقع غازِيَّة استراتيجية محورًا له؛ وهذه المواقع هي تنازليًّا: روسيا، إيران، قطر، بحر قزوين.
أنبوبان استراتيجيان لنقل الغاز السيبيري الروسي ينبغي لنا، من الآن وصاعدان، مراقبتهما؛ فإنَّ حجم، أو تَغَيُّر حجم، الغاز (الروسي) المنقول في كليهما هو الذي يُمْكِنه أنْ يُرينا “الاتِّجاه”، اتِّجاه الصراع، أو التوافُق، الذي فيه يسير العالَم في القرن الحادي والعشرين.
والأنبوبان سيبيريان روسيان،أحدهما لنَقْل الغاز إلى أوروبا، التي اشتدت لديها الحاجة (بعد، وبسبب، ضم روسيا شبه جزيرة القرم إليها) إلى خفض حجم الغاز المنقول فيه إليها سنويًّا، والآخر لنقله إلى الصين العطشى إلى الطاقة (النفطية والغازيَّة) والتي هي ثاني أكبر مُسْتَهْلِك عالمي للطاقة بعد الولايات المتحدة؛ وقد تغدو، عمَّا قريب، المُسْتَهْلِك العالمي الأوَّل؛ في القرن الحادي والعشرين، الذي تريده الولايات المتحدة أنْ يكون قرنها، يَعِدُ الصين بأنْ تغدو هي القوَّة الاقتصادية العظمى في العالَم.
وزير الخارجية البريطاني السابق وليام هيج أعلن (بعد ضم القرم إلى روسيا) أنَّ دول الاتحاد الأوروبي (التي لا تجرؤ الآن على التمادي في معاقبة روسيا بسبب تبعيتها الغازيَّة لها) تعتزم تقليص الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي، وتنويع المصادِر الخارجية لإمدادها بالغاز؛ وتقترح بريطانيا أنْ يَسْتَوْرِد الأوروبيون “الغاز الصخري” من الولايات المتحدة، و”الغاز الطبيعي” من العراق (غير المستقر) الذي يملك خامس أكبر احتياط من الغاز الطبيعي في العالَم (280 ترليون قدم مكعب).
إنَّه “التَّمني” البريطاني؛ وما نَيْل المطالب بالتَّمني؛ فروسيا التي تأسَّدت في القرم، تَعْتَقِد أنَّ أوروبا لن تتمكَّن الآن من الاستغناء عن غازها السيبيري؛ فلو اسْتَوْرَد الأوروبيون “الغاز الصخري” من الولايات المتحدة، و”الغاز الطبيعي” من العراق وقطر وإفريقيا، فلن “يتحرَّروا” من “التَّبعية” للغاز الروسي إلاَّ بنسبة 10%؛ وهذه “التَّبعية” تَكْمُن في كَوْن أوروبا تلبِّي رُبْع احتياجاتها من الطاقة بالغاز الروسي؛ ونِصْف واردات الأوروبيين من الغاز الروسي يَمُرُّ بالأراضي الأوكرانية؛ ولا تستطيع كييف أنْ تَلْعَب هذه الورقة في طريقة شمشونية؛ فإنَّ منعها الغاز الروسي من المرور بأراضيها يضرُّ باقتصادها أوَّلًا؛ لأنَّه يعتمد اعتمادًا شبه كلي على الغاز الروسي؛ ولن يكون هذا المَنْع بالأمر المقبول روسيًّا وأوروبيًّا. وأوروبا العطشى إلى الغاز لا يكفيها الغاز السيبيري المنقول إليها (ووجهته النهائية ألمانيا) في أنبوب يمتد في المياه الدولية في بحر البلطيق، والذي لا يَمُرُّ، من ثمَّ، بالأراضي الأوكرانية.
ولقد رأى الأوروبيون (والألمان على وجه الخصوص) في الموقف البريطاني من أزمة شبه جزيرة القرم ما أقنعهم بأهمية وضرورة خفض وتقليل اعتمادهم على الغاز الروسي؛ فلولا الغاز القطري الذي مكَّن بريطانيا من أنْ تكون الدولة الأوروبية الأكثر استقلالًا عن الغاز الروسي، لَمَا استطاعت لندن أنْ تكون العاصمة الأوروبية الأكثر تشدُّدًا في رفضها ضَمَّ روسيا القرم إليها.
الأوروبيون السَّاعون إلى تقليل تبعيتهم للغاز الروسي، يُبْدُون الآن مزيدًا من الاهتمام بأنابيب نَقْل “الغاز الطبيعي” النيجيري إلى الأسواق الأوروبية، عَبْر الصحراء الكبرى، والساحل الجزائري (البحر الأبيض المتوسط). وتملك نيجيريا سابع أكبر احتياط من “الغاز الطبيعي” في العالَم (نحو 180 ترليون قدم مكعب).
وتبقى إيران، بما يتمتَّع به موقعها الجغرافي من أهمية استراتيجية، وبصفة كونها مالِكَة ثاني أكبر احتياط عالمي من “الغاز الطبيعي”، مدار صراعٍ شديد بين الغرب وروسيا؛ فإيران مُطِلَّة على مضيق هرمز الاستراتيجي، ومُطِلَّة (مع روسيا وكازاخستان وتركمانستان، وأذربيجان) على بحر قزوين، الذي يضم ثالث أكبر احتياط عالمي من النفط والغاز، ويحتل المرتبة الرابعة، بعد روسيا وإيران وقطر، في حجم احتياطه من “الغاز الطبيعي”؛ وثمَّة مشاريع لإنشاء أنابيب تَنْقُل الغاز من هذا البحر إلى أوروبا من دون أنْ تَمُر بالأراضي الروسية؛ ولقد رفضت روسيا وإيران معًا “كل تدخُّل أجنبي” في شؤون بحر قزوين، داعيتين إلى أنْ تتولَّى الدول المُطلَّة عليه، من دون غيرها، حلَّ مشكلات هذا البحر.
ولتصدير غازها إلى أوروبا، اتَّفَقَت إيران مع العراق وسوريا، سنة 2011، على إنشاء “أنبوب الغاز الإسلامي”؛ وسيًمُرُّ هذا الأنبوب بالأراضي العراقية والسورية واللبنانية، وصولًا إلى البحر الأبيض المتوسط؛ وللغاية نفسها، اتَّفَقَت إيران مع تركيا على مرور غازِها بأراضيها.

إلى الأعلى