الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الاتفاق النووي مع إيران وتأثيره على الحرب في العراق

الاتفاق النووي مع إيران وتأثيره على الحرب في العراق

يواصل رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إجراءاته الصارمة لتخليص نفسه من سلفه المثير للمشاكل نوري الماكي. ففي أعقاب التغيير الوزاري جاء تقرير برلماني يحمل المالكي هو وعددا من زعمائه السياسيين والعسكريين مسؤولية سقوط الموصل في يدي تنظيم داعش. ومن المنتظر إحالة التقرير إلى المدعي العام ما يعني أن العبادي ربما يخطط لتوجيه اتهام، بينما المالكي رد بإصدار تصريح عام يستنكر التقرير.
بالنظر إلى الدعم الشعبي الذي يحظى به المالكي أكثر من العبادي عندما أجبرت الولايات المتحدة المالكي على تقديم استقالته لا عجب من أن العبادي يرغب في تعزيز سلطته بالتخلص من إرث المالكي تماما.
وبعيدا عن هذا التلاعب البيزنطي للمشهد السياسي العراقي ما الذي يجعل باقي العالم يهتم لخطوة العبادي أو إزاحة المالكي؟
الإجابة تكمن في تأثير الصفقة الأميركية ـ الإيرانية التي تنتظر مصادقة الكونجرس والتي يعدها البعض أمرا واقعا. خطوة العبادي ضد المالكي تعني اصطفافا إقليميا في ضوء الصفقة الإيرانية. فالمالكي كان يعد مواليا لإيران في نظر السنة العراقيين والولايات المتحدة، واليوم العبادي يسير على نهج جديد يراهن فيه على تلاقي المصالح الأميركية والإيرانية، وأن الحفاظ على العراق موحدا متعدد الطوائف لم يعد هدفا غير قابل للانتهاك.
لمعرفة ما يحدث على المرء أن يدرس التحدي الذي واجه المالكي وفشل فيه وهو التعامل مع تنظيم داعش والدليل على ذلك سقوط الموصل بين يدي داعش وانهيار الجيش العراقي الذي هو قوة مشتركة من السنة والشيعة بشكل كارثي بحسب تأكيد التقرير.
إن السبب في هذا الفشل أكبر من أن يكون فنيا، حيث إن الشيعة في الجيش العراقي ربما كانوا موالين للمالكي، ولكنهم لم يرغبوا في الموت دفاعا عن مدينة أغلبيتها من السنة. بالمقابل رأي السنة في الجيش العراقي أن المالكي كان يدير العراق لصالح إيران ولم يرغبوا في أن يقفوا ويحاربوا المقاتلين السنة في تنظيم داعش فكانت النتيجة الفشل في الدفاع عن الموصل، وهو ما يعني فشل قيادة المالكي وخطته للحفاظ على العراق موحدا تحت سيطرة شيعية.
مما لا شك فيه أن أداء العبادي لم يكن بأفضل من المالكي في مقاومة “الإرهابيين”، حيث سقطت الرمادي تحت قيادة العبادي تماما كما سقطت الموصل تحت قيادة سلفه. غير أن العبادي يتعامل مع المسألة من منظور مختلف ذي شعبتين يقومان على فرضية تنامي التعاون الأميركي ـ الإيراني.
العبادي يتبنى نشر ميليشيات إيرانية التدريب شيعية القيادة مدعومة بهجمات جوية أميركية ضد تنظيم داعش، ولا تزال هذه العملية بطيئة لإدخال الأميركيين والإيرانيين في صفحة واحدة نظرا لغياب الثقة المتبادلة. لكن العبادي يعتقد أن الصفقة النووية الأميركية ـ الإيرانية تجعل هذا التعاون أكثر رجوحا.
من السابق لأوانه الظن بأن جهودا أميركية ـ إيرانية مشتركة من شـأنها أن تهزم تنظيم “داعش”، إذ إن هذا لن يحدث بدون وجود قوات عربية برية سنية، والعبادي ليس في وارد إنشاء هذه القوة.
غير أن العبادي يخطط لتفادي اللوم إذا تعثر القتال ضد “الإرهابيين”؛ لأنه يجاهد ليثبت للجانبين الأميركي والإيراني أنه يحاول أن يجلبهم جميعا لمساعدته في الحرب، وبعبارة أخرى، العبادي يعتمد على تعميق تراصف المصالح الأميركية ـ الإيرانية من أجل التصدي للفشل المستمر في هزيمة داعش.
العبادي يملك شيئا آخر افتقر إليه المالكي وهو استراتيجية التعامل مع احتمال بقاء تنظيم “داعش” على المدى المتوسط في العراق. العبادي يحاول أن يثبت لإيران والولايات المتحدة أنه يستطيع أن يحكم دولة عراقية مهلهلة تستبعد فعليا المناطق الخاضعة “للجهاديين” السنة وتعترف بالاستقلال الفعلي لكردستان العراق.
جهود العبادي الإصلاحية في الأسابيع الأخيرة، حيث فقد سياسيون كبار من السنة مواقعهم لها دلالة كبيرة. فقد تم إلغاء منصب نائب الرئيس الذي كان يشغله ثلاثة نواب منهم المالكي نفسه، وحدد التقرير البرلماني مسؤولية سقوط الموصل مع المالكي على سياسيين رئيسيين هما سعدون الدليمي القائم بأعمال وزير الدفاع في حكومة المالكي وأثيل النجيفي محافظ نينوى السابق وشقيق أسامة النجيفي أحد نواب الرئيس.
الرسالة هي أن العبادي تخلى عن استراتيجية المالكي لدمج زعماء السنة في حكومة عراقية مركزية، وهو ما قد يغضب الولايات المتحدة، إذ إنها ترى من الصعب رؤية استرضاء السنة والحفاظ على التزامهم بوحدة العراق. ولا بد أن العبادي قد حسب أن الولايات المتحدة يمكن أن تتعايش مع هذه النتيجة كأقل النتائج ضررا؛ لأنها باتت أقل عرضة للتهديد من إيران بعد الاتفاق النووي.
الولايات المتحدة ترغب في هزيمة تنظيم “داعش”، ونحن نفترض أن إيران أيضا ترغب في ذلك، ولكن التغير الكبير هو أن الولايات المتحدة قد لا تصبح ملتزمة بالعراق دولة موحدة متعددة الأطياف حاجزا ضد إيران. وتلك نتيجة للتغير الإقليمي الذي حدث بعد الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة وإيران.

نواه فيلدمان
كاتب عمود ببلومبيرج فيو وأستاذ القانون الدستوري والدولي بجامعة هارفارد
خدمة واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز – خاص بـ”الوطن”

إلى الأعلى