السبت 23 سبتمبر 2017 م - ٢ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / كلمات : “لو أني أعرف خاتمتي ما كنت بدأت”!

كلمات : “لو أني أعرف خاتمتي ما كنت بدأت”!

زهير ماجد

لا أحد يعرف خاتمة حياته ولا شكلها ولا نوعها ولا مقدار أثرها على محيطه .. لكل منا خاتمته الخاصة، الخصوصية هنا تتبع جسده وأعصابه تحديدا وعواطفه أو خياراته الأخرى .. فماذا لو عرف كل منا تلك الخاتمة، ماذا لو كان رأي الشاعر نزار قباني من أسس معرفتنا بقوله “لو أني أعرف خاتمتي ما كنت بدأت” ..
في عمر متقدم كم من إنسان تساءل حول خاتمة حياته، وتمنى لو أنه اختار كذا وكذا، أو أنه فعل عكس ما فعله، أو تخصص في ما لم يكن ميالا إليه، أو تزوج من امرأة أخرى فيما التي أحبها لم يصل إليها .. أو اشتغل في عمل أجبر عليه .. تلك الخواتيم ومثلها كثير، كم عاشه إنسان وكم أنهى حياته غير راضٍ عنها.
ولأن العمر قصير، وهو ما لا ننتبه له في مرحلة الشباب الفتي، أي مرحلة العقل الضبابي، فإن المرء ما أن يقفز فوق الثلاثين حتى يشعر بالحرج من خيارات حياته .. لكنه يكون قد سلكها وباتت معطى في يده. إلا أن هذا العمر القصير “يتصل بالأبد وبالأزل” إن سألت مفكرا مثل ميخائيل نعيمة، أو يصبح مجرد ذاكرة عند الشاعر العراقي الجواهري .. لكنه عند نزار قباني يصبح أمرا آخر حقيقيا صميميا بالطبع كقوله في قصيدة “قارئة الفنجان” “وستعرف بعد رحيل العمر بأنك كنت تطارد خيط دخان”، دائما يراه من هم في عمر متقدم، كأنهم بالفعل مشوا وراء سراب أو طاردوا خيط الدخان ذاك فتبخر أمامهم ولم يجدوا له أثرا. فواقعية الحياة في العمر الشبابي كما يراه الشاب تصير عبثية في العمر المسن أو المتقدم.
نعود إلى من يقدر على معرفة خاتمته قبل أن يتجه إليها، سنجد أنها مستحيلة تماما، هنالك من يقولون إن الإنسان مجبر ومخير، وهنالك من يصرون على أنه مخير في حياته ومجبر أن يولد، وهنالك من يقولون إن الله هو من يسيّر وهو من وضع في الرحم. في كل الحالات لا علم لأي إنسان بمفردات حياته القادمة حتى لو ظن أن تخصصه الجامعي هو المنتهى، وأنه من سيحكم حياته ويضبط إيقاعها حتى نهاية العمر. ليس هذا هو المقصود عند الشاعر مثلا الذي يطرح مسألة عاطفية ويلاحقها إلى النهاية مثل الحب مثلا الذي يبدأ بنا علاقات مبهمة، إلى أن يصل إلينا بحثا عن جنس غير جنسنا، لا يمكن للحياة أن تنتج من خلال وجود سالبين أو موجبين، يجب أن يكون هناك سالب وموجب، في الرياضيات الأساس هو الزائد والناقص، وفي الكهرباء لا ضوء إذا لم يكن هنالك بارد وساخن، وبالتالي لا حياة إلا بين رجل وامرأة، ولكنها مقدرة ومضبوطة تماما ولا نقاش فيها، فإن الحب يكون بينهما، وهو حب فرويدي كما تنبه فرويد، إحساس مجبول بالنفس والجسد معا، حتى إذا ما تم وحدة الجسدين، نكون أمام السؤال المصيري، وماذا يبقى غير التفاهم وهو أحيانا مكون مشوب بمؤثرات لا حصر لها.
في كل بيوتنا نماذج حية من هذا القبيل، وبعضه يسأل نفسه عن كيف كانت البداية وكيف لم تصل إلى النهاية لكنها انتهت بطريقة درامية بشكل مبكر .. لهذا يصح سؤال نزار قباني من “أني لو أعرف خاتمتي ما كنت بدأت”، والبداية هنا ليست سوى المضي في الطريق على آمال واسعة فإما أن تضيق وتمتلئ بالحفر إلى أن تصل إلى سد يصعب اختراقه، وإما أن تصبح عريضة معبدة مزروعة بالشجر والخضرة على الجانبين.
جمعنا إذن لا نتقن فن معرفة الخواتيم التي هي في علم الله والغيب، ولهذا يصبح الإنسان مسؤولا عن تسيير حياته بما يتفق ومشروعه الإنساني إن كان متوفرا لديه .. الأكثرية الساحقة من الناس لا تملك سوى أن تعيش يومياتها بطريقتها الروتينية، قلة من يضعون أفكارا من أجل حياتهم، يصنعون لها سيناريو، يحاولون تطبيقه برغم صعوبة تنفيذه فينجحون في بعضه ويفشلون في بعضه الآخر ..
“لو أني أعرف خاتمتي ما كنت بدأت” .. هو السؤال ذاته الذي يمضي بنا عمرا كاملا نحاول أن نجيب عليه فلا نستطيع. من منا يملك ولو فكرة لما سيكون عليه بعد الخمسين أو الستين أو السبعين إلا إذا كان منظما تماما كمحمد حسنين هيكل الذي منذ تخرجه من الجامعة عرف طريقه، لكنه مع ذلك لم يتنبأ أن يأتي يوم يجلس فيه في أذن زعيم كبير، كما يجلس إلى جانبه ويصبح مستشاره كما كان مع جمال عبدالناصر.
ما نملكه من معرفة المستقبل هو اسمنا فقط ولون عيوننا وجلدنا وطولنا وصوتنا، وهذه لم نخترها أيضا، إنها ثمن الوراثة بين الوالدين، بعض العائلات لا تزوج ابنها إلا بمواصفات مسبقة كي يأتي المولود بجملة مورثات محددة معروفة سلفا.. يمكن لعلم المورثات أن يحدد تفاصيل المولود بعد أن يشاهد والديه ويجري فحوصاته عليهما.
ومع أن الحياة خيط دخان كما يقول نزار أيضا، إلا أن البعض لا يقبل تلك السوداوية، إذ ثمة رؤية مبهجة تعود لحياة كل منا على سطح الأرض.. ومع أن الموسيقار العملاق موزارت كان في قمة عطائه في سن مبكرة .. إلا أنه توفي أيضا في سن مبكرة .. حادثة ليس فيها غموض سوى أن العبقرية الزائدة أحيانا تدفع النفس للقلق القاتل .. فلقد قال الموسيقار العملاق الآخر بتهوفن لطبيبه الذي أمره بأن يأكل كذا وكذا نتيجة مرضه، بأنه يعرف التطبيب الجسدي لكنه لا يفهم السر المدفون في النفس.
عالمنا إذن ضيق وإن كنا نراه متسع الأرجاء، كأن تكون المسافة بين بيروت وسلطنة عمان أربع ساعات أو ربما خمس، هي زمن ليس بقصير لكنها لا تعني سوى مسافة أما المضمون فيظل أن الإنسان في كلا البلدين لديه شعور بأن الزمن توقف كل هذه المدة، مع أن الطائرة كانت مسرعة إلى هدفها. والواضح أن الإنسان حين يسافر منذ اختراع الطائرة، لم يعد يرى المسافات ولا السرعة، فيما كان في الماضي يعيشها لحظة بلحظة ويقدر الجهود التي تحتاجها، ولهذا يقال من باب الاجتهاد والله أعلم، أن السفر إلى بيت الله الحرام في الماضي باعتماد الدواب مصدر انتقال، كان أكثر تقربا من الله من أيامنا التي تعتمد على ركوب الطائرة، ففي الأولى تعب ومكابدة من أجل الوصول وهو المطلوب، وفي الثانية قمة الراحة، فيما يحتاج حج بيت الله إلى عنصر الإحساس بالتعب كي يصح.
لأول مرة سمعت قصيدة “رسالة من تحت الماء” التي كتبها نزار قباني وغناها عبدالحليم حافظ، كنت في العشرينات من عمري، أي في مرحلة وردية ترى الدنيا ياسمينا وزهورا، ترمق العالم ببهجة الإحساس بالذات لأن الجسد معافى والنفس لم تضطرب بعد والمسؤوليات لم تتكثف، وحين فسرتها في ذاك الوقت للشاعر نزار ابتسم قائلا “كل إنسان يفسر حسب عمره .. فإن كنت تراها هكذا فلأن عمرك سمح لك بهكذا تفسير” .. وعندما سمعت قصيدة “قارئة الفنجان” في مرحلة لاحقة وما أوحته إلي، شعرت بأن كاتبها نزار إنما كتبها في مرحلة التجربة المرة، خصوصا كما قلت قبلا في البيت الذي يقول “وستعرف بعد رحيل العمر بأنك كنت تطارد خيط دخان”,, أحببت هذه العبارة لأنها أخذتني إلى التفسير الذي بدأت فيه معاناتي مع الحياة ومع تجربة متعددة ومع قراءات محددة سببتها الحرب اللبنانية فأحسست فعلا أن الحياة خيط دخان، وأن الإنسان مقهور كيفما كانت أيامه كما يقول الكاتب مصطفى حجازي في كتابه الثمين “سيكولوجية الإنسان المقهور”، وإنه يدفع الأثمان مهما كان وضعه .. عندما مات وحيد الثري اليوناني أوناسيس أصيب بكآبة عميقة، وقال في ما قاله لو أن الحياة تشترى بالمال لدفعت ما أملك من أجل أن يعود حيا .. وكان هذا الثري قد وصل إلى مرحلة لا يعرف فيها أرقام ما يملك من حسابات في المصارف، كان فقط يضع إمضاءه على شيكاته دون أن يسأل .. أن التخمة في الأشياء مثل اللاشيء تماما، هذه مشكلة وتلك أيضا.
ومع ذلك أحببت الحياة، فأحبوها .. مواصفاتها بسيطة لمن أرادها على هذه الشاكلة، ومعقدة لمن بناها على تلك الطريقة، مخلصة لمن تطلع إليها بنظرة حنونة، وقاتلة لمن رأى فيها الوجه البشع .. حسبما نريدها تكون، لكنها في النهاية زمن يطويه زمن، عمر يتكدس فوق عمر، أرقام تتقدم بالمرء لتصل إلى لحظة إغلاق العدّاد، ولكل إنسان عداده الخاص الذي لا يشارك فيه أحدا.
أحببت الحياة مع أنها في زمننا العربي قاسية ومقلقة ومضطربة وتكاد تبعث على الأسى لما فيها من مشاهدات ربما عاشتها أجيال سبقت لأن منطقتنا غنية بالغزوات، إلا من سيئات زمننا أننا نعيش غزوات يصعب التأقلم معها أو قبولها أو حتى السماح للنفس الإنسانية بنقاشها. هنا يصبح خيط الدخان النزاري له معنى، وهنا يكون لفكرة “لو أني أعرف خاتمتي ما كنت بدأت” سلطة علينا، فما بال بعض شعوبنا وهي تعيش سؤال الرحمة على يومياتها والرصاص والقذائف فوق رؤوسها وداخل بيوتها والقتلة يتقدمون وبأيديهم لن ترحم إطلاقا. أتذكر مثلا قريتين سوريتين محاصرتين هما الفوعة وكفريا عبارة عن جزيرتين معزولتين عن الحياة ومحاطتين من كل جانب بالقتلة الذين يحضرون سيوفهم وخناجرهم للذبح والتقطيع، فماذا سيكون عليه حال أهاليهما طالما أن العدو في الخارج معروف سلفا ما الذي سيفعله إن نجح في هزيمتهما، سيكون الدم حتى الركب كما يقال، وستتكرر مشاهد القدس حين احتلها الصليبيون فصارت أزقتها أنهارا من الدماء.
هذا القدر لم يكن محسوبا، لو عرف أهالي القريتين أنهم واصلون إلى هذه النتيجة لاختاروا مكانا آخر للعيش قبل زمن طويل، لكن الإنسان أضعف من أن يعرف أحداثا لم تقع سوف تقع، وقديما قيل لا تخف إلا من البحر الهادئ.
ومع ذلك سنعيش الحياة التي كتبت علينا، أمر لا بد منه طالما أننا ولدنا .. لكن لا نحن ولا غيرنا لا قبلنا ولا بعدنا سوف يصل إلى الجواب الذي رددناه “لو أني أعرف خاتمتي ما كنت بدأت” .. وبماذا بدأت!!؟

إلى الأعلى