السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الأفلاج .. مراحل تاريخية متطورة عبر الزمان

الأفلاج .. مراحل تاريخية متطورة عبر الزمان

تعد شريان حياة لعمان

في المناطق الجافة وشبه الجافة تكون المياه شيئا هاما لاستمرار أي حياة، وما يرافق تلك الأهمية من بعد اجتماعي واقتصادي وعسكري وسياسي بطبيعة الحال، فالماء باختصار هو الحياة فأينما وجد الماء القابل للشرب وجدت الحياة.
والمياه التي تجري بين شرايين القرى لتهبها الحياة والاخضرار والاستمرار هي أشبه ما يكون بالعروق التي تحمل الدم والغذاء والأكسجين في جسد الإنسان. وفي علم الحروب فإن أسهل طريقة لتركيع أي أمة هو ضرب وقطع مواردها المائية. والدول التي تعتمد على ما تنتجه من مياه تحلية البحر هي أكثر عرضة للتهديد لسهولة تدمير تلك المنشآت المائية.
الأفلاج بكل ما تعنيه لعمان تاريخا وحضارة واستمرارا وبقاء وخلودا أبديا، وجدت اهتماما من الحكومة العمانية صيانة وتوثيقا وبحثا ومتابعة حتى أصبحت خمسة أفلاج عمانية من ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو.
وقد شهدت الأفلاج عبر مراحل التاريخ تطورات عديدة وتغيرات كثيرة بما يلائم المكان والزمان، فتطورت نظاما وبناء عبر مراحل التاريخ لتناسب كل عصر وزمان وتواكب المستجدات والتغيرات.
واليوم ونحن في هذا العصر المبارك بكل التطورات التي شهدها العالم ومن تغير في نظم الحكومة والإجراءات والتشريعات بما يناسب العصر، إلا أن كل أمة تبقى لها خصوصيتها وتخرج تشريعاتها بما يلائم عصرها وثقافتها وتاريخها وعاداتها، فلا ريب أن لكل أمة خصوصيات تميزها عن بقية الأمم والحضارات.
والأفلاج بكل ما تحمله هذه الكلمة من بعد وجودي لعمان كونها عاملا حيويا ومصدر حياة لقرى عمان، تعتبر نظاملا متكاملا من حيث التشريع والتقسيم والتنظيم والحكومة لم تأل جهدا في توثيق الأفلاج والعيون ومعرفة مناسيبها ومساحات مناطق الاستفادة بتلك الموارد المائية ونسبة الأملاح والموصلية الكهربائية للمياه ودرجات الحرارة والتدفق، حتى أصبح لدى الجهات المعنية معلومات متكاملة حول الأفلاج بالإضافة إلى عدد من البحوث الأكاديمية والجهات الدولية، لكن باختصار شديد فإن الأفلاج تحتاج الى بث روح العصر لكي لا تصبح فقط من الماضي بل لتسهم في الحاضر والمستقبل وبفاعيلة.
فمن المعلوم أن المخططات السكنية الحديثة تستوجب مد أنابيب المياه والكهرباء والصرف الصحي والشوارع، لكن أهم ذلك كله هو الماء ثم الكهرباء، وعمان بلد شاسع والقرى في الغالب متباعدة عن بعضها فضلا عن التضاريس الجبلية وتوصيل تلك الخدمات لكافة المناطق التي تشملها المخططات السكنية والحضرية الحديثة يحتاج ميزانيات ضخمة ولكن العلم الحديث و تجارب الإنسان أفرزت علما حديثا وهو علم إدارة التكلفة (Coast Management ) والذي يعد علما هاما ولا غنى عنه.
ما أردت الوصول اليه من كل ما سبق وباختصار تطوير الأفلاج في عمان لتصل الى مكانتها التي تساهم بها في التطور والحضارة بما يلبي ولو جزء من احتياجات الإنسان العماني ومسيرة التنمية، ولا يأتي ذلك إلا بشيئين مهمين:
أولا: التنظيم الإداري للأفلاج بما يتماشى مع الأنظمة الحديثة في الدولة، فإذا نظرنا للأفلاج نجد أن معظم الأفلاج هي شركات مساهمة مغلقة وتلك الأسهم تورث وتباع وترهن وتوهب مثلها مثل الأسهم في أنظمة الشركات الحديثة، كما أن للفلج مجلس إدارة مثله تماما مثل مجلس الإدارة في شركات المساهمة العامة أو المغلقة، وللأفلج نظام محاسبة ومحاسب مثل الشركات السالفة الذكر، إلا أن التنازل عن الحصص في الأفلاج به شيء من التعقيد بسبب تداخل النظام القديم مع التوثيق الحديث في الكاتب بالعدل، فالأسهم غير موثقة في جهات حكومية مما يصاحب ذلك من تعقيدات كثيرة وربما ضياع للحقوق ولبس وغير ذلك.
السؤال الان لماذا لا تدرج الأفلاج في شركات مساهمة مغلقة وتسجل اسهم الملاك في السجل التجاري لوزارة التجارة والصناعة بما يحفظ حقوق المساهمين ومما يسهل عليهم عمليات البيع والتنازل والهبة والميراث أسوة ببقية الشركات الحديثة، ويكون انتخاب وتعيين مجلس الإدارة حسب القوانين والنظم التي تحكم عمل الشركات المساهمة المغلقة، كما أن ذلك ينظم عمل المحاسبة والكشف عن الحسابات سنويا للمساهمين وذلك يخدم منهج الشفافية ويزيل اللبس والظنون التي تحصل في النظام التقليدي للفلج بسبب انعدام الشفافية وجهل المساهمين بالمصروفات والمدخولات وغيرها، وهنا أشير بأن المساهمين قد يكونون أفرادا أو شخصيات اعتبارية كالشركات أو المؤسسات فالأوقاف على سبيل المثال تمتلك حصصا كثيرة في الأفلاج العمانية، ونقطة هامة في هذا الجانب وهو التحكيم القضائي في حال نشوب النزاعات أو الخلافات وهو الهيئات القضائية فغالبا القاضي لا يكون ملما بنظم الفلج التقليدي لكنه في الأغلب سيكون ملما بنظم الشركات وسيكون التحكيم وفق ذلك كما أن استخلاص الدلائل والقرائن سيكون سهلا لوجود توثيق للمساهمين وحصصهم وبنود التأسيس، مما يجعل العمليات القضائية والحقوقية أكثر دقة وأقرب للصواب لوضوح النظم والقوانين المنظمة.
ثانيا: التطوير والتنظيم الإنشائي والتوزيعي للفلج، هذه المرحلة ستكون مبنية على المرحلة السابقة فمتى ما وضحت النظم والأطر القانونية وانتخب وعين المجلس الإداري للشركة (الفلج) سيكون ذلك مدعاة لمرحلة التطوير والسعي لتحقيق الأرباح وذلك سيكون من خلال تطوير النظم والتي أحلم بأنها ستكون واقعا ملموسا في يوم من الأيام، ويسترعي التطوير تقليل الهدر المائي وربما استحداث انظمة حديثة لتقسيم الحصص على الملاك والمستأجرين، ومن تلك النظم البسيطة عمل الأنابيب من منبع الفلج أو (الشريعة) الى المستفيدين وبذلك يقلل الهدر والحفاظ على جودة المياه والتي يمكن أن تباع للمخططات السكنية أو ما شابهها في حالة وجود وفرة. إن النظام الحالي المعتمد على قنوات مكشوفة به هدر كبير للمياه فجزء من تلك المياه تتبخر وجزء منها يذهب في التشققات في القنوات المائية وجزء آخر يساء استخدامه فضلا عن أن القنوات المكشوفة للمياه تكون عرضة للكثير من المواد الكيميائية والمواد الهيدروكربونية والحياتية الضارة التي توثر على جودة المياه.
وربما يشمل التطوير انشاء خزانات للمياه وعدادات للمستفيدين فكما هو معلوم بأن الأفلاج تتدفق طوال الليل والنهار وربما الكثير من المستفيدين الذين يرغبون في ري مزروعاتهم قد لا يتلاءم الجدول الموضوع لهم مع أوقاتهم فلذلك يمكن عمل خزانات ويسقي المزارع بحصته في اي وقت يشاء وفق عدادات تحسب الحصص واذا بالغت في التمني قليلا فوجود بوابات الكترونية للمياه تفتح وتغلق وتحسب كميات المياه المستهلكة التي ستقل نسبة الفاقد فيها كما ستقل نسبة الفاقد في الري كون الري من الأحرى أن يكون في أوقات يقل فيها التبخر وربما تكامل الأنظمة بين نظام الفلج ونظام ري المزروعات لتقليل الفاقد وتعظيم الكفاءة.
إن ما سلف ليس حلما بعيدا بل ضرورة ملحة لحفظ الحقوق تماشيا من أنظمة الدولة المدنية الحديثة كما أن الأفلاج تشكل واقعا استراتيجيا هاما واجتماعيا خاصة بعد الانقطاعات التي شهدتها شبكات تحلية المياه مما يجعل الأفلاج مصدرا هاما لسد جزء من الاحتياجات، كما أن البعد الاستراتيجي للأفلاج يعطي المنظومة الجيو ستراتيجية لعمان قوة وتميزا. لكن كل ذلك لا يمكن أن يتحقق الا بإرادة وفهم ودراسة مستفيضة لتبقى الأفلاج كما كانت شرايين الحياة لعمان ، وكما ساهمت الأفلاج في تنمية عمان قديما، ستساهم بإذن الله في مزيد من الازدهار لتصل الى الأولاد والأحفاد كهدية قدمها لنا لأجداد.

حارث بن سيف الخروصي
www.harithoman.com

إلى الأعلى