السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / “الطفل ٤٤” .. بورتريه سوداوي حول الفترة الستالينية
“الطفل ٤٤” .. بورتريه سوداوي حول الفترة الستالينية

“الطفل ٤٤” .. بورتريه سوداوي حول الفترة الستالينية

اختلف الكثيرون حول شخصية القائد الروسي جوزيف ستالين، وحول تلك الفترة الزمنية التى حكم فيها بلاده، أهو دكتاتوري أم لا؟ ولو كان فعلا كذلك فهل اضطرته الاوضاع انذاك أن يكون طاغية ؟ عصره هل كان مليئا بالاضطرابات والملاحقات الأمنية والجرائم المتسلسلة ؟ ام مجرد شائعات كانت تسوقها دول الغرب لخدمة اجنداتها.
يرى البعض ان القيصر الاحمر كان دكتاتوريا طاغية ، حيث أنقذ بلاده وأعطاها دفعة للأمام، ولكن بثمن إنساني باهظ. الغريب في هذا القيصر وهو الامر الذي لا يتوفر في أي أحد غيره، أنه برغم ما قيل عنه ممن عاصروه وممن قرأوا في تاريخه، ان حوله التفاف شعبي كبير في روسيا ، سابقاً وحاليا، وأنه لولا وجوده داخل اروقة الحصن الرئاسي الروسي ما كانت تضع الحرب العالمية الثانية أوزارها ، كما انه تمكن من تحويل بلاده من بلد متخلف إلى دولة عظمى في خلال فترة تاريخية وجيزة لا تزيد على 15 سنة ، فيا لها من مفارقة !!
لكن هذه الحقيقة تغض الدعاية العدائية الغربية أعينها عليها، وبمجرد أن يبدأ الحديث عن نضال الشعب السوفييتي ضد النازية والفاشية، تتكرر الأحاديث عن الاستبداد الستاليني أو ما يصفه الغرب بجرائم الجنود السوفييت في برلين أثناء دخول القوات السوفيتية برلين عام 1945.
وهنا يبرز الدور الاميركي في لفت انتباه الرأي العام نحو قضية ما، وخاصة تلك التى تخدم مصالحهم، وتحدثت في مراجعات سابقة عن كيف تستخد اميركا سلاح “السينما ” في الهجوم على الدول غير الحليفة، حيث ان وزارة الدفاع الأميركية ” البنتاجون” تشرف على إنتاج واستبعاد ما لا ترضى عنه من انتاجات هوليوود من أفلام تاريخية، وحين ترضى عن سيناريو الفيلم، تسارع بتقديم المال و كل انواع المساعدة من الدبابات والطائرات والجنود والبوارج التي يتطلب إنتاج الفيلم استخدامها بالمجان، وحين لا ترضى فإنها تمنع المساعدة وتكلف المنتج الذي لا يرضخ لأوامرها عشرات ملايين من الدولارات. أيضا يشارك مختص من طرفها في محاولة السيطرة على هذه الأفلام وتوجيهها بما يخدم السياسة الخارجية وكثيرا ما تتطابق أفلام هوليوود مع أفكار وخطط صناع الاجندة الاميركية .
وفي العام الماضي تحرشت هوليوود بكوريا الشمالية التى جن جنونها بعد طرح فيلم ” The Interview ” أو المقابلة ، الذي أساء الى زعيمها، وتسبب الشريط في تصاعد حدة التوتر بين البلدين، وكان سببا في هجوم إلكتروني على شركة “سوني بيكتشرز” اليابانية والمنتجة له داخل الاراضي الاميركية.
واليوم تشحن الولايات المتحدة السلاح الهوليوودي من جديد لتوجهه نحو غريمتها روسيا، وذلك على وقع حرب باردة جديدة بين البلدين، وقودها الازمة الاوكرانية وما صاحبها من علاقات متأزمة بينهما. حيث طُرح مؤخرا، فيلم يسيء إلى صورة الروس، وتزامن وقت عرضه احتفالهم بمرور 70 عاما على الانتصار في الحرب العالمية الثانية، وفي هذا الاطار منعت وزارة الثقافة الروسية عرض الفيلم الأميركي قبل يوم واحد من طرحه في دور السينما، لتشويهه حقائق تاريخية عن الحقبة السوفيتية في عهد ستالين، وفقا لما جاء في بيانها ، مؤكدة أن عرض مثل هذه النوعية من الأفلام يعد أمرا “غير مقبول”، وقد أيدت هيئة الرقابة هذا القرار، وجرى اتخاذه بعد قيام لجنة من الجهتين بمشاهدة الفيلم لتحديد إمكانية عرضه في دور السينما في روسيا.

الطفل ٤٤ (Child 44) : هو فيلم إثارة وجريمة، عن سيناريو للكاتب ريتشارد بريس ، من انتاج ريدلي سكوت وإخراج السويدي دانيال اسبينوزا، الذي عرفناه في فيلم الأكشن ” Safe House” أو المخبأ للبارع الاسمر دينزل واشنطن، ليطل علينا اليوم بشريطه الداكن، الذي يثير القشعريرة والبرودة في الابدان، حيث الجرائم الغامضة في زمن الستالينية.
كاميرات اسبينوزا ومعدات سكوت وكامل فريق الممثلين والفنيين والتقنيين كانوا على أهبة الاستعداد للبدء بالتصوير بين براغ واوسترافا اللتين تحولتا في يونيو 2014، موسكو السوفييتية بطبيعتها الخلابة وديكوراتها الاصلية وسكك الحديد ومصانع الصلب والازياء المتقنة والاكسسوارات الدقيقة في حقبة حكم ستالين عام 1952.
الفيلم مقتبس من الرواية الاولى لثلاثية الكاتب البريطاني توم روب سميث المستوحاة بدورها من وقائع اجرامية حقيقية اقترفها اندريه تشيكاتيلو ‏الشهير بـ “وحش أو سفاح روستوف” الذي اعتقل عام 1990 وأعدم عام 1994 بعدما أدين بجرائم قتل وتشويه 52 امرأة وطفلا في روسيا السوفيتية في حقبة الخمسينات.
يقوم بدور بطولة الفيلم، النجم الشاب المتألق توم هاردي الذي سطع نجمه في سماء هوليوود مع مطلع القرن الحالي، يقوم بدور الضابط في الاستخبارات السوفيتية (ليو ديميدوف) وزوجته المُدرسة (رايسا) التى تجسدها الفنانة ناوومي راباس، اللذان يلتقيان للمرة الثانية بعد الفيلم الدرامي “The Drop”، يشاركهما البطولة كل من الفرنسي فنسان كاسيل بشخصية الدكتور (زورابن)، الممثل المخضرم غاري اولدمان ويقوم بدور الجنرال (ميخائيل نيستروف) والذي سبق واجتمع ايضا مع هاردي في 3 افلام منها “The Dark Knight Rises” و “Lawless “.
أداء وتمثيل بارع، خاصة هاردي الذي جسد باتقان دور الضابط الذي يحارب سلطته لكي يكشف الحقيقة بوازع من ارادته الشخصية، اخراج متقن وخصوصاً في خلقه المناخات الباردة والموترة، والتصوير آسر لكن الحبكات العديدة والجانبية تجعل المشاهدين يضيعون بعض الشيء مع هذه القصة المعقدة لكن اللافتة بشخصياتها المرسومة بدقة من ناحية خلفياتها النفسية.

أحداث

واقفا على سطح الرايخستاغ (مبنى البرلمان في قلب عاصمة ألمانيا النازية)، ممسكا بالعلم الأحمر، معلنا انتهاء معركة برلين، والانتصار في أحدى أكبر معارك الحرب العالمية الثانية في أوروبا، الضابط في الاستخبارات السوفيتية ليو ديميدوف، الاوكراني الذي جُند بالقوة والمئات معه من الاطفال اليتامى من قبل السوفييت.
ينطلق الفيلم بعرض بورتريه سوداودي عن الاتحاد السوفييتي في قبضة ستالين، مصوراً عمليات الاعتقال والتعذيب والقتل والاعدام اليومية، التى تطول حتى الاطفال، لما اسماهم النظام آنذاك بـ “الخونة”، تلك العمليات التي يترأسها ليو، ولكنه في الوقت نفسه كان يعارض قتل الأطفال.

لا جرائم تحدث في الجنة

شعار سياسي استخدمه الاتحاد السوفيتي آنذاك، ليؤكد عدم حدوث اي جرائم قتل في عصر جوزيف ستالين، لأن الجريمة في النظام الاشتراكي المثالي غير موجودة ومرفوضة، والحوادث وحدها ممكنة، وهو ما يذكر به ليو زميله أليكس، عندما يفقد ابنه الطفل، ويصر على أنه قُتل، حيث يحاول قادة ليو وأليكس، اخفاء حقيقة قتله وانها مجرد حادثة مأساوية. ولكن عندما يكتشف ليو أن عدداً كبيراً من الاطفال تعرضوا لحوادث مشابهة، ينتابه الشك، ما يدفع قائده المباشر كوزمو الى الضغط عليه عن طريق زوجته وادعائه عليها بانها خائنة وهو ما يرفضه ليو، فيفقد سلطته ومكانته ومنزله، ويُبعَد عن موسكو.
يصل ليو ورايسا الى فولسك احدى مدن الاتحاد السوفيتي النائية، حيث يكون في انتظارهما الجنرال نيستروف قائد مكتب التحريات والبحث الجنائي وجرائم القتل، حيث يعين ليو للعمل معه، وهناك يكتشف الاخير وقوع جرائم مشابهة لتلك التي تحدث في موسكو.
وبنزعة أبوية، يوافق نيستروف على مساعدة ليو ورايسا، في البحث عن القاتل المتسلسل الغامض الذي يجعل من الزوجين، العدوين الاولين في نظر النظام وسلطاته التي تحرص على إظهار الوجه المثالي للحياة وتصر على أن الأطفال ماتوا نتيجة حوادث عابرة. مما يعرضما للملاحقة المتواصلة.

ذئب روستوف

يستقر الامر بالزوجين في مدينة روستوف، حيث نصحهما الجنرال نيستروف، اذا أرادا أن يكشفا عن القاتل، وذلك بعد أن يتمكنا من الهرب من رجال السلطة في موسكو وفولسك.
وفي النهاية يتم الكشف عن ذئب روستوف، على وقع معركة عنيفة داخل الوحل، بين ليو وأحد رجال كوزمو، بعد أن يردي الأخير، سفاح الاطفال برصاصة تخترق رأسه، لكي لا ينسب المجد لزميله السابق وخوفا من ان تنكشف حقيقة ذلك القاتل للجمهور. وفي تحليله لشخصية القاتل المتسلسل، يحيل الشريط الأمر إلى نشأته في الميتم وإلى بقائه أسيرا في المعتقلات الألمانية لمدة عامين خلال الحرب، من دون المزيد من التوضيح. كأنّما يقصد أنّ المكان نفسه حوّله إلى مجرم أو أنّه التقط عدوى القتل منهم، أي من الجنود الألمان الذين ذكرهم الشريط فيما سبق أن هتلر جعلهم يدمنون دماء الاطفال. وبعد أن يقدم ليو شهادته في المحكمة، يتم اعتقال القائد كوزمو وعدد من الفاسدين معه، فيما يستعيد ليو سلطته ومكانته بالاضافة الى ترقيته.
الطفل ٤٤، شريط داكن تجاهل كثيرا من الجوانب المشرقة لروسيا، وعرض في النهاية، بالرغم من تصويره للحياة في الحقبة السوفيتية بشكل مفرط في السوداوية، وتصويره السلطات بأنها متساهلة مع من يقتلون الأطفال، مع العلم بأن معدلات الجريمة آنذاك كانت الأدنى في العالم.
تشويه طال العلاقات الاسرية، ذلك الذي جاء في احد مشاهد الفيلم، عندما تعترف الزوجة لزوجها بعدم حبها له، وزواجها منه رغما عنها بسبب خوفها منه ومن كونه عنصر استخبارات، كما انها ادعت في الاخير حملها حتى يحميها ولا يتخلى عنها عندما أدُينت بخيانة الوطن.
وهناك مشكلة في الشريط، وهي أنّه يدور حول محاور عدة، فيبدو تائهاً بين الدرامي ــ التاريخي والتشويق التجاري الذي يتجه صوبه في النهاية، من دون أن تكون له نقطة ارتكاز واضحة. ويظل ما يُغنيه، هو قوّة أداء الممثلين، إضافة إلى الجمالية القاتمة التي يؤسس لها المخرج، حيث تتماهى ألوان الديكور الرمادية مع الملابس وبرودة الضوء، ومع الهندسة البصرية. حتى في اللقطات المقرّبة على وجوه الممثلين، تعكس الكاميرا حالة الجماد الخالي تماماً من الحياة.

رؤية : طارق علي سرحان
Mr.tarek3010@hotmail.com

إلى الأعلى