الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / “الإيقاع” في ديوان “وصايا قيد الأرض” لسعيد الصّقلاوي ( 1 )

“الإيقاع” في ديوان “وصايا قيد الأرض” لسعيد الصّقلاوي ( 1 )

إنّ مضامين ديوان “وصايا قيد الأرض” للشّاعر سعيد بن محمد الصّقلاوي، توزّعت بين البوح ببعض الأشجان الخاصّة، وتناول الجانب الحضاري لسلطنة عمان، وعرض بعض القضايا الرّاهنة، التي عالجها الشّاعر برؤى خاصّة، وموضوعات أخرى…
تميّزت قصائد الدّيوان بتوفّرها على العناصر المطلوبة في كتابة الشّعر، من التّصوير والرّمزيّة، والموسيقى المتنوّعة (الجرس والوزن والإيقاع). .. وغيرها ممّا جعل الدّيوان تحفة أدبيّة، تضاف إلى بقيّة الدّواوين التي نشرها الشّاعر. ديوان وصايا قيد الأرض في حاجة إلى دراسات من أوجه متعدّدة، في الرّمزيّة التي تضمّنها، بداية من عنوانه الذي يحمل من الذّاكرة العمانيّة دلالات كثيرة، ترجع به إلى الإمام اليعربي سيف بن سلطان بن سيف اليعربي، الذي لقّب بــ “قيد الأرض” لعدله وتقييده البلاد وضبطه الممالك..كما أنّ كثيرًا من عناوين قصائد الدّيوان تحمل دلالات عميقة، ورمزيّة عاليّة.
لغة القصائد تتميزّ بمميّزات، أعطت للكتابة الشّعريّة عند سعيد الصّقلاوي قيمة خاصّة.. كلّ هذا وغيره في حاجة إلى وقفات متأنيّة، ودراسات معمّقة..غير أنّ ما يلفت النّظر في الدّيوان هو بناء القصيدة بمختلف أشكالها وأنواعها في إبداع الشّاعر، ما يدعو إلى عرضه وتحليله ونقده…
في هذه الدّراسة نتناول جانب الإيقاع، الذي لفت نظرنا بتنوّع الشّاعر في إيراده فيما نظم من قصائد الدّيوان، وما جذب انتباهنا أكثر تفنّنه الكبير في إيجاد هذا الإيقاع بمختلف صوره وأشكاله، مطلقًا العنان لموهبته كي تبدع، ولمشاعره كي تختار ما يناسبها من الإيقاعات لتعبّر وتصوّر ما ترمي نقله إلى المتلقّي…

هذا التّنوّع في تشكيل الإيقاعات بهذه الصّورة،… في حاجة إلى عرض وتحليل ودراسة ونقد ومناقشة. هذا ما حاولنا القيام به في هذه الدّراسة. من دون نقد هذه التّجربة، ولا بتقويمها، فما قمنا به هو قراءة أوليّة للدّيوان.. هدفنا من هذه الدّراسة هو تقديم نموذج من الإبداع الذي ينطلق من تجربة خاصّة، تحاول فسح المجال للإبداع كي يتحرّر ـ ولو نسبيَّا ـ من بعض القيود المغلّة له. والحكم للقارئ المتخصّص لتقويم هذه التجربة.
سمحنا لأنفسنا بتقديم تفسيرات وتأويلات لما لاحظناه في إيقاعات قصائد الدّيوان، التي قد يوافق عليها صاحبها، وقد لا يرى فيها الحقيقة التي نشرها؛ انطلاقًا من الرّأي الذي يرى أنَّ دراسة النّصوص تكون من داخلها وليس من خارجها، وفي هذه الحال يكون القارئ منتجًا للنّصّ الذي يقرؤه، من خلال ما يقدّمه من آراء وتحليلات له: “… يرى (إيزر) أنّ العمل الأدبي يتشكّل من خلال فعل القراءة، وأنّ جوهره ومعناه لا ينتميان إلى النّصّ، بل إلى العمليّة التي تتفاعل فيها الوحدات الثّنائيّة مع تصوّر القارئ، ومن ثمّ فقد زحزح النّصّ في نظريّة التّلقّي من مركز الدّراسة الأدبيّة، وصار لا يعيش إلاّ من خلال القارئ، حتّى قيل: إنّ النّصّ هو القارئ نفسه.” (1)
أشير أنّني لم أسلك مسلك الدّراسة الأدبيّة المعتادة في هذا البحث، لأنّ ما قمت به هو قراءات أولى للدّيوان، ومنحت لنفسي الحريّة في تناول قصائده..هل جاء هذا نتيجة تأثير الشّاعر في منهجيّتي؛ بما أعطاه من حريّة لإبداعه كي ينطلق من دون حدود في إيجاد إيقاعات لقصائده، لا تتحكّم فيها إلاّ مشاعره التي توجّهه حيث يختار لها ما يناسبها، وما يتناغم معها؟ وذلك بالتّصرّف في الأوزان، والانتقال بين الصّيغ والتّراكيب كما يشاء.. هل هذا التّأثير هو الذي جعلني أسير في هذا النّهج من التّحرّر من ضوابط الدّراسة الأدبيّة العاديّة؟!

مفهوم الإيقاع
إنّ الإبداع في الشّعر والتّأثير في الآخر ـ باستغلال عنصر الموسيقى ـ يحصل حين يحسّ الشّاعر بانسياب الموسيقى في شعره وسريانها في تجربته الشّعريّة عن سجيّة. ويكون هذا أكثر بروزًا وتأثيرًا بالإيقاع، الذي هو عنصر جوهري في العمل الأدبي الفنّي، والشّعري منه بخاصّة، فهو يسهم في توفير الجماليّة فيه. كان أفلاطون يرى أنّ الانسجام والإيقاع عنصران أساسان في الشّعر :” مردّهما إلى النّزعة الطّبيعيّة في الإنسان. فالوزن عنصر عرضي في الشّعر، بينما الانسجام والإيقاع عنصر جوهري. وفي هذا دليل على الارتباط الضّروري بين الشّعر والموسيقى.” (2)
ما أثاره أفلاطون يبيّن العلاقة بين الإنسان والإيقاع من وشائج من النّاحيّة الشّعوريّة، التي تنتظم بها حياته، وتنسجم وتتناغم مع ما يدور حولها، فيعبّر عنه بطريقة صحيحة وصادقة، يتكفّل بهذا الإيقاع الذي يترجم عن الشّعر، الذي هو الشّعور. بمعنى أنّ الإيقاع يشكّل الأساس في بنية النّص؛ إذا سلّمنا أنَّ حقيقة الإبداع تتجسّد في الجماليّة التي يتوفّر عليها العمل الفنّي. فهو: ” أوّل ما يدخل ميدان الفعل. وإذا ما نظر إليه في علاقته بالشّعر خاصّة فإنّه يعدّ قوّة الشّعر الأساسيّة وطاقته الأساسيّة. ” (3)
يسجّل للإيقاع – بهذه الصّفة، وبالنّظر إلى علاقته بالإنسان – بعدًا انثروبولوجيًّا ونفسيُّا: ” حين يحيل على التّلذّذ، زيادة على ما كان له من قوّة سحريّة في الماضي، وما أدّاه من دور حين كان إطارًا لممارسات شعريّة. إنّ له من جهة بعدًا شعوريًّا، بلغ من المرونة حدًا إن كان قربه من الشّعر فقد جعل معناه مستعصيًا على اللّغة وغير مدرك إلاّ بالتّجربة في حدود لا دلاليّة. وأخيرًا فله أيضًا بعد فلسفيّ، أهمل العروضيّون البحث فيه، ذلك هو اغترافه من نظريّة الأعداد الفيثاغوريّة، حيث تتّخذ جماليّة النّظام رياضيًّا، وهو لا يزال ملاحظًا إلى حدّ الآن. ” (4)
إذن رغم أنّ الشّعر جرس ووزن وإيقاع، فإنّ للإيقاع دورًا مهمًّا وأساسَا في العمليّة الإبداعيّة، من حيث التّأثير في المتلقّي. فإنّ الموسيقى المتولّدة منه تتميّز بالحماسة، التي توفّر عنصر دغدغة العواطف، فالشّاعر يوجد به موسيقى داخليّة تدفع بالمتلقّي أن يتفاعل معه ويتجاوب. ” فالإيقاع يشيع في الصّورة الشّعريّة نوعًا من الاتّساق والمساواة فيها، ممّا يتناسب مع الحالة النّفسيّة، وهذا بدوره يكسب الصّورة الأدبيّة حيويّة، تنسجم مع حيويّة الإنسان في تكوينه التّركيبي، الذي يقوم على النّظام والاتّساق الجميل، ويتلاءم مع ما يبغيه في تصرّفاته من الانسجام والتّوافق في كلّ أموره في الحياة… كلّ ذلك في إيقاع رتيب، يصدر عن الإنسان المستقيم في طبعه وذوقه، المعتدل في تفكيره وخلقه، فينجذب بعقله وعاطفته إلى نظائره من الأشياء والمخلوقات، التي تقوم على نظامه واتّساقه وغيرهما من الأمور التي ركّبت على مثاله في خلقه وخلقه. ومن هذه الأشياء الصّورة الأدبيّة في إيقاعها وموسيقاها الدّاخليّة والخفيّة.” (5)
” وبهذه القابليّات المدهشة الدّاخليّة في صميم حركة وفعاليّة القصيدة، فإنّه يمكن أن يعد (أي الإيقاع) في حقيقته (القانون التّوليدي الأساس الذي يخلق الحدث الشّعري) (6) غير أنّ هذا القانون لا يمكن أن يعقد وفق ضوابط محدّدة صارمة، كما هو في الشّكل العام للبحور الشّعريّة، إذ (لمّا كانت الأنظمة الإيقاعيّة المبتدعة التي يتكوّن منها الإيقاع المميّز للشّاعر أنظمة اختياريّة، فقد لزم من ذلك ألا يخضع لضوابط دقيقة معيّنة، فهي اكتشافات لعلاقات خفيّة في اللّغة، يتوصّل إليها الشّاعر، ثمّ يسعى إلى تطويرها وإبرازها في أعماله) (7) وأنّ هذه العلاقات الخفيّة في اللّغة لا تتوقّف في تشكيلها لنظام الإيقاع على إسهام الصّوت والتّركيب والدّلالة فحسب، (بل يتعدّى ذلك إلى المجالات الحضاريّة والثّقافيّة لكلّ من الباثّ والمستقبل. فنظريّة الإيقاع في اللّغة الشّعريّة يجب أن تحتوي كلّ العناصر اللّسانيّة والنّفسيّة والثّقافيّة للكتابة والقراءة، وهو ما يجعل بعضهم يعرف الإنسان أنّه حيوان إيقاعي) ” (8)
والإيقاع صفة مشتركة بين الفنون جميعًا، تبدو واضحة في الموسيقى والشّعر والنّثر الفنّي والرّقص. كما تبدو أيضًا في كلّ الفنون المرئيّة. فهو إذن بمثابة القاعدة التي يقوم عليها أيّ عمل من أعمال الفنّ. ويستطيع الفنّان أو الأديب أن يعتمد على الإيقاع باتّباع طريقة من الثّلاث (التّكرار، أو التّعاقب، أو التّرابط)(9)
هذه المميّزات التي يتميّز بها الإيقاع، تجعل منه عنصرًا أساسًا في العمليّة الشّعريّة، التي تهدف إلى استكناه ما في الوجدان من مشاعر، وتصوير ما بداخل النّفس من عواطف، تحتاج إلى ما يمكنّها من الوصول إلى المتلقّي ليكون واعيًّا لها، متجاوبًا معها..هذا البلوغ هو المفهوم الحقيقي للبلاغة، التي وجدت فيها أساليب لتوفير عناصرَ للتّعبير والتّصوير الصّادق للمشاعر والأفكار.

تعريف الإيقاع
من هذا العرض لمفهوم الإيقاع، الذي هو أحد أعمدة التّجربة الشّعريّة لتوفير الجماليّة في النّصّ الأدبي. نقدّم تعريفًا له. يعرّفه اللّسانيّون ” بأنّه الإعادة المنتظمة داخل السّلسة المنطوقة، لإحساسات سمعيّة متماثلة، تكوّنها مختلف العناصر النّغميّة” (10). ولا يبتعد مفهوم الشكليّين الرّوس للإيقاع عن ذلك كثيرًا، إذ يشمل مفهوم الإيقاع لديهم ظاهرة التّناوب الصّحيح للعناصر المتشابهة، كما يشمل تكرار هذه العناصر. وخاصيّة التّردّد هذه هي بعينها ما يحدّد معنى الإيقاع، وتهدف خاصيّة التّردّد في الإيقاع الشّعري إلى التّكرار الدّوري لعناصر مختلفة في ذاتها، متشابهة في مواقعها ومواضعها من العمل، بغية التّسوية بين ما ليس متساويا، أو يهدف للكشف عن الوحدة من خلال التّنوّع، وقد تعني تكرار المتشابهة بغية الكشف عن الحدّ الأدنى لهذا المتشابه، أو حتّى إبراز التّنوّع من خلال الوحدة.”(11)
نسأل بعد هذه التّوطئة عن مكان الإيقاع في قصائد ديوان “وصايا قيد الأرض” للشّاعر العماني سعيد بن محمد بن سالم الصّقلاوي الجنيبي؟ وما مظاهره وما أشكاله؟ وكيف نسّق به بقيّة مكوّنات العمل الشّعري، لغة وأسلوبَا وصورة، وغيرها؟ لكن كما قلنا – آنفًا – لن نتعمّق كثيرًا في تحليل ذلك، ولن نتعرّض لمقاربة هذه العناصر بالإيقاع، إلاّ إشارات نذكرها؛ بما يعين على بيان دوره في إبداع الشّاعر. نسجّل في البداية أنّ الشّاعر سعيد الصّقلاوي تصرّف وَفق المفهوم الذي أثبتناه للإيقاع، فأعطى الحريّة لنفسه في الكتابة الشّعريّة، فأوجد من الإيقاع أشكالاً كثيرة، وفّرها من مصادر متنوّعة، ممّا نثبته فيما يأتي.

الإيقاع في ديوان وصايا قيد الأرض
يعمد الشّاعر في بعض أشعاره إلى تقديم مشاعره على شكل تغريدات أو بطاقات، مكوّنة من كلمات قليلة؛ ممتطيًا بحورًا مجزوءة، غير مهمل القافيّة، مع اختيار حروف عن قصد ووعي…ما يولّد إيقاعات خاصّة، تحدث نبرات، تتكوّن منها موسيقى خاصّة.. نقرأ هذا في قصيدته البطافيّة (إن صحّت هذه النّسبة) ” عتبات الصّباح”
على عتباتِ الصّياحِ
أغنِّي
وأنسى جراحي
فتزكو زهور الزّمانِ
بروضة روحِي
وراحِي
يعمِّرُ قلبٍي يقينٌ
ويُوقِظُ عزمٍي
طِماحِي (12)
نلاحظ الخفّة في قراءة هذه الأسطر، النّاتجة من بحر المتقارب، الذي توزّعت تفعيلاته بين أسطر القصيدة القليلة، من دون التّقيّد بعددها في كلّ سطر، مع اختيار رويّ (الحاء) المكسورة الممدودة، بالإضافة إلى كثرة المدود في كلمات النّصّ… وورود صوت الكسرة بنسبة أكبر من الحركات الأخرى..كلّ هذا أحدث نبرًا، ولّد إيقاعًا، اتّصف بالخفّة والإطراب في لغة انسيابيّة سلسة، تتجاوب مع مشاعر الشّاعر، وهو يستقبل الصّباح الجميل بخفّة نسيمه، وجميل زهوره؛ لِتُذهب هذه الخفّة ثقل ما كان يعانيه من جراح قبل بزوغ الصّباح، فينشط بقلبه وجسمه، وتتيّقظ عزيمته، ويتحرّك طموحه..فيمضي في طريقه بهذا الإيقاع الجميل.
في المقطوعة المعنونة بـِــ”المتضخّم” لجأ فيها الشّاعر في تقديم لوحته إلى شكل بطاقة، على بحر المتقارب بكلّ تفعيلاته، مع اختيار رويّ الهمزة، حَلقِيّ المخرج، صفته الهمس والخفوت، وهو ما أوجد إيقاعًا، حمل إلى المتلقّي حسرة، نتيجة غصّة أصابت الشّاعر وهو يصف المتضخّم الذي ظهر بأخلاق غير حسنة، فكان منتفخًا كبريّاء ورياء، وهو خواء من كلّ قيمة خلقيّة، فاجتمعت الخفّة في الوزن من البحر المختار، وثقل الهمّ من الحروف المنتقاة: كالهمزة حلقي المخرج، والياء لسانيّ المخرج، صفته الجهر، والصّوت (الشّدّة)، فاجتمع في النّصّ الجهر والهمس والخفوت والشّدّة، تناغمت وتناسقت..ليصوّر كل هذا صُنْع المتحدّث عنه، ومنها جاء الإيقاع يوقّع هذه الصّورة المعبّرة :
تضخّمَ منتفخًا بالخواءِ
وأَتْقَنَ صُنعَ مرايا الرّياءِ
ولَـمَّا أجاد الوقوف كَراءِ
أقامُوهُ راْسَا بلا كبرياءِ
فحقَّ عليهِ وعيدُ السّماء (13)
على بحر المتقارب أيضًا، نظم الشّاعر قصيدته ” سلام على الرّافدين”، وبالطّريقة نفسها، أي عدم التّقيّد بعدد التّفعيلات في السّطر الواحد. الجديد في هذه القصيدة هو طول نفس الشّاعر فيها، وطول بعض أسطر القصيدة، ليمتدّ السّطر الشّعري أحيانًا إلى سطرين. وتوزيع التّفعيلة الواحدة مرّات بين سطرين. هذا التّصرّف سمح للشّاعر بإيجاد إيقاعات خاصّة، تستجيب لمشاعره، وهي تترنّم وتتغنّى بتاريخ بلاد الرّافدين الحضاري والعلمي، بعرض أسماء العلماء الذين أنجبتهم، وربط كلّ هذا بتاريخ وطنه عمان، بأعلامه ومدنه ومظاهر الحضارة المختلفة فيه.. التّنوّع في الإيقاعات، بتعدّد مصادرها، وإعطاء الحريّة للعمليّة الشّعريّة كي تلتمسها وتلتقطها بكلّ حريّة لتبدع فيها..هي ما توخّاه الشّاعر في هذه المحاولة. هذه بعض مقاطع القصيدة التي تعدُّ خمسة وخمسين سطرًا:
سلامٌ على الرّافدين
يُعرِّشُ فوق ضفاف التّواريخ فجْرا
ويكتُبُ أُسطورةَ الشُّرفاءِ
سلام المهلَّبِ للأهل في بصرة الكبرياءِ
ترَفْرِفُ رايتُه بسناءِ الإلهِ على مَطْلَعِ الشّمسِ في خُرَسَانْ
…سلامُ الخليل على الدُّؤلي
يُنَضِّدُ بالنّحْوِ زُهْرَ البيانْ
…سلامٌ منَ البوسعيديِّ أحمدَ، يُمْطِرُ شطَّ العروبة
مِنْ سبحات الكرامةِ. يَكْحِلُ بالأَمْنِ جَفْنًا ويَمْلأُ
بالعِزِّ نَفْسًا
ويَغْمُرُ بالزَّهْوِ موْجَ الخليجِ
سلامُ المدائنِ: نزوى، وبهلى، وعِبْري
يمَجِّدُ أجْبالَها والهِضابَ، يُطَرِّزُ حاراتِها بالثَّناءِ
وبالعلمِ والحلْمِ، والحزمِ، والنّجباءِ
لبغدادَ وَهْجُ الخلافَةِ، سهْلِ الضّيافةِ، مَوْكِبِ
عِلْمٍ، يُضيءُ الدُّروبَ، ويَسْقِي عِطاشَ الزّمانْ
وَجَحْفَلِ حَرْبٍ لَهُ العربُ والدّينُ زندُ العطاءِ
وكفُّ الرّجاءِ
ورُوحُ الفداءِ (14)
النّبر الخفيف المطرب ظهر بقوّة في قصيدته: ” أُدْنُ مِنِّي ” (15) هذا النّبر الذي تولّد من تفعيلة (فاعلاتن) التي تصرّف فيها الشّاعر بشكل كبير؛ زيادة فيها وإنقاصًا منها في أسطر النّصّ، هذا التّصرّف هو الذي أوجد النّبر، ونتج عنه إيقاع خاصّ. تلقانا في النّصّ الأشكال الآتيّة: (فاعلاتن) (فاعلاتن فا) (فاعلات فا) (فاعلتن فا) ومرّات يعبث بالتّفعيلة ولا يبقى لها على أثر.. هذا التّصرّف المطلق في التّفعيلة هو الذي أحدث التّنوّع في نبرات الأسطر، ومنه جاء الإيقاع، الذي أراده الشّاعر أن يكون معبّرًا ومصوّرًا لحركاته، وهو ينتقل بين الكفّ والعينين، بين النّبض والسّماع والبصر..وهو يدعو حبيبه كي يدنو منه.. فالإيقاع صوّر هذه الحركات الحسيّة والمعنويّة أو النّفسيّة، بفضل التّصرّف في التّفعيلة وعدم التّقيّد بها في كامل النّص؛ صيغًا وعددًا..

هوامش :

1 – الدّكتور فوزي عيسى، تحليل النّصّ الشّعري، دار المعرفة الجامعيّة، الإسكندريّة، 2002، ص: 22، 23. ينظر نظريّة التّلقّي، تأليف روبرت هولبن ترجمة د. عزّ الدّين إسماعيل، النّادي الأدبي، جدّة، ص: 24.
2 – الدّكتور والي دادة عبد الحكيم، مباحث إيقاعيّة في اللّغة العربيّة، دار هومة للطّباعة والنّشر والتّوزيع، الجزائر، 2014م، ص: 115. ينظر، أرسطو، فن الشّعر، تحقيق عبد الرّحمن بدوي، دار الثّقافة، بيروت، (د.ت)، ص: 3.
3 – مباحث إيقاعيّة في اللّغة العربيّة ، ص: 118، 119.
4 – المرجع السّابق ، ص: 118. ينظر الدّكتور محمد السّرغيني، محاضرات في السّيميولوجيا، دار الثّقافة للنّشر والتّوزيع، ط1، الدّار البيضاء، المغرب، 1987، ص: 151.
5 – الدّكتور علي علي صبح، البناء الفني للصّورة الأدبيّة في الشّعر، ط2، المكتبة الأزهريّة للتّراث، 1416هـ/ 1996م، ص: 258.
6 – ينظر محمد لطفي اليوسفي، في بنية الشّعر العربي المعاصر، دار سراس للنّشر، تونس، 1985، ص: 157.
7 – ينظر ثائر عبد المجيد العذاري، الإيقاع في الشّعر العربي الحديث في العراق، ص: 167.
8 – مباحث إيقاعيّة في اللّغة العربيّة، ص: 130، 131. ينظر توفيق الزّيدي، أثر اللّسانيّات في النّقد العربي الحديث في العراق، رسالة ماجستير ، مخطوطة، كليّة التّربيّة، جامعة بغداد، 1989، ص: 205
9 – المرجع السّابق، ص: 126.
10 – الزّيدي، توفيق، أثر اللّسانيّات في النّقد العربي حتّى القرن الثّامن الهجري، ط3، دار الآداب، بيروت، 1984، ص: 63.
11 – لوتمان ميخانيلوفيتش، تحليل النّصّ الشّعري، ط1، ترجمة محمد أحمد فتّوح، النّادي الأدبي الثّقافي، جدّة، ص: 96. ينظر د. راشد بن حمد بن هاشل الحسيني، البنى الأسلوبيّة في النّصّ الشّعري، دراسة تطبيقيّة، ط1، دار الحكمة، لندن، 2004م، ص: 27.
12 – سعيد الصّقلاوي، وصايا قيد الأرض (ديوان)، ط1، المركز الدّولي للخدمات الثّقافيّة، بيروت، لبنان، 1436هـ/ 2015م، ص: 23
13 – المصدر السّابق، ص: 35.
14 – ينظر المصدر السّابق، ص: 71 – 76.
15 – ينظر المصدر السّابق، ص: 29 .

د. محمد بن قاسم ناصر بوحجام

إلى الأعلى