الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / ضجيجُ ذاكرةٍ قديمةٍ

ضجيجُ ذاكرةٍ قديمةٍ

* النص الفائز بالمركز الرابع في مجال القصىة القصيرة بالملتقى الأدبي الـ 21 بنزوى

شَعرتُ بشيءٍ من الحرجِ وأنا أُحدثها..
قالت: “هل عهِدتَني آخذُ شيئاً ليس لي يا أخي؟ ” تَنطقها بهدوءٍ بعدَ أن سألتُها عن سوارِ أُمي المفقود .
صحيحٌ أنها باردةٌ على عكسِ ما يُفترض أن يكونَ لمن في مثل حالتها، لكنها ذكرت أن “كلَ شيءٍ قسمةٌ ونصيب” حينما جئت لأُخبرها بقرارِ خطيبها. أَرى أنها بخيرٍ ولوالدتي رأيٌ آخر .
يَحْدثُ أن تغضبَ ، تمرضَ قليلاً أو تظل حبيسة المنزل لأيام لكن، أيعقل أن تصاب فتاةٌ بالجنونِ لمجردِ أنَ رجلاً تركها من أجل أُخرى لشروط والدتها التي لا تنتهي ، هل هنَ ضعيفاتٌ لهذه الدرجة؟
“كِلْ شيْ جايزْ، أو أنها تريد تجنن بي لأني حرمتها من خطيبها المفلس “، هكذا تقول والدتي.
لذا كانت الإبنة البائسة أول المتهمين في قضية السوار الضائع التي تبخرت مع الايام بعد شراء آخر جديد.
عصرَ ذلكَ اليوم وبينما كُنا نستظلُ تحتَ الشجرةِ الهرمةِ الواقفةِ بشموخٍ في فناءِ منزلنا قالت لي : “دور لي حل لهذهِ البنت”.
- على حدِ علمي أنني حدثتها بما يكفي لكي تنتهي عما فعلتهُ، إن كان قد حدثَ فعلاً، كما أنها ليست صغيرة، فقد بلغت العشرين.
- “ما يفيدها الكلام ، البنت جنت وداها المستشفى يمكن يعطوها دوا وتخف”
قالتها أمي وهي تَهزُ فنجانَ القهوةِ في وجهي معربةً عن اكتفائها .
ذهبتُ بها رغمَ ترددي الذي اضطرني الى أشهرٍ من التفكيرِ في وسطِ مجتمعٍ يقذفُ كل من يُعالجُ نفسياً بالجنون، لكن شكوى أمي المتكررة جعلتني أرضخ لرغبتها خوفاً من أن تخبرَ المسنةُ غيري فينتشر عن أختي أنها أُصيبت بالجنون بسبب زوج!
تعمدتُ الذهابَ لعيادةٍ خاصةٍ في مسقط تفادياً للقاء أحدٍ من أهالي قريتنا: (السرية التامة في البحث عن عيادة، الأصواتُ الخافتةُ في الهاتف، وتضليل والدتي وأقاربي) شعرتُ وكأنما أرتكب جريمةً وليست زيارةً عادية لطبيب نفسي !
كلُّ إنسانٍ معرضٌ للإرهاق النفسي، حالُهُ كحالِ أيِّ مريضٍ، لكن هذا شيءٌ لن يفهمَهُ كبارُ السنِّ في عائلتنا، ولا حتى أبناءُ قريتي النائيةِ الواقعةِ على سفحِ جبلٍ بعيدٍ تكلفكَ قيادةً تستمرُّ لساعاتٍ في طريقٍ ترابيٍّ وعرٍ حتى تصل إليها !!

“أختك لا تعاني من اكتئاب ولا ضررٍ نفسي وهي على أحسن ما يرام !”
هكذا كان ردُّ الدكتور، أخذتُ أختي ومن فرْطِ سعادتي خرجتُ مسرعاً هرباً من أعين الصدفة التي تعشق قليلي الحظ أمثالي .
توقفت ظنوني، لكن حديثَ والدتي لم يتوقفْ، وأدركتُ أنني أتورطُ أكثرَ خاصةً عندما بدأت شكواها تخرجُ للجيرانِ، وأصبحَ من لا يحقُّ لهُ محادثتي يدعي النصحَ، بحجةِ الشفقةِ على المسنةِ من ابنتِها التي لا ترحمُ !!
أحدَ الصباحاتِ قررتُ الذهابَ لزيارةِ والدتي، وجدتُها كعادتِها فرشت البساطَ تحتَ الشجرةِ الضخمةِ واسترخت ترتشفُ كأسِ الشايِ بالحليبِ ، كانَ جلوسُ أمي تحتَ هذهِ الشجرةِ بمثابةِ حضنٍ حميميٍّ لكائنٍ كان الأقربَ لروحِها بعد زوجِها الذي شاركها تاريخا مُثخناً بالفرحِ والحزنِ على مدارِ ثلاثةِ عقودٍ من الزمنِ، ألصقتُ ركبتي بركبتِها ، لم تُعِرني أيَّ اهتمامٍ ولم تصبَّ الشايَ لي كما عودتني !
- “ما بقى الا الهواء ما قطعته عني .. ولو كان بيدها شي ما تأخرت” قالتها بحنقٍ شديدٍ وأشاحت بوجهِهَا عني كمن لا يريدُ محادثتي .
قبَّلتُ رأسَها وذهبتُ للمزرعةِ، فعلتُ كلَ ذلك بصمت كي لا أدخلَ في حوارٍ معها، وما هي إلا ساعاتٌ ويرنُّ هاتفي ..”ما كلُّ هذا التجمعِ أمامَ منزِلِكُم يا سالم؟” هكذا بدأ صديقي مكالمتَهُ بصوتٍ يملؤهُ قلقٌ كان يتسربُ من سماعةِ الهاتفِ لأذني شيئا فشيئا..
كان موتُ والدتي أولَ ما تبادر إلى ذهني، أُصِبْتُ بالذعرِ، وهرولتُ مقتفياً أثرَ الصراخِ الذي تجاوزَ المنزلَ ليدويَ صداهُ في البيوتِ المجاورةِ ..دقاتُ قلبي تضطربُ شيئا فشيئا كلما اقتربت من ذلك الصخبِ..اخترقتُ حشدَ النسوة المتجمعة أمامَ المنزلِ، حاولتُ فتحَ البابِ لكنه كان مغلقاً ، اعتليتُ الجدارَ بحركةٍ سريعةٍ لأجدَ المسنةَ منكبةً على شيءٍ ما تشبعهُ ضرباً (بعسو) كانت تمسكهُ في يدِها تبين فيما بعد أنها فاطمة، ولأنها كانت نحيلةَ القوامِ ضعيفةَ البنيةِ اختفت بين ثنايا والدتي وزوائدِ ثوبِها الفضفاضِ ولم يظهر منها سوى الصراخِ الذي دلني عليها .. انتزعتُ فاطمة، ورميت بها خلفي، لأُمسكَ والدتي بكلتا يديَّ.. كانت كثورٍ هائجٍ وهي تسبُّ وتلعنُ.. ظللت ممسكاً بها حتى هدأت وجلستُ على مقربةٍ منها..
“ما الذي يحدثُ يا أمي ؟ من يراكما الآن يظنُّ أننا في حربٍ أو أنك تتعرضين لأقسى أنواعِ التعذيبِ .صلي على النبي وأخبريني ماذا حدث؟”
- “اختك سراقة، تسبني ولسانها طويل، واذا أنت ما قادر عليها ، أنا أقدر”!
اتسعت عيناي، فَغَرْتُ فايَ ثم نفضتُ بقايا الحشائشِ عن دشداشتي المتسخةِ بالوحلِ قائلاً : أستغفر الله..
- “عشان هذا الكلام كنتي بتقتلي البنت وجمعتي الجيران علينا ؟!”
- ” أنت أصم ما تسمع؟ فوق قلة سنعها بعدها سراقة! ” أخذتِ العجوزُ تكررها بعد أن استوت في جلستها وبدا عليها أنها ستغادرُ المكانَ لتغلقَ الغرفةَ عليها كما هي عادتُها في كل مرةٍ تغضبُ فيها..
- “فاطمة ؟!” قلتها باستهجانٍ وأنا أقلب بصري ذات اليمين وذات الشمال..
- ” تكذبني ؟ ايوه تكذبني واضح من ردك” .
أمسكتني من يدي جاذبةً إياي نحو الصالةِ، ركَلَتِ البابَ بقدمها بحنق وغضب شديدين، وأخذتني الى حيث غرفتُها لتريني (سحارة) كانت تقبع في ركن من أركان الغرفة ..”شوف” قالتها وهي تشير إلى داخلِ الصندوقِ المعدنيِّ:
(فازلين ، مشطٌ بلاستيكيٌّ متباعدُ الأسنانِ، بعضُ ملابسِها القديمةِ، حِرزٌ) هذا كلُّ ما كانَ بالصندوقِ لحظتَها..
- “كل فلوسي اللي خليتهن هنا طارن خمسين ريال بالتمام والكمال ماحد غيرها يسويها ولاٌ بتقول أنا مخرفة وأسرق عمري؟ قالتها ساخرة وأردفت: الله أكبر عليها؛ حتى الحرز ما نفع عندها !” ثم انصرفت تبكي في إحدى زوايا الغرفةِ كالأطفالِ، تمسحُ دموعَها بيديها المجعدتينِ، وتشهقُ بحرقةٍ..
كنت حائراً ؛ أيَّهما أصدقُ : دموعَ أختي التي لا حول لها ولا قوة أم دموعَ عجوز أتعبها الدهر كثيراً؟ ولكن أمي لا تكذب، نعم لم تكذب في حياتها فلم قد تفعل شيئا كهذا الآن ؟
حوارٌ كان يختلطُ بما تبقى من أفكاري المشتتةِ أصلا ، لتقودَني قدماي إلى حيث فاطمةُ ، سألتها عن النقود، ارتخت قبضتُها كاشفةً عن الورقة البنفسجية، الريالات الخمسين..صُعِقْتُ..
بدا صوتُ فاطمةَ متقطعاً : “هي من أخبرتني … ” ..
وقبل أن تكمل يهوي كفي الغاضبُ على خدِّها المتورمِ من كفِّ أمي، وتتساقطُ عليها الشتائمُ بتوالٍ سريعٍ، يسكن كل شيءٍ عدا بكاءَ الفتاةِ وصوتَ والدتي الآتيَ من الخارجِ والمتوعدَ لها بالمزيدِ.
في اليومِ التالي بدا أن سعادةً مفاجئةً حطت على المسنةِ، كانت بشوشةً رائقةَ المزاجِ، ولم يعد بوِسْعِ أحدٍ أن يتجاهلَ طيبتَها الزائدةَ أو شعرَها المخضبَ بالحناءِ والذي زادت لمعتُهُ وانتظامُهُ في رأسِها، ولا حتى سوارَها الذي يزينُ معصمَها والذي يفترض به أن يكون ضائعاً منذ فترة!!
أنا لا أفهمُ ما يحدثُ! أو ربما أنا لا أريدُ أن أفهمَ، لا أعلم كيف استطعت مقاومة كل الفضول الذي كان ينهشني كي لا أفسدَ ذلك النهارَ الجميلَ على الاقل بالنسبة لأمي ، أمازحها قائلاً : “ادفع فلوس واشوف هالضحكه على وجهك دوم”..
- (اخوك سعيد الله يطول في عمره، البارحة وداني لخالتك ورمست عندها ساعتين وارتحت) .
سادت حالةٌ من الصمتِ .. بدا الاستغرابُ واضحاً على كل الموجودين.. الكلُّ يحدقُ بي ولسان حالهم يقول: ماذا يحدث؟
أخذت شهيقاً وزفيراً عميقين أعادا ذاكرتي لأشهرٍ مضت عندما كانت تخطئ في اسمي، وتصلي كلَّ فرضٍ مرتينِ، وترددني للبقالةِ مراراً كلما ذهبتُ لأبتاعَ ما تحتاج إليه، ضجيجٌ في رأسِها يؤلمُ ذاكرتَها لكنها تأبى الاعترافَ ، اشتهيتُ لحظتَها صرخةً صاخبةً تطرحُ كلَّ الهمِّ والألمِ المتسربِ إلى دمي وملامحي خارجاً..
نهضتُ بتثاقلٍ، ناديتُ أختي على استحياءٍ ، واحتضنتها إلى صدري في حنان دافق، ظلال خيبتي تهشم خجلي وعيناي لا تغادران محط قدميّ.. شعرتُ بوخزٍ في قلبي وأنا أحاول التنبؤَ بشعورِها عندما تعلمُ أن والدتي لا تدركُ أنها ابنتُها وأنها أولُ الضحايا.
خرجتُ للمسجدِ الصغيرِ الملاصقِ للبيتِ، والذي أرسيتُ قواعدَهُ مع أبي رحمهُ الله أحاول أن أحرر نفسي من شعور كان يخنق صدري ويضيق معه تنفسي ، التصقَ جسدي النحيلُ بحائطِ المسجدِ، أطرقتُ رأسي إلى الأرضِ، غرقتُ في صمتٍ تمخضت عنه دمعتان سقطتا دون إرادةٍ مني .
عدتُ بعدَ دقائقَ لأقبلَ رأسَ والدتي، أُرهفُ سمعي لحُزنها المبعثر في زمن لا يشبهها، بدا كلُّ شيءٍ مظلماً هامدًا ، كان شريطُ المستقبلِ يمرُّ أمامي والأفكارُ تتساقط حولي، أنا الآن – على الأقلِّ – ابنُها سعيدٌ تارةً وسالمٌ أو خلفانُ تارةً أخرى، لكنني غداً قد أصبحُ ابنَ الجيرانِ، ولن تتذكرَ حتى من أكونُ !!
وجهها البريء تسْكنه خيالات وأوهام – كما عقلها – ، تنظرُ إلي بدهشة طفل يجهل ما يحدث حوله ، وودت لحظتها لو أستطيع أن أضمها لصدري ولم أستطع.
- “لا أحدَ سيجرؤُ على إغضابكِ بعد اليومِ يا أمي”
قلتها وغادرت المكانَ تاركاً ورائي امرأةً تحتسي فنجانَ قهوةٍ مُرّا مع ابتسامةٍ عريضةٍ وذاكرةٍ معطوبةٍ فاتها أن سعيداً والخالةَ لقيا مصرعَهما منذ سنين في حادث سيرٍ عنيفٍ بينما كانا ذاهبين إلى مسقط .
من سيخبرُ والدتي أنها من فقد عقله وليست فاطمة؟!!

عائشة بنت محمود النقبية

إلى الأعلى