الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية (172) : تيسير النحو (3-9)

نافذة لغوية (172) : تيسير النحو (3-9)

إن أصحاب الاتجاه المعادي القائل بصعوبة النحو وتعقُّده قد جعل الإعراب غاية النحو، ودعا إلى التخلِّي عنه لعجز الإنسان العربي عن التقيُّد به في كلامه، وألحَّ على تسكين أواخر الكلم تشبُّهاً بالعامية ومجاراة لها، وحاول الإيحاء بأن الأصول الأولى للفصيحة لم تكن مُعْرَبة، وأن الإعراب طرأ عليها في عصور لاحقة … إن حجج أصحاب هذا الاتجاه من السهولة تفنيدها وإليكم البيان:
أ – يقولون إننا نُعلِّم الطالب النحو سنوات طويلة فإذا تحدَّث لحن. ويخلصون من ذلك إلى نتيجة يرونها بديهيّة، هي أن صعوبة النحو لا تُعين على عصمة اللسان من اللّحن. وهذا غير صحيح؛ لأن المراد من أننا نُعلّم الطالب النحو سنوات طويلة هو أننا نجعل الطالب يكتسب طوال سنواته التعليميّة التّعلُّميّة المعارف النحوية، وهذه قضية لغويّة صرف. أما مرادنا من أن الطالب يلحن في حديثه بعد اكتسابه المعارف النحوية فهو عدم اكتسابه مهارة تطبيق هذه المعارف النحوية، وهذه قضية تربويّة صرف تتعلّق بالأساليب المتَّبعة في تدريب المتعلّم على اكتساب المهارات اللغوية.
ب – يقولون إن هناك نحاة يلحنون في حديثهم. وهذا أمر ممكن وإنْ كان قاسياً. بيد أنه لا يختلف عن المثال الخاص بالطالب، إذ إن المراد من (النَّحْويّ) هو الرجل الذي يملك معارف نحوية غزيرة، وليس المراد منه الرجل القادر على تطبيق هذه المعارف؛ لأن المعرفة لا تُفضي إلى المهارة دائماً؛ لأنهما شيئان منفصلان يحتاج كلٌّ منهما إلى عمل مستقل توفّر التربية الأساليب الملائمة له.
وإذا صحَّ التمييز بين المعرفة والمهارة سقطت حجة أتباع الاتجاه المعادي؛ لأنهم يعزون إلى صعوبة النحو إخفاق العربي في الحديث من غير لحن قليل أو كثير، في حين يفرض الواجب العلمي جَعْل التربية تتحمّل وزر هذا الإخفاق. بيد أن الخلط بين المعرفة والمهارة لا يلغي حجة صعوبة النحو لدى أتباع الاتجاه المعادي وإنْ أسقط ما يخصُّ مهارة استعمال النحو في الحديث. ذلك أنهم يعدّون المهارة نتيجة ولا يعدّونها أصلاً، ومن البديهي ألا يسقط الأصل إذا سقطت النتيجة. صحيح أن سقوط النتيجة يوهِّن الأصل، لكنّ الصحيح أيضاً أنه لا يلغيه. ومن ثَمَّ يحتاج الباحث إلى الاستمرار في فحص الصعوبة لمعرفة المسوّغات التي انطلقت منها ودارت حولها.
يمكن القول إن المراد من صعوبة النحو في مفهوم أتباع الاتجاه المعادي هو كثرة القواعد وتشعُّبها وسيطرة العلل الفقهيّة والمنطقيّة عليها. ويضيف بعضهم (العامل) وعلاقته بحركات الإعراب. يقول الجنيدي خليفة في كتابه (نحو عربية أفضل): ” إن الدلالة إنما هي في العامل نفسه، وفي الكيفيّة التي تربط بها العامل بموضوعه. أما الإعراب نفسه فليس إلا أثراً للعامل؛ أي نتيجة خارجيّة متأخّرة. ولكنْ بما أن الناطق العربي قد وقـع من الإعراب في شبه الالتزام به لتلازمه مع العامل فقد توسع في طبيعته، وجعل من الأثر الملازم عيناً، فأنابه أحياناً عن عامل الدلالة نفسه. وإذن، فلو أننا طرحنا اعتبارات الإعراب هذه، واعتمدنا في فهم المعنى على العامل نفسه لما كنا خسرنا بذلك سوى الأعوام العديدة التي يقضيها الطالب في معرفة ما يمكن الاستغناء عنه”. الواضح أن الجنيدي خليفة لا يطالب بإلغاء العامل، وهو مصيب في ذلك، بل يطالب بإلغاء الإعراب لأنه أثر للعامل بولغ في مكانته كثيراً. والواضح أيضاً أن زملاء الجنيدي القائلين بكثرة القواعد وتشعُّبها وسيطرة العلل الفقهيّة والمنطقيّة عليها لا يطالبون بإلغاء القواعد، بل يأخذون عليها الكثرة والتشعُّب والعلل المتأثرة بالفقه والمنطق. ومن ثَمَّ يدعون إلى القلّة لمواجهة الكثرة، والاقتصار على الأساسيات لمواجهة التشعُّب، والعودة بالعلل إلى أصولها بعيداً عن التأثُّر بالفقه والمنطق.

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير
استاذ الدراسات اللغوية بكلية العلوم التطبيقية بصلالة
balkher1971@yahoo.com

إلى الأعلى