الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / قصة التعرف على منتدى الكوفة ومحمد مكية

قصة التعرف على منتدى الكوفة ومحمد مكية

من مذكرات عربي مهاجر

الشخصية الأخيرة التي عرفتها في ذلك البيت كان (عقيل). وهو شاب باكستاني الأصل مولود بإنجلترا لأبوين مسلمين يعيشان مع أخته في برادفورد. قصة تعرفي بعقيل كانت من خلال الطبخ الهندي الشهير كالعادة. ففي المرات العديدة التي تلت انتقالي للبيت كنت ألاحظ أثناء ذهابي للمطبخ وجود “طنجرة” على الغاز بها خضار وتفوح منها رائحة التوابل وأخرى بها أرز. وكانت هذه ملاحظة نادرة منذ انتقالي للندن، فالإنجليز عموما لا يحبون الطبخ ويكتفون بالساندويتشات وإن طبخوا أكلة ساخنة تكون إما وجبة جاهزة توضع (بالميكرويف) أو قلي بيضتين، وغالبا تكون الوجبة لشخص واحد ولمرة واحدة فقط، وما يزيد يلقى في سلة النفايات وليس هناك “عزومة” مطلقا على وجبته. وأنا ومنذ انتقالي للندن كنت أعتمد على الوجبات الجاهزة واكتشفت في محل (Waitrose) وهو متجر يهودي ـ وهم معروفون بالجودة العالية لأطعمتهم- أنهم يبيعون دجاجا مشويا جاهزا بحوالي جنيه ونصف للدجاجة آنذاك. وهكذا ـ وبعد تجربة شوي الدجاجة المجمدة الفاشلة التي كنت قد رويتها في حلقة سابقة ـ لم أجد صعوبة في وجباتي اليومية أو الطبخ فلم تكن لدي حاجة الطبخ إذ كنت أعتمد الدجاج المشوي والأطعمة الجاهزة من اللبن واللبنة والجبنة والسمك المطبوخ وعشرات من الأطعمة التي يتم إعدادها في المتاجر، وفوق ذلك كله فقد اكتشفت بالمصادفة وبعد عودتي من الجامعة في الأسبوع الأول للتسوق في متجر (Waitrose) أنهم وفي تمام الساعة السابعة مساء بالضبط يبدأون بعمل تخفيض على الأطعمة اليومية كالدجاج المشوي لينخفض سعر الدجاجة إلى 75 بنسا بدلا من جنيه ونصف – وهذا الاكتشاف بالنسبة لمغترب تتناقص نقوده القليلة كان أهم من اختراع العجلة للبشرية! فعدا عن جودة أطعمة (Waitrose) كانت مخفضة في ساعة معينة – وهناك الكثير من الاكتشافات التي فضحتها الأيام حيث يمكن تخفيض المصروفات بشكل كبير بعد معرفة أبجديات الحياة اللندنية وهو مما ساعد على الصمود في بلاد التضخم المعيشي فيها مرتفع فضلا عن قوة الجنيه الإسترليني مقارنة بالعملات للقادمين المغتربين. وفضلا عن ذلك فخلال الستة الأشهر الأولى وحتى شهر مارس لم أذق الأرز مطلقا ولم تكن لي حاجة بطبخه الذي كان مبهما لي آنئذ ولم أكن أعرف من الطبخ إلا اسمه. وهكذا كان دخول (عقيل) في حياتي دخولا دراماتيكيا أشبه ما يكون بدخول “البطل” في الأفلام الهندية، حيث يقلب الموازين ومعادلات الصراع الحياتي في هذه الحالة. ومن المصادفات التي لم تكن مدهشة نظرا لشهرة الطبخ والتوابل الهندية أن اثنين في حياتي في المغترب غيّرا نظرتي للطبخ تماما، عقيل أولهما، و(كومار) الثاني والذي سكنت معه في مرحلة أخيرة من دراستي، وهو ما أقصه في موضوع آخر.
في الأشهر القليلة اللاحقة توطدت العلاقة مع عقيل نظرا لبساطة وتقارب الثقافات إلى حد ما بعيدا عن بقية سكان البيت. فالطبيب الصيني كان يقف بالمطبخ ليلقي علينا محاضرة طبية مملة قبل أن ينسحب لغرفته المقابلة لإكمال ما كان يقوم به. أما البقية فدخولهم للمطبخ كان محدودا ومتفاوت المدة الزمنية، ويتراوح بين تناول علبة حليب لإضافته لكوب الشاي تتبعه عبارة (See you later!) إلى الوقوف قليلا ريثما تغلي الماء لعمل كوب النسكافية أو لتفريغ كيس التسوق في الثلاجة المخصصة لكل واحد حيث كانت هناك ثلاث ثلاجات في هذا البيت مخصصة للغرف “التسعة” التي كان بعض ساكنيها “يفسدون علاقاتهم بمن حولهم ولا يصلحون”. في اليوم الأول الذي قدم فيه عقيل كنت قد أحضرت علبة من اللحم المعلب قليتها بزيت الزيتون مع البصل وجلست إلى الطاولة “أغمس” بالخبز، فنحن على رأي صديق لي أصحاب “ثقافة التغميس” بالخبز. وفي تلك الأثناء دخل “أميت بتشان”، أقصد “عقيل”، المطبخ وكان يرتدي بذلة عمل ومعطفا أسود وألقى التحية بلطف، فرددتها أثناء عشائي الذي كنت منهمكا في الإجهاز عليه. فتعارفنا ثم “سخّن” الطعام في طنجرتيه، ودار الحديث وتشعب لينتهي بالطبخ والتوابل والأرز ليكتشف لذهوله (!) وتعاطفه أنني لا أحسن طبخ الأرز ولا عمل شيء سوى شواء اللحم أو الدجاج أو قلي البيض! وهكذا تحمس لتعليمي أصول الطبخ الذي يجيده. وأعطاني يومها الدرس الأول في الطبخ والقاعدة الذهبية وهي “قلي الزيت مع بصلة مفرومة”. ثم طلب مني أن أشتري “عدة” لطبخة سيتطوع للإشراف علي أثناء طبخها.
وفي الحقيقة فهنا نقطة ينبغي التوقف عندها قليلا وتشكل مفارقة مهمة بين الشرق والغرب. ففكرة الطبخ ـ بالرغم من أن أشهر الطباخين في العالم العربي هم رجال ـ تقتصر على المرأة ويكاد الرجل العربي لا يدخل المطبخ إلا للأكل. كذلك هناك مسألة “التحيز الذكوري” في الأسرة العربية بحيث تحمّل الأنثى العربية عبء المطبخ والطبخ فيما يكون دور الذكر أو الصبي هو الاهتمام بتنمية “كرشه” والأكل دون المساعدة حتى في تنظيف وغسيل طبقه الذي أكل فيه. وهذه المسألة فيها إجحاف للأنثى من ناحية، كما أن فيها تعويدا للذكر العربي على الكسل، فضلا عن عدم تمكينه ـ وبخاصة لمن يلتحق بالدراسات العليا في معاهد الغرب كحالة كاتب هذه السطور ـ من تدبير أحواله وشؤونه بعيدا عن جحافل الطباخات في بيئته. وفي ثنايا حلقات قادمة سأروي كيف تحول ولعي بالطبخ لاحقا إلى متعة وكيف أصبحت طباخا أتفنن في صنوف الأطعمة ـ وبخاصة الصحية مع ولعي بالرياضة ـ فصرت أطبخ لأصدقائي العرب حين أدعوهم لبيتي. لكنني أظل مدينا لبداية حبي للطبخ لصديقي عقيل في ذلك اليوم الذي دخل المطبخ دخولا هنديا دراماتيكيا!
وهكذا في اليوم التالي اشتريت كيسا من الأرز وكمية من اللحم قمت بفرمها وبعض البطاطا تمهيدا لدرس الطبخ الأول. وبقدوم عقيل في المساء بدأ الدرس الأول والأهم. فقليت البصلة المفرومة ببعض الزيت الذي سكبه عقيل من علبة الزيت خاصته واستعمل بعض الجنجر والثوم اللذين لم أستعد لهما في طبختي هذه، وهو من النوادر التي لا تصادفها في بلاد الغربة وبخاصة من الإنجليز الذين لا يشاركون أحدا في طعامهم لدرجة أن الصديق والصديقة اللذين يعيشان معا يحتفظ كل منهما بطعامه مستقلا في أرفف الثلاجة، كما لاحظت في مطبخ البيت وخلال فترة تجهيز العشاء من قبل سكان البيت (!). وبعد تحمّر البصلة أضفت إليها البطاطا المفرومة والتي أضيفت لها قطع اللحم التي تم غليها في إناء مستقل بالماء مع إضافة التوابل والبهارات ـ وبخاصة الجنجر والثوم اللذين يعتبران من “ملوك” الطبخ الهندي وأركانه الأساسية – وبعد إزالة الدهن الطافي على السطح وضعت البطاطا فوق البصلة المحمّرة وفوقها قطع اللحم “شبه الناضجة” لتسبح جميعا في “حساء” اللحم المخلوط بالتوابل والبهارات زكية الرائحة. وفي تلك الأثناء كانت ثمة دراما هندية أخرى تدور رحاها في الطنجرة الأخرى والتي تضمنت الدرس الثاني في طبخ الأرز، والذي كان أسهل مما كنت أظن!!! فالقاعدة كانت وضع الماء في الطنجرة لدرجة الغليان ثم إضافة الأرز بحيث يغمر الماء الأرز قليلا ثم تقليل درجة النار لينضج الأرز بعد 10 دقائق على نار “هادئة”. وفي أثناء نضج الطعام دار الكلام مع عقيل الذي كان يعمل محاسبا في إحدى الشركات الإنجليزية والذي كان يعاني من سوء معاملة زملائه له “بشكل مبطن” نظرا لأصوله الباكستانية رغم أنه بريطاني مولود بإنجلترا ويتكلم الإنجليزية بطلاقة. لكن أصله الباكستاني كان حائلا بينه وبين التعاملات الاعتيادية مع زملائه وزميلاته سواء بسواء. وتطورت العلاقة مع عقيل وبخاصة بعد قراري شراء تليفزيون صغير بمبلغ 40 جنيها لمشاهدة البرامج المختلفة ومتابعة الأخبار في غرفتي. وأصبح عقيل بعد انتهاء دوامه يحضر للمطبخ ويتناول طعامه ويصعد للراحة في غرفته ثم يحضر لغرفتي ليدق الباب بأدب للدخول ومشاهدة التليفزيون بعد أن أخبرته أنه مرحب به دوما لمؤانستي والتحدث ومشاهدة التلفاز معا.
وفي إحدى محاولاتي وأثناء عيد الأضحى المبارك من عام 1997 ذهبت كعادتي لمسجد لندن المركزي لأداء صلاة الظهر. وبعد الصلاة والتجول في فناء المسجد قليلا والصعود لطابق المكتبة ومطالعة بعض الكتب توجهت باتجاه محطة (Baker Street) حيث تقود الطريق لمتنزه (Regents Park) ثم للكلية بجامعة لندن حيث اعتدت استعارة بعض الكتب. ولكن وعلى بعد عشرات الامتار وفي نفس شارع المسجد مررت بمكتب (الصاوي) للسياحة والسفر، وهو مكتب عربي صاحبه من مصر. فخطر لي أن أسأل عن فرصة عمل. ففتحت الباب الزجاجي وطالعني رجل عربي سألني عن مطلبي، فأخبرته بأنني أبحث عن عمل فأخبرني بصعوبة مطلبي في لندن وبخاصة كطالب مغترب. وتبادلنا حديثا وديا وقبل مغادرتي قلت له متعجبا:” ما هذه البلاد الغريبة التي لا يستطيع فيها رجل مثقف وجامعي أن يجد عملا؟” فشاركني العجب لكنه سألني وما هو مؤهلك الجامعي” فقلت له معي ماجستير عمارة و7 سنوات خبرة عملية، وقدمت هنا لدراسة الدكتوراة”. فقال لي:” أنت معماري، صديقنا محمد مكية معماري أيضا، لم لا تجرب الذهاب إلى منتدى الكوفة، وإن ذهبت إليه فقل له أرسلني لك مكتب الصاوي للسفر!” ورنت كلمات “المعماري محمد مكية” في أذني رنينا موسيقيا. فأنا أعرفه حق المعرفة من خلال دراستي المعمارية وعملي مع راسم بدران. وبعد السؤال عن العنوان ورقم الهاتف شكرته شكرا جزيلا وقضيت بقية اليوم في الكلية راضيا مسرورا وعدت للبيت وفي نيتي الاتصال لاحقا وقد بدأت أحس أن الأزمة ستنفرج قريبا بعون الله فالضوء في نهاية النفق قد بدأت تلوح معالمه.
اتصلت بعد يومين بالرقم الذي أعطانيه صديقنا من مكتب الصاوي للسياحة والسفر، فرد علي صوت عراقي كان لوليد مدير شؤون منتدى الكوفة. وسألت عن الدكتور مكية فأخبرني وليد أنه مسافر وعن حاجتي. فعرفته بنفسي كمعماري أود مقابلته، فقال لي يمكن ان أحجز لك موعدا الأربعاء القادم كي تحضر للكوفة لترى الدكتور إن أحببت بعد عودته من فرنسا، فوافقت على الموعد وأغلقت سماعة الهاتف العمومي بالشارع وعدت للبيت بانتظار يوم الأربعاء القادم للذهاب لمنتدى الكوفة بشارع (Westbourne Grove) لمقابلة المعماري محمد مكية لأول مرة!

د. وليد أحمد السيد

إلى الأعلى