الإثنين 22 مايو 2017 م - ٢٥ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / ماذا بعد .. تعقبات هادئة على الأخ المقبالي (3-3)

ماذا بعد .. تعقبات هادئة على الأخ المقبالي (3-3)

“كلما زادت المعرفة زاد العجب”
الأديب البريطاني الراحل تشارلز مورجن (1894-1958) (1)

6. قوله (ما معنى أن نولد ونزج في وهج هذه الحياة وفي لحظة ما نموت بدون خيار تماماً كما ولدنا! الحياة أشبه ما تكون بلعبة حظ، فبمجرد وصلونا إليها يعني هذا قد ربحنا (…) هنا يختلط الإيمان بالشك لينشب زوبعةً من الهواجس والوساوس، لطالما استمرت في دواخلنا تتصارع. كيف لمن نؤمن بأن له القدرة أن يُحيينا هو ذاته من يمكنه أن يُميتنا بأي طريقة كانت وتحت أي سببٍ كان، ليس إلا لأن أجلنا آن، أو في أحيانٍ دون أن يوقف شبح الموت من طريقه إلينا؟لا أحد يعلم على وجه الدقة ما الحكمة من مسلسل هذا الموت المستمر، أهي لعبة الحظ وفوضى الفرص تأخذ مجراها، أم هي “مشيئة الإله” التي لا أحد يعلم سرها و مبتغاها!!)
التعقيب: إذا تجاوزنا علامتي التعجب لأنهما من شأنه لا من شأننا فان تعميمه المطلق بقوله (لا احد يعلم على وجه الدقة) هو خطأ فكري ومنطقي مبين. يا ترى كيف علم انه (لا احد يعلم على وجه الدقة ما الحكمة من الموت)؟ التعميم نوع من اخطأ التفكير والتعميم المطلق دعوى إحاطة علمه بكل شيء.

(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ ۗ ) (الأنعام:91)

(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ)‏ ( المؤمنون: 115-116 )

(تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُور)ُ (الملك:1-2)

— 2—
إن أخوف ما أخاف عليه إذا نشب الشك في الإيمان وتصارعت الهواجس والوساوس في داخله (باستمرار الآن كما يقول) فأخوف ما أخاف عليه ان يصير حاله كحال القائل في رباعيات الخيام (ترجمة الراحل احمد رامي):
أفنيتُ عمري في اكتناهِ القضاء
وكشفُ ما يحجبهُ في الخفاء
فلم أجد أسرارهُ وانقضى
عمري وأحسستُ دبيب الفناء!

ان العلم بالمعنى الغربي الحديث science يعنى بدراسة وفهم الظواهر الطبيعية واختبار فرضيات عن هذه الظواهر (إما بالملاحظة أو بالتجربة) وهو رغم هذا ينطلق من فرضيات فلسفية خارج نطاق الإثبات التجريبي لعل أهمها الافتراض الأول بأن هذا العالم حقيقي وليس وهما أي ان له وجود حقيقي خارج الذهن. والفلسفة هي استخدام العقل وحده أكرر الفلسفة هي استخدام العقل وحده لبحث مسائل تتعلق بطبيعة الوجود (الميتافيزيقيا) أو أساليب التفكير (المنطق) أو حدود المعرفة (نظرية المعرفة) أو المعاني (فلسفة اللغة) أو الالتزام الأخلاقي (علم الأخلاق) أو طبيعة الجمال أو طريقة عمل فروع المعرفة (فلسفة العلم، فلسفة التاريخ…الخ). لذا فالملاحدة المتعصبون عندما يهاجمون كل المعتقدات الدينية بذريعة علمية فأنهم يعطون العلم مجالا يتعدى مجاله أي يتجاوزون حد الاختبار بالملاحظة أو التجربة إلى ما وراء الطبيعة وهو مجال خارج نطاق الإثبات التجريبي. لذا فان الاعتراضات الرئيسية للملاحدة الجدد طبيعتها فلسفية وليست علمية بالمعنى الغربي الحديث.

(يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ۚ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (يس:30)

ان الدين والفلسفة ليسا الشيء نفسه لكنهما يشتركان في ان طبيعة مباحثهما الأساسية خارج نطاق الإثبات التجريبي بالمعنى العلمي الحديث، خارج مدى التحقيق العلمي. لذا إذا ما نزعنا القناع العلموي عن الماديين فانه لا يبقى إلا خيارين كلاهما خارج نطاق التحقيق العلمي بالمفهوم الغربي الحديث: أما الإيمان بالله وحده بأنه الحقيقة النهائية التي ينتهي إليها كل شيء أي تنتهي إليه كل حقيقة أو الإيمان بالمادة (أي أن المادة هي الحقيقة النهائية التي لا حقيقة وراءها). وما يتبع كل إيمان من التزامات وإرهاصات. أما قولهم ان الإيمان بالطبيعة هو موقف علمي والإيمان بالله موقف خرافي فان هذا القول هو بالضبط الخرافة الحديثة حسب وصف وندل بيري، الشاعر والروائي وكاتب المقالات الأميركي المعروف. لذا فالمتابع المطلع يدرك ان جميع المسائل الفلسفية الرئيسة ما زال الخلاف فيها كثيرا ـ رغم ان من يبحثها من أكابر الأذكياء مثل الأخ سلطان نفسه ـ وحيث ان الخلافات لم تحسم بعد منذ عصر الثورة العلمية الحديثة (منذ عام 1400 ميلادية تقريبا) فليس من المتوقع ان تحسم أبدا فلسفيا. وما من سبيل إلى حسمها علميا كذلك لان طبيعة هذه المباحث لا تعير نفسها للطريقة العلمية scientific methodology سواء طرائق العلوم العلمية التجريبية أو طرائق العلوم العلمية التاريخية، وهذا يذكرني بأبيات ترجمتها من الانجليزية من رباعيات الخيام ترجمة الشاعر الانجليزي ادوارد فزجلرد، Edward FitzGerald ، (ترجمة هذا الكاتب من الانجليزية)(2):
في شبابه طلب بلهفة وسأل
وأنصت مرارا للنقاش والجدل
ومن الباب الذي منه دخل
خرج في كل مرة حيرانا بلا أمل

إننا، نحن القائلين بقصور العقل عن معرفة الغيب بدون وحي ، مثل الغزالي قبلنا، لا ننقد استعمال العقل وإنما نقدنا جاء كنقده تماما كما قال الفيلسوف العربي أبو يعرب المرزوقي (لتبيان حدود العقل ومداه) وانه أي الغزالي (إنما نقد موقف العقل الما بعدي أي ما وراء الطبيعة أو الإلهيات الفلسفية) مثل هذه التي كتب عنها الأخ الفاضل المقبالي متشككا وان أضفى عليها مسحة علمية مقصودة. إلا أن استنتاجاته كلها عقلية ما بعدية أي يراد بها سبر كنه واقع ما بعدي ليس للعقل إليه سبيل ولا إلى التحقق العلمي إليه منفذ (انظر الملاحظة 3 أدناه).

( قُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ. وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ)(هود:121-122). بهذا الاقتباس يعرف القارئ أين أقف بالضبط: مسلم، والله حسيبي، بريء من تيار التعصب والتكفير وقتل النفس بغير حق. فالكراهية ليست ديني. اقدر الانجازات العلمية والفكرية للإنسانية. فالتحيزات العمياء ضد بني البشر لا تليق بحامل فكر يحترم نفسه (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ) فضلا عن مسلم يؤمن بالرسالة المحمدية وهي رسالة أممية من الطراز الأول ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ” (الحجرات:13) أو كما جاء في الحديث المرسل الذي أخرجه السخاوي في المقاصد الحسنة (الحِكمَةُ ضالَّةُ المؤمنِ حيثُما وجدَ المؤمنُ ضالَّتَه فليجمَعها إليهِ).

ربما لاحظتم في الآيات المقتبسة أعلاه أنها مجتمعة نفت العبثية: عبثية الوجود، عبثية الحياة، عبثية وجود الإنسان، عبثية الموت. يمكنني إذا الآن ان أجيب عن سؤال الأخ الكريم المقبالي : ماذا بعد؟ الجواب هو قول القدوس تبارك اسمه: (فَذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ ۖ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ) (يونس: 32).

هوامش :

* اهدي هذا المقال إلى أستاذي (تشارلز رسل) الذي درسني مساقين في اخطأ التفكير والمغالطات المنطقية (ابان دراستي الإعلام في جامعة توليدو الأميركية فترة 1982-1987) و ما زلنا نتراسل هو وأنا عن هذا العالم وأشياء أخرى، رجلان من دينين مختلفين وثقافتين مختلفتين ولغتين مختلفتين وتاريخين مختلفين، لأن “الحِكمَةُ ضالَّةُ المؤمنِ حيثُما وجدَ المؤمنُ ضالَّتَه فليجمَعها إليهِ”.

(1) روائي وكاتب مسرحي بريطاني. موضوعات أعماله حسب قوله هي (الفن والحب والموت والعلاقة بينهم). موضوعات الروايات تشمل على سبيل المثال: مفارقات الحرية (رواية الرحلة، رواية خط النهر)، الحب كما تراه النفس (رواية صورة في المرآة) أو كما يرى من الخارج (رواية نسيم الصباح) ، صراع الخير والشر (رواية قصة القاضي) وتخوم الموت الفاتنة (رواية سباركنبروك).

(2). أي اقتباس لهذه الترجمة بدون الإشارة إلى المترجم (هذا الكاتب محمد عبدالله العليان) سيتم إلزامه حسب قانون حقوق المؤلف وقانون حماية الملكية الفكرية المعمول بهما في السلطنة.
(3) يقول الدكتور المرزوقي موضحا هذه النكتة اللطيفة : (لا بد أن نشير هنا إلى عامل طالما غطاه عموم لفظ الفلسفة فلم يسمح فيه بالتمييز فلم ير من معارضة الفكر العربي للفلسفة إلا الوجه السلبي. وذلك للخلط بين الفلسفة عموما وما بعد الطبيعة. فما لم يقبل به الفكر العربي هو ما بعد الطبيعة ـــ وما كانت معارضته للفلاسفة إلا لكونهم أساسا ما بعد طبيعيين. لكن هذه المعارضة، حتى وإن كانت في الظروف الواقعية تهدف إلى الدفاع عن دين أو مدرسة كلامية، فإنها قد حققت تقييما موضوعيا لقدرة العقل ومداه ، وهو نقد لم يقصد ـ كما يزعم بعضهم ـ تحييد العقل دفاعا عن الدين فحتى الحشويين لم يكونوا يرونهما متنافيين، إنما هو نقد يشك في مدى العقل الوجودي فلا يعترف له إلا بالإجرائية في المعارف التجريبية أو الصورية وهي خاصية نجد أحسن تعريف لها في تسمية العقل بالقوة المميزة أو المحللة لا غير (…) فهو (أي الغزالي) يقصر ميدان العقل على الرياضيات والمنطق بالنسبة للمعارف الضرورية وعلى التجربة بالنسبة للمعارف التي تتعلق بمعلوم حقيقي خارج الذهن) ص نسخة الكترونية.

محمد عبدالله العليان
إعلامي عماني في إذاعة وتلفزيون سلطنة عمان منذ عام 1977، عضو الجمعية التاريخية العمانية HAO، عضو الرابطة الدولية للكتاب العلميين ISWA ،عضو الرابطة البريطانية للكتاب العلميين BSWA

إلى الأعلى