الجمعة 24 نوفمبر 2017 م - ٥ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / أصداف : الكهرباء تشعل العراق

أصداف : الكهرباء تشعل العراق

وليد الزبيدي

رصد مراقبون وسياسيون عراقيون أن العراقيين يختارون أشد الأوقات حرارة للثورة، ويستشهدون بثورتين قريبتين حصلتا في شهر تموزـ يوليو شديد الحرارة. الأولى ثورة 14 تموزـ يوليو عام 1958 التي قادها الزعيم عبدالكريم قاسم وأنهى فيها الحكم الملكي في العراق الذي بدأ مع تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921، لتبدأ حقبة العهد الجمهوري الذي ما زال مستمرا.
وجاءت الثورة الثانية بعد عقد كامل من الأولى، ففي يوليوـ تموز من عام 1968 قامت ثورة 17 يوليوـ تموز بقيادة حزب البعث وتسلم رئاسة الجمهورية أحمد حسن البكر، ومن بعده صدام حسين حتى الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وبينما يسافر أصحاب المناطق الحارة في مثل هذه الأشهر إلى الدول الباردة للتخلص من الحرارة اللاهبة، فإن العراقيين يبقون في بلدهم ويثورون.
وتتفجر هذه الأيام كل معالم الغضب ضد الحكام والعملية السياسية في العراق، وبما أن لكل رد فعل على الحاكم أسبابها، فإن الثورات السابقات تحدثت عن دوافعها التي وقفت وراء تفجرها، حتى حدث كل التغيير في بنية الحكم وتوجهاته، أما هذه الأيام فإن الدافع والمحرّك الذي فجّر كل هذا الغضب فقد كانت حرارة الجو القاسية، وما زاد من سخط الناس وغضبهم الشديد أن التيار الكهربائي الذي يخفف كثيرا من الوقع المؤذي للحرارة اللاهبة غائب عن الناس، وأن ملايين العراقيين يعيشون ظروفا صعبة جدا، فبدلا من التعرض المباشر لمتاعب الحر اللاهب فقد كان بالإمكان التخفيف من ذلك لو توفر التيار الكهربائي في جميع مدن العراق، في حين يعاني الناس من غياب التيار الكهربائي لفترات طويلة تصل في الكثير من المناطق إلى عشرين ساعة في اليوم، ويضطر الناس اللجوء إلى أصحاب المولدات الكهربائية الخاصة للتخفيف من المعاناة التي لا تستثني طفلا وامرأة وشيخا ومريضا، إلا أن الغالبية يصطدمون بارتفاع أسعار التيار الكهربائي من تلك المولدات، عندها ليس أمامهم إلا تلقي قصف الحر اللاهب وقبول الواقع المأساوي الحقيقي الذي يعصف بالعوائل بصورة لا يمكن لأحد أن يتصورها إلا من عاش تلك الأيام بكل قسوتها، فعندما تغيب الكهرباء عن البيت فإن الأجهزة الكهربائية تتوقف، بمعنى أن لا خزين غذائي، وأن العائلة تضطر لشرب المياه الساخنة في حال توفرها طبعا، ولم يكن النوم سهلا على الإطلاق تحت درجات الحرارة اللاهبة، وتغزو البيوت والأحياء الحشرات وفي مقدمتها البعوض والذباب، وفي تفاصيل التعذيب اليومي يمكن كتابة روايات كثيرة كل واحدة ترصد المعاناة من زاوية مختلفة.
أيضا الورش والمصانع والمحال التجارية الصغيرة والكبيرة تصاب بالشلل التام، ولم يعد بمقدور أصحابها الاستمرار بالعمل في حال انقطع التيار الكهربائي لساعات طويلة.
وبالتأكيد يلقي ذلك بظلال متعبة على الطلبة الذين يبحثون عن مكان هادئ ومكيف للمطالعة واستيعاب ما يقرأون.
هذه الأجواء فجّرت كل هذا الغضب في دواخل العراقيين.

إلى الأعلى