الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / صفاقة شايلوكية صهيونية والمطلوب مواجهتها

صفاقة شايلوكية صهيونية والمطلوب مواجهتها

د. فايز رشيد

ذكرت صحيفة”إسرائيل اليوم”(عدد الجمعة 25 ديسمبر الماضي) أن إسرائيل تشترط على الولايات المتحدة، أن تتضمن مبادئ الاتفاق المستقبلي مع الفلسطينيين: الحق للجيش الإسرائيلي في ملاحقة الناشطين الفلسطينيين داخل أراضي الدولة الفلسطينية. معروف أيضاً أن الحكومة الإسرائيلية تتصلب في موقفها بشأن، بقاء القوات الإسرائيلية في منطقة غور الأردن، في حين يطالب وزير الحرب موشيه يعلون بإبقاء كافة المستوطنات الإسرائيلية في الغور وليس فقط الجيش. مسؤول المكتب السياسي العسكري في وزارة الدفاع عاموس جلعاد قال للصحيفة:” إذا غادرنا أراضي الفلسطينيين، فإن عمليات إحباط الإرهاب ستتضرر، لذا فلن نقبل أن يحل أحد محلنا”!. معلوم أيضاً أن نتنياهو يشترط على الفلسطينيين والعرب “الاعتراف “بيهودية دولة إسرائيل” قبل إبرام أية تسويات معهم!.
حتى اللحظة، فإن هذه هي الشروط الجديدة الإسرائيلية لعقد تسوية مع الفلسطينيين. أما الشروط السابقة فتتضمن الرفض المطلق لحق عودة اللاجئين، ورفض الانسحاب بشكل مطلق من القدس باعتبارها “العاصمة الموحدة والأبدية لإسرائيل”، وأنه لا عودة لحدود عام 1967، وإبقاء السيادة الإسرائيلية على المعابر الحدودية للدويلة العتيدة وعلى سمائها، وما تحت أرضها وعلى مياهها الإقليمية. هذا ما تفتقت عنه العقلية الإسرائيلية من اشتراطات لقبول التسوية! الذي نسأله: وماذا يتبقى للفلسطينيين من مظاهر السيادة على ما يسمى دولة فلسطينية؟ من الواضح تماماً أن إسرائيل تُبقي على احتلالها للأرض الفلسطينية جملة وتفصيلاً، الأمر الذي يجعل من هذه الدولة حبراً على ورق ليس إلاّ! هذا في ظل بقاء التجمعات الاستيطانية الكبيرة في الضفة الغربية، الأمر الذي يُنذر بانتقاص متزايد من نسبة الــ25% التي تبقت للفلسطينيين من مساحة الضفة الغربية (بالطبع إضافة إلى قطاع غزة المكتظ بالسكان). رغم ذلك لا تزال السلطة الفلسطينية تفاوض إسرائيل (بضغوطات أميركية بالطبع، تنفيذاً لبقاء المفاوضات تسعة أشهر، وقد يستمر الضغط على الجانب الفلسطيني لتمديدها مجدداً). الأشرف والأفضل للسلطة الفلسطينية أن تعلن انسحابها نهائيًّا من المفاوضات مع إسرائيل، أيًّا كانت نتائج ذلك! وتُعلن بمنتهى الوضوح: سقوط نهج التفاوض مع إسرائيل نهائيًّا وبشكل كامل، والمنطق والحالة هذه يخدمها بشكل كبير، فما من دولة تقبل بأن تُبقي على احتلال حدودها من جهة الدولة التي تحتل أراضيها، وما من دولة تقبل بأن تكون أرضها مرتعاً وملعباً لقوات الاحتلال تطارد من تشاء فيها، وتغتال مواطنيها، وتعتقلهم في سجونها!هكذا دولة لم تكن في يومٍ من الأيام قائمة في التاريخ ولن تكون، فما من شعب يقبل الاستكانة والإذلال والمهانة التي تريد إسرائيل إلصاقها بالفلسطينيين على الدوام. أيضاً ما من دولة تقبل باستمرار مصادرة أراضيها لاستيطان العدو.
أما بالنسبة للضغوطات الأميركية، فالمبادرات التي عرضها كيري على الفلسطينيين في جولاته الأخيرة عمليًّا هي نقل للجانب الفلسطيني، المقترحات الإسرائيلية بحذافيرها، الأمر الذي يؤكد أن الولايات المتحدة لم تكن وسيطاً نزيهاً في يوم من الأيام على صعيد الصراع الفلسطيني العربي ـ الإسرائيلي، وبالتأكيد فهي لن تكون مستقبلاً. المبادرة تتأسس على ما طرحه الرئيس الأسبق كلينتون ورفضه الرئيس الراحل عرفات. واشنطن تعرض اتفاق إطار في دولة مقطعة الأوصال. دولة كانتونات مجزأة، ليس من تواصل بينها غير ما تفرضه إسرائيل من طُرق، مليئة بالحواجز الإسرائيلية من قبل الجيش، تمرر من تشاء وتمنع من تشاء! تعتقل من تشاء وتحتجز من تشاء وهكذا دواليك. أما السيطرة الإسرائيلية على المعابر فعمليًّا تجعل من إسرائيل عاملاً متحكماً أساسيًّا في حركة الداخلين والخارجين من وإلى أراضي الحكم الذاتي (التي تسمى تقديراً بدولة بينما هي براء من كل مظاهر سيادة الدولة). إسرائيل لن تقرر فقط للداخلين والخارجين من الفلسطينيين (سواء في الدولة أو في الشتات!) فقط وإنما حتى لزوار هذه الدولة! فلن يستطيع مسؤول من دولة ما الدخول إلى الدولة الفلسطينية دون إذنٍ إسرائيلي له!.
لو افترضنا جدلاً موافقة الفلسطينيين على كل الشروط الإسرائيلية السابقة، فإن الذهنية الإسرائيلية ستتفتق عن شروط جديدة أخرى، لأن العديدين من المسؤولين الإسرائيليين أعلنوا مراراً “بعدم قبولهم لظهور دولة جديدة بين الأردن وإسرائيل”. من جانب آخر، فقد أعلن العديدون من وزراء الحكومة الإسرائيلية الحالية بأن الغالبية فيها يرفضون قيام دولة فلسطينية (ولو كانت عبارة عن حكم ذاتي ليس إلا، وليست دولة بالمعنى المتعارف عليه للدول). نقول ذلك لأن غالبية أطراف الائتلاف الإسرائيلي الحاكم حاليًّا: لا تعترف بوجود شعب اسمه الشعب الفلسطيني، وهي أيضاً تعتبر فلسطين من البحر إلى البحر أرضاً إسرائيلية، وأن هذه الأطراف ما زالت تحلم” بأرض إسرائيل الكبرى” من النيل إلى الفرات”!.
هذه هي حدود التسوية بحدها الأعلى التي تطرحها إسرائيل على الفلسطينيين. أما بالنسبة للعرب فقد سبق لإسرائيل وأن رفضت ما سمي”بمبادرة السلام العربية” وأعلنت مراراً أنها تريد “سلاماً مقابل سلام” ولا تريد “سلاماً مقابل الأرض”! هي تريد لأعلام دولتها الصهيونية أن ترفرف على بنايات سفاراتها في العواصم العربية، وتريد تطبيعاً في مختلف المجالات مع الدول العربية، وتريد “تزاوجاً” بين الأموال العربية والعقلية الإسرائيلية ـ التي ليس لذكائها حدود والتي تنطلق من الفوقية والاستعلاء وتقديس الذات والاستهانة بالعقل العربي المحدود الذكاء ـ من وجهة نظرهم وتعاليمهم؟!”.
على ضوء ما سبق: يصبح لزاماً على الفلسطينيين والعرب، مجابهة العدو الصهيوني، الذي هو ليس خطراً على الفلسطينيين وحدهم، وإنما على الأمة العربية بكاملها من المحيط إلى الخليج. فلسطينيًّا يتوجب: إلغاء نهج المفاوضات إلى غير رجعة، وإجراء مراجعة نقدية شاملة للمرحلة منذ اتفاقيات أوسلو وحتى هذه اللحظة. وتحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية على القواسم المشتركة بين الفصائل، على الثوابت الفلسطينية التي تستند إلى حقوق شعبنا الوطنية في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس. المطلوب فلسطينيًّا أيضاً: إحياء نهج المقاومة للعدو الصهيوني بكافة أشكالها ووسائلها، بما فيها الكفاح المسلح. هذا الحق المشروع للشعوب المحتلة أراضيها والمغتصبة إرادة أبنائها، وقد ضمنته الأمم المتحدة بقرارات صريحة وواضحة بهذا الشأن. المطلوب أيضاً إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الجامع بين كافة أبناء شعبنا في الوطن المحتل وفي الشتات. إعادة الاعتبار مقترنة بالإصلاح الشامل في مؤسساتها بحيث تكون حاضنة لكل ألوان الطيف السياسي الفلسطيني، بما في ذلك الفصائل الفلسطينية بلا استثناء. أما المطلوب عربيًّا: فمن المفترض سحب ما يسمى بمبادرة السلام العربية. وإلغاء الاتفاقيات المعقودة بين بعض الدول العربية وإسرائيل: اتفاقيتي كمب ديفيد ووادي عربة (إضافة بالطبع إلى إلغاء اتفاقية أوسلو). مقاطعة إسرائيل مقاطعةً تامة، وعدم التطبيع معها، من خلال قطع كافة أشكال الاتصالات، بها وفي مختلف المناحي. بناء استراتيجية عربية واحدة وموحدة مستندة إلى مجابهة الخطر الإسرائيلي، من قبل كافة الدول العربية من المحيط إلى الخليج. تعزيز التلاحم الوطني العضوي الفلسطيني والقومي العربي من أجل المجابهة.
قد يقول قائل: بأن ما كتبناه ليس أكثر من أحلام ليس إلاّ، وأنه كتابة من أجل الكتابة فقط، نرد على ذلك بالقول: سيأتي يوم وتأتي فيه ظروف تجبر الفلسطينيين والعرب، على خيار نهج المجابهة، ونأمل أن لا نكون حينها قد تأخرنا على ذلك، وأن يكون الأوان قد فات؟!.

إلى الأعلى