الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / “في نقد الخطاب العربي الراهن” .. دراسات تسعى لنقد الخطابات السائدة عربيا وعالميا بإظهار التباس مفاهيمها

“في نقد الخطاب العربي الراهن” .. دراسات تسعى لنقد الخطابات السائدة عربيا وعالميا بإظهار التباس مفاهيمها

رؤية ـ حسام محمود
جمع المؤلف سمير أمين في هذا الكتاب أربع دراسات تسعى إلى نقد الخطابات السائدة عربيا وعالميا، وذلك بالتركيز على إظهار التباس المفاهيم المستخدمة في هذه الخطابات، وهى في واقع الأمر لا تعدو كونها مقولات لفظية تعتمد اللغة التي فرضتها الموضة المستوردة من الولايات المتحدة. فالهدف الذي يسعى وراءه الكاتب هو الدعوة إلى شحن الذهن بالمفاهيم العلمية التي أدخلتها الماركسية في تحليل الظواهر الاجتماعية وتجديد معانيها في ضوء التحولات التي طرأت على واقع المجتمع الحديث الرافض للتدخلات الأميركية، وانطلقت من قراءة نقدية لكتابات حديثة اعتبرها هامة بسبب درجة دلالاتها العليا لأخذ إيجابيات الرأسمالية وما تتيحه الاشتراكية، بدلا من طرح الموضوعات على النمط الأميركي التقليدي بشكل مباشر يقود نحو تبعية للولايات المتحدة وسياساتها ثقافيا واقتصاديا.

خطابات متباينة
يدور الفصل الأول حول نقد خطاب الرأسمالية بشأن طابع ومدخل مفيد بل ضروري لإظهار الطابع غير العلمي للمقولات التي روجتها الكتابات السائدة عربيا وعالميا، والمعتمد على انهيار التجارب الاشتراكية للقرن السابق، والانحياز في صف أطروحة أبدية الرأسمالية التي لا بديل لها كما يزعم البعض. وفى هذا المناخ عبر الفصل الثاني عن تقدم الخطابات القومية وغيرها كتعارض لكل من الرأسمالية والاشتراكية بسبب طابعهما المشترك الغربي الأصل، حتى تصير خطابات استراتيجية لها تأخذ بما ينفع من كليهما. وبالتالي فهناك نوعان من النقد لهذه الخطابات، أحدهما ينطلق من موقف يميني ينحاز إلى قبول مبادئ الرأسمالية ولو بدرجات، وتحفظات في رفضه لأطروحات القومية وتسييس القرارات المجتمعية التي تنبع من العقيدة، والآخر ينطلق من موقف يساري لم يتنازل عن اعتبار الاشتراكية بديلا مطلوبا للرأسمالية. وفى الفصل الثالث من الكتاب بما أن نقد الخطابين القومي والسياسي العربي هو نقد من اليسار، فقد كان من الضرورة توضيح مقولات نقدية فيما يخص خطاب الرأسمالية السائد، وذلك لأن المعارضة القومية لا تهتم بهذا النقد. وفى نهاية المطاف تقبل عمليا مبادئ الرأسمالية في أجزاء لها ولو دون وعى بذلك، ولعل العودة إلى الماركسية في الخطاب العربي المعاصر أخذ من خلال ايجابياتها، ورفض سلبياتها من خلال تحليل الظواهر الاجتماعية، ويمكن تحليل المغزى للتحديات الحقيقية التي تتعرض لها المجتمعات في هذا العصر لضبط المفاهيم وذلك في الفصل الرابع من الكتاب. ويهدف الكتاب بشكل شامل ودقيق لإعادة تصحيح المفاهيم، ومناقشة الخطابات السائدة، وضبط العديد من المفاهيم المغلوطة عنها أو الشائعة لدى مروجيها. ويرمى إلى درء الطابع غير العلمي ومنع الترويج لمقولات مستوردة وترديدها في العالم العربي كانهيار التجارب الاشتراكية، واعتماد أبدية الرأسمالية وصلاحيتها، والتظاهر بأن خطابات القومية والدين السياسي، كمقولات تناهض وتعارض الخطاب الرأسمالي، وكلها مقولات هشة ، وفي حقيقتها تنحاز إلى هذا الخطاب، وتروج له سواء عن علم أو بدون علم ، فهي بالأساس خطابات استراتيجية للرأسمالية .

تصحيح المفاهيم
يوضح المفكر سمير أمين الفارق الفرق ما بين الرأسمالية الخيالية وخطابها الذي يزعم أن انتشارها سيعود بالفائدة على جميع الشعوب أيا كانت ، فهي مرحلة العقلانية الإنسانية ، وبالتالي فليس هناك بديل معقول غيرها . إلا أن هذا يتناقض وتاريخية الرأسمالية ، المتمثلة في الصراع الدائم والمستمر بين منطق التراكم الرأسمالي ومنطق المصالح الاجتماعية والوطنية المتناقضة معه . فمع انهيار الاشتراكية ونظم العالم الثالث الراديكالية استعادت الإمبريالية قواها وهجماتها ، وما العولمة إلا الشكل الجديد للنظام الرأسمالي الحالي ، وهو المرادف لمصطلح الإمبريالية . فالأزمة أصبحت في غياب الدولة تكمن في مواجهة الطبقات المسيطرة على الثروة في البلدان الفقيرة والحلفاء في الخارج . فالهدف هو بناء مجتمع ديمقراطي يراعي مصالح الطبقات الفقيرة . ولعل الديمقراطية وممارستها بشكل تدريجي من الممكن أن تحقق شكلا من الاستقلال الوطني ، وهي التي لن تتحقق إلا على مدى زمني طويل . فالأمر مرهون ومعقود بحالة من الوعي بخطاب الرأسمالية الغربية وأكاذيبه ، فالديمقراطية والمجتمع المدني والحريات الأميركية تدور جميعها في فلك الرأسمالية المسيطرة، وتتعامل معها وكأنها شيء عادي ، وربما أمر إيجابي يستحق الدعم والنشر عبر العالم . أما الوعي بحقيقة الرأسمالية الغربية وبأنها أداة تدمير لا هدم . كذلك يعلّق أمين الأمل على حالة أو فئة أو مجموعة أفكار يتم إعادة صياغتها وفق مفاهيم جديدة مستحدثة للاشتراكية والمفاهيم الماركسية أنها ستكون هي أداة التغيير . يأخذ سمير أمين على هذا الفكر حصره مبدأ التقدم من خلال فكرة الوحدة العربية، والتغني بمقوماتها دون دراية بحقائقها بحيث أصبحت كالنغمة النشاز . فالرجل يتفق والهدف ، لكنه يختلف في مضمون الرؤية والتفاصيل . فالتيارات القومية تغفل العلاقة بين مدى إنجاز هذه الوحدة والصراع الطبقي . فهذا الإنجاز موقوف على الخروج التام من أسر الرأسمالية ، وهو المتمثل في علاقات ذات طابع اشتراكي في إدارة المجتمع المحلي . والأمر ليس مرهونا بالبورجوازيات ، بل بالطبقات الشعبية المعادية في الأصل للرأسمالية. فالسمات التي استند إليها القوميون من اللغة والجغرافيا لم تكن كافية لتحقيق هذه الوحدة ، والحديث حولها كمسلمات هو ما أدى إلى نهايات مفجعة أصبحت تثير السخرية . فمقولة القومية العربية أمر ثابت وهدف سامٍ متواصل عبر تاريخ الشعوب الناطقة بالعربية وهي مقولة ذات طابع إيديولوجي بحت . وبالنسبة لمقولة إن الإسلام يحارب الولايات المتحدة ، فهو ما تروجه الولايات المتحدة نفسها ، لأنه الوحيد الذي يعطي للولايات المتحدة شرعية زائفة لمشروع سيطرتها العسكرية ، المعروف باسم الحرب على الإرهاب . وبذلك هي التي اتخذت المبادرة ، وما اختيارها للشرق الأوسط كبداية بسبب أن الشعوب التي تسكنه مسلمة ، بل لأسباب أخرى، أهمها الثروة النفطية والموقع الجغرافي ، الذي يتيح لها استيطان قواعد عسكرية دائمة قادرة على تهديد الصين وروسيا إضافة إلى الهند عند الضرورة .

إلى الأعلى