السبت 23 سبتمبر 2017 م - ٢ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / ثلاثي الأبعاد : الفتنة الاجتماعية .. أما بعد

ثلاثي الأبعاد : الفتنة الاجتماعية .. أما بعد

وصلتني رسالة قبل عدة أيام من أحد معارفي القدامى الذي لم أتواصل معه منذ فترة، حيث انقطع التواصل بيننا دون سبب يذكر، إلى أن وصلتني رسالته التي قال فيها (أنت أخت عزيزة ولكن كان من الأفضل أن تخبريني بسلبياتي بدل من أن تتحدثي عني أمام الآخرين)، عرفت من الرسالة بأن هناك فتنة في الموضوع، وبكل آسف هذه العادة التي يمكن القول إنها متأصلة في مجتمعنا أصبحت جزءا من الحياة وكأنه تصرف عادي، على الرغم من أن الإسلام ذكر النتائج السلبية المترتبة عليها في كثير من المواضع (الفتنة أشد من القتل، الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها) إلا أن الطبع يغلب التطبع، فكم من بيوت تهدمت بسبب الفتنة، وكم من أسر تفرقت وتصدعت، وكم من قلوب تغيرت على أصدقائها، وكم من أشخاص كانت لهم الفتنة جدارا لعدم التقدم في العمل وكم وكم..
وهذا كله بسبب كلمة نقلها شخص أراد من تصرفه إما التقرب من الشخص الذي نقل إليه الكلام أو إيذاء الشخص المتحدث عنه، أو غيرهما من الأسباب التي ليست بتلك الأهمية بكثرة الأذية التي تخلقها الفتنة ونتائجها الوخيمة على المجتمع. من المواقف التي قرأتها في مقال أرسله أحدهم لهاتفي، بأن مسئولا في دولة ما، كان يتخذ من الفتنة وسيلة ليسيطر على الموظفين، حيث بضعفهم تكون السيطرة عليهم أسهل وليتقرب للمسئول الأعلى منه، وكانت وسيلة ناجعة لسنوات، على الرغم من أنه كان معروفا عنه التزامه الديني والأخلاقي لذلك لم يشك فيه أحد، إلا أن أحد الموظفين الجدد في المؤسسة تمكن من كشف ألاعيبه وطرقه الملتوية، ومن المؤكد أن هذا الموقف موجود في مجتمعنا، ولكن بطريقة فيها كثير من اللف والالتواء والخبث الاجتماعي.
هذه العادة التي كانت موجودة منذ سنين، وقامت بسببها حروب، ولكن يمكن القول إن الوضع في السابق كان مختلفا كون تلك الأيام لم تكن هناك وسيلة اتصال بين البشر، إلا البشر أنفسهم، فمن كان يخاف ربه ولديه ضمير نقل الرسالة كما هي، أو يمكن أن يُحرّفها وهنا تقع الفتنة، حيث كان التأكد من الأخبار أو المعلومات غير متوفر تلك الأيام، ولكن ما هو المبرر لها في هذه الأيام، حيث وسائل التواصل متوفرة، ويمكن التأكد بسهولة من صدق ما ينقل، خاصة إذا كانت العلاقة بين الطرف المنقول عنه والطرف المنقول إليه علاقة صادقة وقائمة على حسن التعامل والاحترام والأخلاق.
والغريب أيضا أنه على الرغم من ارتفاع نسبة المتعلمين والحاصلين على الدرجات العلمية العليا في المجتمع، إلا أن هذه العادة ظلت باقية، وكنت أحسبها شائعة بين الجهلة فقط، بل إن هذه الطبقة المتعلمة تركت آذانها مفتوحة للقيل والقال، وأفواهها جاهزة لنقل الأحاديث بين فلان وعلان، كل الظن بأن من وصل لدرجات علمية عليا ليس لديه من الوقت ليستمع للآخرين أو ينقل ضد آخرين لأن لديه اهتمامات أخرى أكثر أهمية وفائدة للمجتمع وتفكيره في الأبحاث والدراسات وغيرهما من الاهتمامات العلمية، لكن يبدو أن الفتنة مغرية وهي أشد. طبعاً المستوى التعليمي ليس حجة لأن هذه طبيعة بشرية لا تعتمد على المستوى التعليمي بقدر اعتمادها على المستوى الأخلاقي، ومن كانت أخلاقه عالية، يجب ألا يترك المجال لأحد أن ينقل له الكلام أو يلجأ إلى المواجهة. أما من عين نفسه وسيلة لتأويل الأحاديث وفبركتها، ومن ثم توصيلها بطرقه الاحترافية بين طرف وآخر، قد يكون الإحراج بالمواجهة وسيلة نافعة أحياناً، لكن هناك البعض لا تنفع معهم هذه الوسائل خاصة من يعيشون على الفتنة وأصبحت جزءا من حياتهم اليومية، هؤلاء نسأل الله لهم العافية، وأن يشفيهم مما ابتلاهم من مرض نتائجه التفريق وإشعال النار بين البشر.
الحديث في هذا الموضوع ذو شجون، خاصة أن جميعنا مر بمواقف مؤذية مع أشخاص آخرين سببها الفتنة وهو موضوع لن ينتهي إلا إذا تغيرت بعض العادات السيئة التي جُعلت جزءا من حياتنا التي نتعامل بها دون الإحساس بحجم نتائجها السلبية.

خولة بنت سلطان الحوسنية
@sahaf03

إلى الأعلى