الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب .. جئت إلى المدرسة حافي القدمين

رحاب .. جئت إلى المدرسة حافي القدمين

ما زلت أذكر جيدا أول يوم دراسي نظامي في حياتي، حدث ذلك في يوم مجهول من عام 1973، عندما وجدتني أحمل حقيبة فارغة إلا من بعض دفاتر الكتابة وقلم رصاص وممحاة ومنحتة أقلام خشبية. أستطيع الآن بسهولة استدعاء أصداء رنين جرس نحاسي ضخم كان معلقا بجوار مكتب مدير المدرسة، كان الجرس يوقظ في عقلي مشاعر الانضباط والنظام، ما أن سمعت الجرس مع تلاميذ من مختلف الأعمار في المدرسة السعيدية في صلالة حتى تدافعنا بكل حماس إلى ساحة المدرسة. كان الوقت ضحى، والشمس حارقة، والرطوبة تعتصر العرق، ولكن صوت الجرس في أذني كان ممتعا. تدافع الطلاب في أدب إلى ساحة الطابور، أقبل المعلمون يمشون في وقار. كان بعضهم يصرخ والبعض منهم كانوا يحملون عصيا أو مساطر طويلة في أيديهم. تعلمت لاحقا كيف أتوارى خشية مرور أساتذة معينين اقترنت ممارساتهم في ذهني بالعنف والغلظة. كان كل سلوك من المعلمين مقبولا، فالأب يدفع بأبنائه إلى المدارس ليس للتعلم الأبجدي فحسب، بل للتأديب الأخلاقي والسلوكي أولا، ولإكساب الطالب القيم والدين والأخلاق باعتبار ذلك من شروط التهذيب والتعلم. جئت إلى المدرسة حافي القدمين، وكان عمري الزمني أكبر بكثير من سن الصف الأول. ولكنني كنت أعرف شيئا يسيرا من مبادئ الأبجدية، وكنت معجبا بتلك الحركة التي أراها لأول مرة، وأنا أنتقل من ظلام الأمية إلى نور العلم، كانت حواسي مستيقظة لتسجيل كل شيء، لكنني كنت خائفا جدا، بالرغم من خوفي الشديد المغلف بالأدب والاحترام لكي أتجنب ما يغضب أولئك المعلمين الذين لم يكونوا يبتسمون البتة، وكان لكل منهم وقاره وهيبته التي أدركت لاحقا عندما كبرت أنها كانت لدى بعضهم مصطنعة باعتبارها من مقومات نجاح المعلم، إذ كان يحق للمعلم في تلك الأيام أن يضرب الأطفال بلا حرج، بل إن العقاب البدني كان من أهم الأساليب التربوية، فالترهيب مبدأ يسبق الترغيب في عقول المعلمين. شرع المعلمون يقذفون الطلاب المشاغبين بنظرات مسعورة، وكانت إيماءات أولئك الأساتذة كافية لكي تجمع جميع الطلاب في دقائق في صفوف مستقيمة أمام سارية العلم، وبدون تردد تقدم ثلاثة طلاب علمت أنهم كانوا من الصفوف العليا، فأحدهم كان بلحية بالرغم من أنه كان يدرس في الصف الثاني الإعدادي، أخذ الطلاب مكانهم أمام سارية العلم، ثم رفعوه وهم يرددون نشيد السلام السلطاني، وبقية الطلاب يرددون معهم عاش، عاش، عاش.
اختلطت فرحتي بالخوف وأنا أرى معلما طويلا يقترب مني ويقول لي: ارفع رجلك، وعندما رفعت قدمي الحافية ضربها بمسطرة غليظة في يده، وبدون رحمة أمرني أن أرفع الثانية، رفعتها فانهال عليها بالضرب، حتى كادت قدماي أن تدميا، ومنذ ذلك اليوم لم آتِ إلى المدرسة حافيا، لم أكن أعرف النعال قبل ذلك، فبيئتي الجبلية لم تكن تضطرني أن ألبس نعالا، فقد كان بين قدمي والأرض ود ومحبة وتواضع. وبدون أن يبرر ذلك المعلم تصرفه الأرعن، تفقد بقية الطلاب الذين كان يرتعدون خوفا.
انتهى الطابور الذي كان مقتضبا، وتفرق الطلاب إلى صفوفهم، وبقيت أنا في ساحة المدرسة، فإذا برجل وقور يتقدم نحوي علمت لاحقا أنه الأستاذ الشيخ محمد بن علي العيدروس رحمه الله، وكان مديرا للمدرسة ثم صار فيما بعد مديرا لمكتب الأوقاف في صلالة، سألني لماذا لم تذهب إلى فصلك؟ فأخبرته أنني طالب جديد، فقال بلطف وهدوء: تعال بعد عشرين يوما! ولكن الله أنطقني فقلت بنبرة رغبة ورهبة: يا أستاذ أنا أعرف أقرأ وأكتب وبدون أن يطيل الكلام معي، اصطحبني في عطف وحرص إلى أحد المعلمين وقال له: اختبر هذا الطالب، فإذا كان يعرف القراءة والكتابة، ألحقه بالصف الثاني. وخلال دقائق معدودة وجدتني في الصف الثاني، واستلمت كتبي التي لا تزال رائحتها المميزة مخزنة في أنفي.
ومنذ ذلك اليوم صرت مواظبا جدا، وشاطرا جدا لكي أنجو بنفسي من تلك المسطرة الغليظة، وأحظى بتصفيق طلاب الصف عندما كان المعلم يستحسن سلوكي، وكانت مكافأتي التي أتنافس عليها مع طلبة آخرين أن ينيبني الأستاذ أثناء خروجه بين الحصص عريفا على الصف حتى يرجع. أدركت عندما كبرت واستوعبت أن جميع المعلمين الذين كانوا يمارسون مهامهم بقسوة وغلظة كانوا غير أسوياء، أما أولئك الرحماء فقد كانوا أسوياء ومحل احترام وتقدير من طلابهم حتى اليوم.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى