الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار .. ذاكرة غزة المفتوحة

باختصار .. ذاكرة غزة المفتوحة

زهير ماجد

ما أصعب ذكريات العرب حين يقلبون سنواتهم الأخيرة بميزان تاريخهم .. الأمر صعب أو يتوه المرء في أيها أصعب إليه من الأخرى .. هل سوريا مثلا أم العراق أم لبنان أم ليبيا أم تونس أم مصر أم غزة التي يمر عام على العدوان الأخير عليها وهي واقفة بوجه الريح، رغم توهان من دمرت بيوتهم القذائف الهمجية ومن قتلت..؟
في مثل هذه الأيام كانت غزة على نار حارقة .. موعد لا يحب الغزاويون استرجاعه لكنهم يجدون فيه الكثير من بطولات شعبهم .. من الواضح أن الشعوب لها وجهة نظرها عن الكثير من قياداتها .. ولأن الهم واحد بينها وبين ما يجري في سوريا مثلا، فتكاد تتوحد مواقف الشعبين، لكن أحد قيادي “حماس” موسى أبو مرزوق يتمنى لو تجتاح جيوش الغرب سوريا .. ليست الفكرة مقبولة كيفما قلبناها من أولئك الذين احتضنتهم سوريا في أكثر أوقاتهم الصعبة، وهم بدون سوريا لن يتعرفوا على أنفسهم إذا ما كانوا عربا أو غير عرب.
السجال قد لا ينفع بعد انطلاق الفكرة أو الأفكار، لكن العنوان يظل مكتوبا على الجبين، فليس هنالك من ينسى، خصوصا عندما تمس القضية روح شعب كالشعب السوري ما زال يقاتل على جبهات عديدة شرور الجارة تركيا وبعض العرب وأهل الغرب .. لعل الكلام في مثل هذه الحال يرتد على صاحبه، وبقدر ما يمثل شخصه، فهو يمثل روح ثأر خاصة به.
بعد مرور سنة على عدوان غزة، ما زال الجرح كأنه وقع البارحة .. من خسر عائلة أو ولدا أو زوجة أو خسرت زوجا وأولادا بالجملة، ومن ما زال مكبلا بالبحث عن مكان يأوي إليه بعدما دمر بيته واحترق، فإن الإحساس بعمق الجرح ما زال قائما .. فغزة متروكة لقدرها، والعرب على وعود بانتظار أوامر الكبار، والمصطلح الوحيد المحفوظ، أن غزة ممنوعة من العودة إلى ما كانت، هكذا أمر الإسرائيلي، وبمثل هذه الفكرة يتحرك الآخرون.
لا شك أن التعب يتسلل إلى وجدان الناس المحبطة التي واجهت قدرا لا يحتمل، تركت وحدها على ألم متجدد كل دقيقة وثانية وهي تائهة في كيلومترات مربعة .. ومع ذلك لا نسمع أحدا من الغزاويين يئن أو يخرج عن معنى الكلمات .. ما زالوا يرفعون شارات النصر، فهم من روح الشام التي تأبى البوح بحزنها الذي يتعتق.
لكنه التعب الذي لا يغير مقياس المفاهيم والأفكار مثلما هي حال التغير عند موسى أبو مرزوق. ومن حق الغزاويين أن يشعروا بعد سنة بأنهم متروكون لقدرهم، وأن صرختهم “أين أنتم يا عرب؟” تصلح للترداد أثناء حالة الموت الجماعي الذي مر، وما تلاه من بحث عن مأوى جديد كما هو الحال الآن.
غزة مدرسة وطنية لها ذاكرة ذات معنى .. لن يمثلها أحد سوى شعبها، ولن يبخل عليها من احتضنها دائما كي يكون هو الدائم في مد اليد لها. أما المنهزمون الذين يصنعون تاريخهم على قاعدة الغضب أو الانتساب المبكر لأفكار خبأوها إلى يوم آخر، فليس لهم مكان في قلب شعوب تحسن اكتشاف الحقيقة.
لا نريد أن نجعل من غزة مناسبة بكاء كل عام، نريدها فكرة جارحة كي تظل حرارتها مضادة للنسيان، متفجرة في وجه تجار السياسة وما يتفتق عنهم من كلمات.

إلى الأعلى