الجمعة 15 ديسمبر 2017 م - ٢٦ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / دور تركيا وصفقة داعش

دور تركيا وصفقة داعش

كاظم الموسوي

لا يمكن اعتبار ما يحصل اليوم في المشهد السياسي في تركيا في صالح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزبه، حزب العدالة والتنمية، بأي شكل من الأشكال، حيث يضع تعاقب الأحداث السياسية “السلبية” الحكومة التركية أمام اتجاهات متناقضة، وتحديات متجددة، تفضح فشل ما أعلنته الحكومة سابقا من برامج سياسية أو إعلانات عن صفر مشاكل وغيرها، لا سيما في تورطها فيها وفي نتائجها وتداعياتها. وتنعكس تأثيراتها على موقع الرئيس وتصرفاته أو أحلامه في إدارة الدولة التركية. فما يجري في المشهد السياسي، لا سيما بعد الانتخابات النيابية وإخفاق حزب أردوغان من الحصول على الغالبية ونجاح حزب الشعوب الديمقراطية على تخطي عتبة الانتخابات والفوز بثمانين مقعدا، غيّر من المشهد الذي كانت عليه تركيا قبله والتي أراد له أردوغان شخصيا أن يتم. فصورة النموذج التركي الإسلامي المعتدل، التي كانت منذ أعوام قليلة فقط لما يجب أن تكون عليه دول المنطقة حيث مزجت الديمقراطية والتعددية والاقتصاد المزدهر بلمحة إسلامية، واتسمت سياستها الخارجية بالهدوء والانفتاح والتعاون الدولي، أصبحت على حد تعبير صحيفة الاندبندنت البريطانية (15/8/2015) مثل الذكرى البعيدة. وكتبت الصحيفة إن توقع إجراء انتخابات عامة مبكرة في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، (حصل هذا التوقع الآن!) تزامن مع هبوط سعر صرف الليرة التركية إلى أدنى مستوياتها وتنفيذ عمليات مسلحة داخل الأراضي التركية وانهيار حالة السلم مع حزب العمال الكردستاني. ما يعني كما كتبت الصحيفة “سقوط تركيا في براثن الفوضى والصراع الدائر في سوريا والعراق كان أمرا لا مفر من حدوثه في أي لحظة، لكن الاضطرابات الداخلية، إضافة إلى طموحات الرئيس رجب طيب أردوغان المتناقضة سرّعا من الوصول إلى تلك النتيجة”.. أضاف التعارض في الموقف من تنظيم ما يسمى إعلاميا بـ”داعش”، حيث تحتل مواجهته الأولوية لدى واشنطن إعلاميا، بينما تجده أنقرة أداة لمحاصرة خصومها الإقليميين والكرد، ما يفسر إحجامها عن الانضمام إلى التحالف الدولي بداية أو عمليا، والمماطلة في رفض استخدام القواعد العسكرية والجوية في الحرب عليه، بما في ذلك انتقاد الغرب ومطالبته بمنع مواطنيه المشكوك في تشدّدهم الإسلاموي، من السفر إلى تركيا، قبل اتهامها لها بدعم “داعش” وتأنيبها على عدم بذل جهود جادة لمنع مرور المقاتلين من أراضيها. كما صرح أردوغان أكثر من مرة وكذلك رئيس وزرائه أحمد داود أوغلو. وهو ما تكرره تركيا دائما ويردد أعوانها ذلك دفاعا أعمى، ربما بدوافع طائفية أكثر من أي منطق أو نظرة موضوعية مجردة.
السكوت أو التغطية لعلاقة تركيا بالتنظيم الإرهابي طيلة السنوات الخمس الماضية، لا سيما منذ صعود أعماله الإرهابية واحتلاله لأراضٍ واسعة في سوريا والعراق، لا يغير من طبيعة العلاقة واستغلالها العملي. ولكن لأول مرة أعلن في 24/7/2015 عن قصف طائرات حربية تركية موقعا لتنظيم “داعش” في سوريا. ولم تتكرر هذه العملية، ومعلوم أنه طيلة تلك السنوات ما زال “التهاون” وتسمين “داعش” وتزويده بكل احتياجاته العسكرية والبشرية والصحية والاقتصادية، قائما وعلنيا(!). مما يغذي وصفة الصفقة زادا كبيرا، بل ويجمع بين الإدارة التركية والتنظيم الإرهابي وبالتنسيق الضمني أو الصامت بين كل الدول والسياسات المستفيدة والمستثمرة لإرهاب التنظيم وتسميته أيضا. إضافة إلى السماح للولايات المتحدة الأميركية بشن غاراتها الجوية انطلاقا من قاعدتي إنجرليك الجوية التركية، وديار بكر الجوية، وإنزال وحدات عسكرية أميركية أيضا فيهما، وفي مناطق قريبة أخرى..
لكن الأمر غير المفاجئ إعلاميا هو ما قام به الجيش التركي بقصف مواقع لحزب العمال الكردستاني PKK في كل من تركيا وشمال العراق، حيث أعلن الرئيس التركي أردوغان في 28/7/2015 عن انتهاء عملية السلام مع حزب العمال الكردستاني.. وصرح أردوغان: “لم يعد بالإمكان الاستمرار في عملية الحل مع هؤلاء الذين يعملون على تقويض وحدة تركيا وسلامتها”. وهو الأمر الذي بيّن أن تركيا تتجه إلى فتح أبواب جهنم عليها من خلال الحرب الأهلية وانكشاف “مصداقية” أردوغان في عملية السلام التي كانت بين حزبه وأحزاب الشعب الكردي في تركيا، وتحالفاتهم الكامنة.
هذه السياسة الجديدة القديمة لإدارة أردوغان في الحرب على الأكراد تحت واجهة محاربة “داعش” الآن ومسمى الإرهاب، لا تتفق إعلاميا مع السياسة الأميركية التي تدعم الأكراد وتعتبرهم حلفاء لها في محاربة الإرهاب، الأولوية لها أو التي تزعمها في المنطقة. وهذا ما يشي بتناقض المواقف بين الحليفين ودور كل منهما في رسم المشهد السياسي، سواء في تركيا أو في المنطقة، ويتمظهر بأشكال أو إجراءات مختلفة، ليست كلها معلنة أو للعلن. وهو ما يبرر للمحللين والمراقبين السياسيين من القول إن ثمة صفقة بين الإدارة التركية وتنظيم “داعش” من البداية وإلى اليوم. وأن حادثة القصف الجوي جاءت ردا إعلاميا على تبني “داعش” لعملية تفجير في مدينة سوروج التركية ومقتل عدد من المدنيين الأتراك الأبرياء، مشكوك في صدقيتها ومرتكبيها الفعليين، ونشرت إعلاميا كذلك، أو ما تلاها من ادعاءات التنظيم في تهديدات لتركيا، وكل من لديه بصر وبصيرة يعرف جيدا سبل التعاون الميداني والتدريب وغرف القيادة المشتركة والتسليح والتجهيز المشترك بين تركيا وحلفاء لها والتنظيم الإرهابي، الاسم السري لمخططات استعمارية واضحة للعيان الآن.
صورة المشهد السياسي في تركيا اليوم مركبة أو مزدوجة والإدارة التركية وأردوغان يتحملان المسؤولية عنها مباشرة، بحكم أوهام “الخلافة العثمانية” والتصرفات التي أدت إليها. فاستمرار التعنت في السياسات القائمة والتي لم تنجح في التطبيق والقيام بدور مباشر أو بالنيابة لتنفيذ مخططات استعمارية عدوانية ضد مصالح شعوب المنطقة، سواء بصفقة ما مع تنظيم “داعش” أو ما يشبهه، والتورط في التدخل العسكري خارج الحدود أو داخلها، كلها تؤدي إلى تدهور الصورة وتعكس خيبة في السياسات والاستراتيجية التي تريدها تركيا والمصالح الشعبية لها وللمنطقة.

إلى الأعلى