الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / تركيا.. وملاذ الانتخابات المبكرة

تركيا.. وملاذ الانتخابات المبكرة

“يبدو أن لا مفر من الانتخابات المبكرة”، هذا ما قاله رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو، على وقع تعثر المفاوضات التي قادها بنفسه لتشكيل حكومة ائتلافية مع الأحزاب صاحبة المقاعد في البرلمان، هكذا اتجهت الأمور عقب سلسة من جولات الحوار المُغلفة برغبة من نواة النظام وتفضيله اللجوء للصناديق كملاذ أخير للخروج من معضلة تشكيل حكومة ائتلافية ارتبطت في وجدان الأتراك بحِقب الاضطراب وعدم الاستقرار.
كانت الرغبة في انتخابات مبكرة أمرا معلنا، من السلطة، وكثير من معارضيها، في يوم إعلان النتيجة وأرقامها غير الحاسمة، أعلنها عدد من الأوساط من داخل الحكومة وخارجها، توجس الجميع خوفا من حكومة الائتلاف، فتجارب تركيا معها مؤلمة ولم يجد الأتراك في نهاية طريقها إلى الخراب، انقلابات عسكرية دموية، تُعطل مصالح العباد، تحتكر مُقدرات الأمة لحساب الجنرالات ومواليهم من مراكز القوى والنفوذ في دهاليز الدولة وعلى حوافها من طبقات مجتمعية داعمة.
تطرح تلك المعضلة رغبة مُلحة في معرفة وتحليل أسبابها، كيف وصل الأمر إلى تلك المحطة، والتي تعد أكثر المواقع أمنا لأي نظام سياسي دخل مرحلة الأزمة، رغم إبداء الرفض من بعض الأطراف, إلا أن الصندوق الانتخابي يطرح نفسه كملاذ آمن وبديل عن فوضى “السلاح”، وشرعية مستندة إلى قوة الاحتكام للناس، عِوضا عن شرعية القوة واستعراض العضلات، وخلق المعضلات، صناديق الاقتراع، أم صناديق البارود؟!
بالطبع تأثرت تركيا بتداعيات محيطها الجغرافي المتوتر من الشمال والجنوب، بدا الانقسام السياسي واضحا بشأن التوجهات التركية لا سيما الخارجية منها، تسللت آثارها إلى الداخل التركي، المتأزم أصلا بفعل الركود السياسي والاقتصادي.
في المجمل، لم تحظَ توجهات حكومة حزب العدالة والتنمية تجاه عدد من القضايا في الداخل والخارج، وتحديدا قضيتي الأكراد وعملية تغيير شكل النظام من برلماني إلى رئاسي بالإجماع الشعبي المطلوب لتمرير مثل تلك الملفات الحيوية، مع الاختراق الذي شهده المجتمع التركي من أطراف إقليمية ودولية نتاج تطلعات العدالة والتنمية “الأممية”، ودخول تركيا على خط عدد من الأزمات الدولية, شرقا وغربا, من القِرم الأوكرانية حتى شينج يانج الصينية، مرورا بمحاولات مد بساط النفوذ في إفريقيا بشمالها وجنوبها، وهو أمر أثار انتقادات وحفيظة في الداخل والخارج، فضلا عن مساهمته في إجهاد الدولة التركية بدخولها في أتون صراعات وتجاذبات مُكلفة، على جسد لم يصل بعد للياقة المؤهلة لخوض مثل تلك الصراعات، والتي عدها بعض الأتراك “ترفا” لا طائل منه.
على الصعيد الداخلي, وهو الأهم بالنسبة للأتراك، اعتمدت حكومة أوغلو نهجا تصالحيا في إدارة ملف الصراع مع حزب العمال الكردستاني والذي تم تصديره للأمة التركية على مدار عقود سابقة على أنه تنظيم مارق متمرد، وجب قتاله والقضاء عليه، بدعاوى الحفاظ على هيبة الدولة وتماسك الأمة، وهو الأمر الذي لم يتحقق، رغم عقود الدم والنار وعشرات الآلاف من القتلى من طرفي الصراع، تلك المقاربة التصالحية أفضت إلى اتفاق سلام تاريخي رغم هشاشته، دفع أطرافا أخرى داخل المعادلة السياسية التركية إلى محاولة استثمار هذا الوضع الجديد في التمدد داخل الحالة الكردية والاستحواذ على تطلعات الأكراد وآمالهم، وبالطبع أصواتهم الانتخابية، وهو ما نجح فيه حزب الشعوب الديمقراطي، الذي طرح نفسه كممثل سياسي حصري للأكراد، وهو ما نجح فيه الحزب وظهرت تجلياته في نتائج الانتخابات الأخيرة، ودخوله البرلمان على أكتاف الأكراد وبأصواتهم، وتجاوزه لعتبة الـ10% والتي تؤهله لدخول مضمار الكبار.
على وقع المزايدات والمزايدات المضادة، يدور صراع في العلن بين العدالة والتنمية ومنافسيه لا سيما حزب الشعوب الديمقراطي، ساحته الحالة الكردية، في الأقاليم التي يتركز فيها الأكراد من الجنوب وحتى الوسط، وأيضا في وجدان الأتراك من أصحاب التوجهات القومية واليسارية، والتي أتت الحملة العسكرية الأخيرة لتداعب مشاعرهم الوطنية، وكذلك أحيت لديهم إرث العداء المتأصل في الذهنية التركية تجاه “الكردستاني”، رغم الدوافع الغامضة من ورائها والتي أتت كثمرة لهجوم مدينة سوروج الكردية والتي شنه تنظيم “داعش” وقتل فيه وأصيب العشرات، وعليه أعلنت الحكومة حملة تركزت في الأساس على حزب العمال الكردستاني، وهو أمر طرح الكثير من علامات الاستفهام حول دوافع الهجوم وتداعياته.
من هنا كانت أحاديث الحسابات والمآلات حول نتائج تلك الانتخابات المحفوفة بمخاطر العودة للمربع صفر، وهو الأمر الذي طرحه عدد من المسؤولين الأتراك، فيما تصاعدت التحذيرات من استدعاء تجارب الماضي التي اكتوى الأتراك بنيرانها, فكان لا مفر إلا من رمي الكرة في ملعب الأتراك أنفسهم، هم من يقررون ويتحملون نتائج خياراتهم، مع رغبة ليست مخفية لدى اللاعبين الأساسيين لتوسيع المكاسب وترسيخ المواقع في أي مفاوضات بشأن تشكيل حكومة ائتلافية قادمة، مع الوضع في الحسبان أن هذا أمر وارد.. أو حتى سعي العدالة والتنمية لتحصيل الـ18 مقعدا الباقية لاستكمال النصاب الدستوري لتشكيل الحكومة منفردا, وهي المقاعد التي حالت بينه وبين الانفراد بتشكيل الحكومة على استحقاق الانتخابات الأخيرة.
تسعى أحزاب أخرى لحلحلة الوضع الراكد القائم منذ أكثر من عقد واختراق الحالة السياسية والتي هيمن فيها العدالة والتنمية على الرئاسات الثلاث “البرلمان ـ الحكومة ـ والرئاسة”، ومزاحمته في عملية صناعة واتخاذ القرار، وانتزاع حقوق بقيت حكرا على “الأردوغانيين” لسنوات، في تشكيل التصورات والرؤى المتعلقة بتوجهات الدولة التركية لا سيما الخارجية منها.
يبدو أن خريطة السياسة في تركيا في طريقها إلى عملية إعادة تشكيل, فكانت نتائج الانتخابات جرس إنذار لحالة “التكلس” الذي أصاب جسد النظام السياسي التركي, فكان التصويت العقابي للعدالة والتنمية, ورسائل متعددة لجميع أطراف المعادلة, ورسالة خاصة واضحة من الأتراك لساستهم، نحن قلقون!

محمد مصطفى
mmh164@gmail.com

إلى الأعلى