الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين الثالثة .. إعادة التأهيل التربوي .. للجامعات الحكومية والخاصة

العين الثالثة .. إعادة التأهيل التربوي .. للجامعات الحكومية والخاصة

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

أثار إثبات امتلاك مهارة اللغة الإنجليزية كشرط لقبول الطلبة والطالبات في برنامج التأهيل التربوي المسموح به أخيرا في جامعة السلطان قابوس والجامعات الخاصة في بلادنا، أثار ردود فعل مستاءة جدا من قبل أولياء أمور الطلبة والطالبات، كما لمسنا ذلك أثناء اتصالاتهم بنا على اعتبار صعوبة حصول المستوى المطلوب لدخول برنامج التأهيل التربوي، فالشرط ينص على مســتوى (6.0) في امتحان (IELTS) ، أو درجة (60 في اختبار (TOEFL، ويتساءلون: هل هذا الشرط ينبغي أن يكون حاكما لقبول التأهيل أم التوظيف؟ فمن المعروف أن التوظيف يشترط تلك المستويات، ويتشدد فيها، ويبدو أن هذا التشدد قد انتقل إلى البرنامج التأهيلي، ولم يراعِ الواقع، ويحطم طموحات الخريجين والخريجات، ويكرس في نفسياتهم اليأس والإحباط في استحقاق حقهم في العمل.
قد نتفهم تطبيق الشرط والتشديد فيه في عملية التوظيف لدواعي الكفاءة، لكن تطبيقه كشرط حاكم لدخول برنامج التأهيل فيه وجهة نظر أخرى على اعتبار أن هناك سنة إضافية ومكثفة للتأهيل سوف يتحسن فيه مستوى المهارة المطلوبة، فلماذا لا نفتح هذا الأمل، وتظل تلك المستويات كشرط حاكم للتوظيف أو شرط الحصول على شهادة التأهيل، وبهذا نفتح الأمل على مصاريعه لكل مجتهد بدلا من إغلاقه بصورة نهائية. من هنا نرى أن شرط مستوى المهارة في اللغة الإنجليزية قد غرق في آلية التوظيف، وأبعد الخريج والخريجة عن إمكانية تحسين مستوى هذه المهارة طوال مدة التأهيل، كما أن هذا الشرط لم يعتد بالواقع الذي لن نحمله الخريج أو الخريجة، وإنما مؤسساتنا التعليمية العليا الحكومية والخاصة، كيف؟ لأن قضية إثبات المهارة لكل خريج وخريجة التربية تخصص لغة الإنجليزية، يفترض أن لا تثار أبدا، فهذه المخرجات قد تأسست وتكونت داخل جامعتنا الحكومية والمحلية، فإخفاقها يثير مجموعة تساؤلات كبيرة حول خلفياتها التعليمية، ومن جهة ثانية، فإن كل خريج أو خريجة لم يوفق في الحصول على مستوى (6) في الآيلتس لا يعبر في حالات كثيرة عن نقص في المهارة بقدر ما وراءه من عدم معرفة في كيفية التعامل في اختبار الآيلتس مثلا، كل هذا يدلل على أهمية انفتاح برنامج التأهيل على مخرجات التربية تخصص لغة إنجليزية، وجعل شرط إثبات المهارة في حدود (5- 5،5 في الآيلتس، فهذا المستوى يعبر عن الحد الأعلى في مستوى المهارة للخريجين والخريجات، وجعل مستوى تلك المهارة إما شرطا للتوظيف أو للحصول على شهادة التأهيل التربوي، هذا من منظور التعاطي مع الواقع دون أن يكون ذلك على حساب الكفاءة، أما من حيث المبدأ، لن نختلف مع توجه الدولة الجديد في مجال الكفاءات، والانتصار لها، للزوم تجويد العملية التعليمية والتربوية بعد ما كشفت تقارير عالمية عن تدني مستوياتها، ومن المبدأ نفسه، نقف مع بقية اشتراطات القبول في برنامج التأهيل التربوي إذا كانت ستصنع لنا معلما كفؤا ومؤمنا برسالة التعليم والتربية ووفق المهنية العالمية التنافسية، لكن هذا الحرص المشدد، هو حصريا على مخرجاتنا الوطنية فقط، فهناك الآلاف من المعلمين والمعلمات يتم إحضارهم من دول عربية شقيقة لم يخرجوا سابقا ولن يخرجوا لاحقا من نفس رحم التأهيل العماني المشدد، ويبدو لنا المشهد أن المعلم غير العماني له شروط مخففة والعماني عليه شروطه مشددة، لن نقتنع بشرط الخبرة الحاكمة للمعلم من الخارج، فهذا الشرط قد ينطبق على المعلم العماني الذي يدرس بالأجر اليومي رغم عدم حصوله على مستوى المهارة في الإنجليزية، كما أن الخبرة نفسها قد تمنح ولا تستحق، لعلمنا بطبيعة البيئات العربية، وقد يقال إن برنامج التأهيل الجديد قد تم بناؤه وفق تجارب محلية وإقليمية وعالمية، ومن بينها متطلبات الاعتماد الأكاديمي للمجلس الأميركي لاعتماد برامج إعداد المعلمين، وهذه خطوة صحيحة، لكن هذا البرنامج يجب أن لا يقفز فوق الواقع التراكمي، وينظر فقط للمستقبل، والنتيجة؟ إن هذا التوجه الجديد تنقصه الشمولية والأثر الرجعي، وهما لازمان بل حتميان لتجويد العملية التعليمية والتربوية، وإلا، “يا بوزيد كأنك ما غزيت”. فكم سوف نصنع من كفاءات من خلال البرنامج الجديد؟ فمهما كانت أعدادها، فسوف تعمل في بيئة محبطة مليئة بالسلبيات والإحباطات التراكمية …الخ، وستزج بين أجيال من المعلمين والمعلمات المختلفة المستويات في تلك البيئة، فلن تصمد بمهاراتها الجديدة أمامها سوى أيام قليلة، ومن ثم ستنتقل إليها كل السلبيات التراكمية، وسيظل واقعنا التعليمي محلك سر.
وعلى خلاف ملاحظتنا السابقة، فكل من اطلع على اشتراطات القبول في برنامج التأهيل، مثل الحصول على شهادة البكالوريوس أو الليسانس بنظام التفرغ والانتظام من جامعة موصى بالدراسة بها من قبل وزارة التعليم العالي، وأن لا تزيد المدة الفاصلة بين الحصول على الشهادة والتقدم للبرنامج عن خمس سنوات، والحصول على معدل تراكمي لا يقل عن 2.5 أو ما يعادلها، وشرط اجتياز الاختبار التخصصي في التخصص المتقدم إليه، سوف يخرج منها بأن وراءها البحث عن الكفاءات للحقل التعليمي، ويستخلص منها إرادة صناعة الكفاءات بصورة واضحة من أجل رفد سلك التدريس بنخب من الكوادر التربوية المتميزة استدراكا لمجموعة أخطاء تاريخية. لكن، أين ستودي هذه الكفاءات رسالتها؟ في نفس البيئة التي أنتجت تلك الأخطاء اختلالات بنيوية .. ولن يتم حلها إلا بمعالجات بنيوية، كأن يشمل برنامج التأهيل الجديد كل المعلمين والمعلمات وفق خطة زمنية تراعي فروقات الكفاءات والخبرة بعد تشخيص قدرات كل معلم ومعلمة، ومدى صلاحياتهم لمرحلة التحديث والتطوير التي يجب أن تنصب على الالتزام بالمسؤولية الوطنية وفق أربع خطوات ـ سنتناولها في مقال قادم ـ بهدف إحداث نقلة نوعية لتحمل أمانة إعداد أبناء عُمان للدفاع عن وطنهم من مجموعة تحديات كبرى مقبلة.

إلى الأعلى