الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / “حجر رشيد” مفتاح الحضارة الفرعونية في قلب المتحف البريطاني
“حجر رشيد” مفتاح الحضارة الفرعونية في قلب المتحف البريطاني

“حجر رشيد” مفتاح الحضارة الفرعونية في قلب المتحف البريطاني

يعرض منذ عام 1802 على شكله الذي اكتشف عليه

لندن – العمانية:
تزدحم أروقة المتحف البريطاني بلندن يوميا بآلاف الزوار والسياح لرؤية الكنوز النادرة والمقتنيات والمنتجات الفنية والأدوات التي تمثل معظم الحضارات الإنسانية التي عاشت على الأرض منذ العصر الجليدي وما بعده و حتى الآن في مختلف بقاع الأرض. وهذا المتحف هو أكبر متحف في المملكة المتحدة وأحد أهم المتاحف في تاريخ وثقافة البشر هو أيضا من أقدم
المتاحف. ومن بين أقسام الحضارات الإنسانية التي يغطيها المتحف هناك قسم الشرق الأوسط ويشمل جميع الحقب التاريخية التي عاشتها هذه المنطقة من عصور ما قبل التاريخ حتى العصر الحالي ويجمع القسم بين مقتنيات قسم الشرق الأدنى القديم والمجموعات الإسلامية التابعة لقسم آسيا ومجموعات الشرق الأوسط وآسيا الوسطى من قسم الإثنوغرافيا. وتتضمن هذه المجموعة كمية كبيرة من القطع الأثرية، وخاصة من بلاد الرافدين والحضارة الفرعونية في مصر حيث كانت القطع الأثرية من مصر القديمة في صلب مجموعة المتحف البريطاني منذ بدايته. وتحتوي مجموعة مصر والسودان وحدها حاليا على أكثر من 100 ألف قطعة، بما في ذلك مجموعة كبيرة من التماثيل ومختلف المنحوتات التي تعود إلى 10 آلاف سنة قبل الميلاد. وبين هذه الكنوز يقبع حجر ضخم في لوح زجاجي في وسط قاعة مخصصة فقط لكنوز الحضارة الفرعونية هذا الحجر كان مفتاح الحضارة الفرعونية القديمة، إنه حجر رشيد. حيث ظلت لغة مصر القديمة والمعروفة باللغة الهيروغليفية غامضة تماما لأكثر من ألف عام وأدى اكتشاف الحجر المعروف بحجر رشيد عام 1897 إلى انطلاق سباق فكري مدهش فقد اعتقد كل من الفرنسي جون فرانسوا شامبليون والبريطاني توماس يونج أن هذا الحجر يحمل في طياته فك رموز اللغة الهيروغليفية لكن هذا الحجر ظل عصيا لعقدين من الزمن على شخصين يعتبران من عباقرة زمنهما. لقد كان الوصول إلى حقيقة وبناء اللغة المصرية القديمة يبدو أمرًا مستحيلاً في ظلّ اندثار هذه اللغة وموتها حيث لم تعد متداولة على ألسنة الناس، إلا أن مفتاحا ثمينا قد سقط بين يدي علماء عرفوا حقيقته وعكفوا على فك طلاسمه. هذا الحجر الذي حمل هذا الاسم على خلفية اكتشافه في نطاق مدينة رشيد عند التقاء نهر النيل بالبحر المتوسط والذي اكتشفه الضابط “بوشار”، أحد ضباط الحملة الفرنسية على مصر فى التاسع عشر من يوليو عام 1799. هذا الحجر الذي غدا بوابة لعالم مصر القديمة الغامض نقش عام 196 قبل الميلاد، وهو عبارة عن مرسوم ملكي صدر في مدينة منف في العام نفسه تخليدًا لذكرى الحاكم البطلمى بطليموس الخامس، وقد كتبه الكهنة ليقرأه العامة والخاصة من المصريين والطبقة الحاكمة، والحجر يحتوى على نص المرسوم منقوشًا بلغتين: المصرية القديمة والإغريقية، وثلاثة أنماط للرسم الكتابى: الهيروغليفية وهى اللغة الرسمية فى مصر القديمة والديموطيقية وهى الكتابة الشعبية في مصر القديمة “العامية المصرية”، إلى جانب الإغريقية القديمة وهى لغة البطالمة وملوك اليونان. كان العالم البريطانى توماس يونج قد اكتشف فى وقت سابق أن اللغة المصرية القديمة، وكتابتها الهيروغليفة، تتكوّن من دلالات صوتية وأنها ليست رموزًا وتعبيرات تشكيلية، كما اكتشف أن أسماء الملوك والحكام القدماء قد تمّ نقشها بدلالاتها الصوتية داخل مربعات ومستطيلات “خراطيش ملكية” على جدران المعابد ووسط مدوّنات المصريين، تمييزًا لها عن سائر النصوص المجاورة، وبينما كان حجر رشيد وحتى بعد اكتشافه لغزًا أيضًا، لأنه يحتوى على ثلاث لغات وأنماط رسم ميّتة وغير متداولة، إلا أن العالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون استطاع عبر العودة إلى الإغريقية القديمة، إلى جانب أخذه باكتشافات توماس يانج المهمة كمرشد ومُحدّد لعمله البحثى، مع مقارنة النصوص الثلاثة التى يضمّها حجر رشيد ببعضها البعض وببعض النقوش والنصوص الهيروغليفية واليونانية القديمة من مصادر أخرى استطاع بعد جهد كبير أن يصل إلى قراءة وترجمة واضحة للنص المدوّن على حجر رشيد، وتقديم قراءة علمية وبنائية وصوتية مفهومة ومفيدة للغة المصرية القديمة ولكتابتها الرسمية “الهيروغليفية”. استطاع جان فرانسوا شامبليون بمنجزه المهمّ تخليد اسمه ضمن قائمة أهم علماء الحضارة المصرية وأصحاب الأدوار البارزة فى كشف أسرار وخفايا الحضارة والثقافة المصريتين فى عصر ازدهار طويل ومهم عاشته مصر لقرون طويلة، وفى 42 عامًا قضاها شامبليون فى عالم الأحياء استطاع وضع بصمة مهمّة اختصرت مشاوير وجهودًا عديدة لطوابير من العلماء والباحثين والمهتمين بالحضارة والثقافة والآثار المصرية القديمة، فبفضل حجر رشيد تكلّم المصريون القدماء بعد عشرات القرون من الصمت، وعادت المصرية القديمة إلى الحياة مرة أخرى لتشغل موقعًا مهمًّا في الجامعات والمراكز البحثية وأقسام اللغات والآثار في جامعات العالم.
ولا يزال المتحف البريطاني يعرض هذا الحجر منذ عام 1802م على شكله الذي اكتشف عليه فاقدًا بعض الأركان وجزءاً من النص الهيروغليفي وجزءاً صغيراً من النص اليوناني ويتكون الحجر من البازلت الأسود و يبلغ ارتفاعه 113سم، وعرضه 75سم، وسمكه 27.5 سم. وكانت بريطانيا قد تسلمته من فرنسا بناء على معاهدة تمت في عام 1801 بعد معركة أبي قير البحرية.

إلى الأعلى