الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / اللانظام العالمي الجديد

اللانظام العالمي الجديد

لكن هل من الطبيعي أن نستسلم لينطبق علينا وصف “المتواكل” حتى إن لم يكن بيدنا أن نغير دفة الأمور؟ بالطبع لا، وإنما علينا أن نتحسب ـ كل بطريقته ـ لما هو قادم، أو على الأقل لاحتمالات المستقبل. كما أنه من غير المنطقي أن ننتظر من حكوماتنا أن “تتولى أمرنا” في حال أصاب العالم ما أشرنا إليه من احتمالات الكساد، فلن يكون لحكومة أي بلد طاقة بتحمل التبعات، وإنما سيعد إنجازا أن تحول دون الانهيار التام لما يقع تحت مسؤوليتها على أمل الصمود “حتى تنفرج الأزمة” ولو بعد سنوات.

تلح عليَّ هذه الأيام عدة أغنيات، للغرابة يفصل بين أكثر اثنتين منها مناسبة لوضعنا الحالي نحو قون من الزمان: أغنية سيد درويش “اقرا يا شيخ قفاعة”، وأغنية زياد رحباني “أنا والله فكري هنيك”. الأغنية الأولى تعود إلى بدايات القرن الماضي (عام 1918 تقريبا) والثانية قرب نهاية القرن، وفي الأولى يسخر “فنان الشعب” كما يلقبه المصريون من الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي صاحبت الحرب العالمية الأولى وقادت إلى الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي. وفي مقطع شهير من الأغنية القديمة يقول سيد درويش: “يا ما بكره حنبقى نقلس، عالتجار لما تفلس، وزي مانتفلق يتفلوا هم كمان واحنا نضحك هقهق”. وبعد نحو عقد من الزمان من صدور الأغنية أفلس تجار كثيرون، لكن الناس لم تسخر منهم ضاحكين لأن الأزمة طحنت الجميع. أما الأغنية الثانية، والتي يسخر فيها زياد رحباني من كل الزعماء السياسيين ففيها مقطع يسخر من الاستقرار السياسي يقول: “والعالم رجعت لله، رجعت للعيشة بتقواه”.
سبب هذا التداعي الغنائي هو ما يمر به العالم الآن من بوادر أزمة مالية واقتصادي قد تكون أشد وطأة مما شهده العالم في 2009، وكذلك توترات وأزمات سياسية تنذر بانفراط عقد ما تبقى من قواعد العلاقات الدولية التي ترسخت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أواسط القرن الماضي. فغذا نظرنا خلف عناوين الأخبار عن هبوط أسعار النفط وانهيار مؤشرات الأسهم العالمية والإقليمية، سنجد أن السبب السريع ليس هو المشكلة. ففي كل الأحوال تبدو كل تلك التحركات السلبية عملية “تصحيح” تخلص النظام من زوائد فقاعية ضارة تسمح لأصوله السليمة بإسناد عملية انطلاق نحو النمو. وتكمن المشكلة في أن أساسيات الاقتصاد العالمي (أصوله) ليست جيدة كما يعتقد، فلم تكن الحلول التي اعتمدت لتجاوز الأزمة المالية السابقة سوى “ترقيع” دون تعرض لأسباب الخلل الأساسية بشكل جذري. والنتيجة، أن الاقتصاد العالمي الذي اعتمد في محاولة الانتعاش من الركودعلى النمو السريع للاقتصادات الصاعدة ـ وفي مقدمتها الاقتصاد الصيني، ثاني أكبر اقتصاد في العالم ـ ليس مؤهلا الآن لمواجهة أي أزمة بطريقة مرنة تسمح بالخروج منها دون ركود عميق يأخذه إلى كساد على الأرجح.
وسياسيا، يشهد العالم أزمات متفجرة باطراد في منطقتنا وبقية القارات واهتراء لروابط القوى السياسية التقليدية بشكل ينذر بفترة ركود (وربما كساد) سياسي موازية للاقتصادي العالمي. وبعيدا عن الصراعات التي تشهدها دول في منطقتنا تجعلها على وشك التمزق كدول: سوريا، ليبيا، العراق، اليمن…، لا يوجد حكم قوي في أي من دول العالم الرئيسية. وفي العلاقات الدولية، تلعب قوى سياسية تقليدية بذات قواعد اللعبة التي سادت وقت الحرب الباردة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. ورغم التغيرات التي شهدها العالم في العقود الثلاثة الأخيرة، لم تشهد التركيبة السياسية في الدول الرئيسية تغيرا يذكر. ورغم إرهاصات ما وصف وقتها بأنه “نظام عالمي جديد” نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، إلا أن ما حدث في أفغانستان ثم العراق أثبت ثم ما وصف بربيع أوروبا الشرقية وبعده ربيع عربي أثبت أن الشعارات لم تحقق على الأرض سوى “لا نظام عالميا جديد”. بمعنى أن العالم لم يستمر على نظامه القديم ولا هو طور نظاما جديدا.
ليس معنى ما تقدم أن العالم على وشك الانهيار، أو أن أزمة طاحنة ـ اقتصادية أو سياسية ـ على وشك التفجر في الأسابيع المقبلة، لكن المؤشرات والأدلة تقود إلى استنتاج أن ذلك احتمال في المدى المتوسط على الأقل إن لم يكن القريب والأرجح ليس بالبعيد. ولا يتوقع أن يتمكن أحد في العالم من حرف هذا الاحتمال عن مساره، هذا إذا كانت هناك النية والإرادة أصلا لذلك. ربما يجد كثيرون منا أنه لا حول لنا ولا قوة فيما يجري في العالم، لكن هل من الطبيعي أن نستسلم لينطبق علينا وصف “المتواكل” حتى إن لم يكن بيدنا أن نغير دفة الأمور؟ بالطبع لا، وإنما علينا أن نتحسب ـ كل بطريقته ـ لما هو قادم، أو على الأقل لاحتمالات المستقبل. كما أنه من غير المنطقي أن ننتظر من حكوماتنا أن “تتولى أمرنا” في حال أصاب العالم ما أشرنا إليه من احتمالات الكساد، فلن يكون لحكومة أي بلد طاقة بتحمل التبعات، وإنما سيعد إنجازا أن تحول دون الانهيار التام لما يقع تحت مسؤوليتها على أمل الصمود “حتى تنفرج الأزمة” ولو بعد سنوات.
وإذا كنت لجأت للأغاني التي تسخر من الوضع، فما ذلك بحل وإنما لتخفيف الصدمة. ويحتاج “التحسب” إلى إعمال العقل والاستعداد بما هو عملي ومنطقي. وفي تصوري البسيط أنه لن يبقى ـ الآن ودائما ـ سوى قيمة العمل، والحقيقي منه بخاصة. وفي حال الكساد لا يفيد المال كثيرا مهما كنزت منه، إنما يفيد أكثر أن تتدبر مصادر عيشتك بيدك. أي العودة لبساطة معادلة الحياة على الأرض: إعمارها. سيفيد إذا أن يكون لدى المرء قطعة أرض يزرعها ما يأكله ويفيد به غيره إن أمكنه، ربما في مقايضة لما لدى غيره من منتج يدوي يسهل الحياة. وقد يكون هذا مغزى “الرجوع لله، والعيشة بتقواه” في أغنية زياد رحباني.

د. أحمد مصطفى
كاتب عربي ـ لندن

إلى الأعلى