الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الإرهاب ما زال خطرا محدقا بالعالم!

الإرهاب ما زال خطرا محدقا بالعالم!

جواد البشيتي

الدول كالأفراد تميل دائمًا إلى تشديد الحراسة على مقتنياتها الثمينة التي يسهل السطو أو الاعتداء عليها؛ وللدول “مقاتلها” التي ينبغي لها أنْ تعيها جيِّدًا؛ و”المقاتِل” هي مواضِع في جسم الدولة إذا ضُرِبَت هلكت الدولة، أو تضرَّرت تضرُّرًا جسيمًا.
إنَّ التهديد الذي تستشعره الدول هو الخاص بكل شيءٍ للدول مصلحة في الحفاظ عليه، وصونه، ودرء المخاطِر عنه؛ وعلى وجه العموم، يمكننا القول إنَّ الدول الغنية الثرية المزدهرة اقتصاديًّا، والتي لديها، من ثمَّ، أشياء كثيرة يمكن أنْ تخسرها، تميل أكثر من غيرها إلى فعل كل ما من شأنه التأسيس لأمن واستقرار داخليين وطيدين، وتسوية منازعاتها مع جيرانها.
وحجم الخسارة (التي يمكن أنْ تتكبدها الدول) هو دائمًا من حجم ازدهارها الاقتصادي وثرائها؛ فانفجار قنبلة في عاصمة غربية لن يشبه، لجهة عواقبه، انفجار القنبلة نفسها في مقديشو مثلًا.
“الإرهاب” ما زال هو الخطر الأعظم الذي يتهدَّد هذه الدول، وفي مقوِّمات وأُسُس ازدهارها الاقتصادي على وجه الخصوص.
إنَّ منطق “الإرهاب” هو “الضرب حيث تستطيع الضرب”، وليس “حيث ينبغي لك الضرب”؛ أمَّا منطق “الحرب على الإرهاب”، والمعمول به حتى الآن، فهو “الضرب حيث يضر ولا يفيد الضرب”. الإرهاب (والذي هو بمعنى ما “التخويف” و”التَّفْزيع” و”التَّرويع”) لا يستطيع أنْ يضرب حيث يجب أنْ يضرب، أي حيث يصيب مقتلًا مِنَ الخصم أو العدو، فـ”الأهداف” هنا ليست في متناول اليد. إنَّها في حصن حصين، وفي بروج مشيَّدة. وتستطيع الدول والحكومات أنْ تحمي تلك الأهداف بقليل مِنَ الجهد.
والإرهاب الذي يَضْرِب، ويُضرب، يستمد قوَّة ليس مِنْ “طبيعة الهدف” فحسب، وإنَّما مِنْ وسائله وأساليبه، التي تسمح له بأنْ “يعيل نفسه بنفسه”، فبضعة أفراد، وبقليل مِنَ الجهد والمال، يستطيعون اقتناء وسائل ومواد للقتل والتدمير، واستعمالها، مِنْ ثمَّ، في ضرب مدنيين أبرياء في هذا الموضع الذي يحتشدون فيه أو ذاك.
ولجعل “الهدف”، الذي في متناوَل الأيدي، في متناول العقول والنفوس أيضًا، يُصوَّر قتل المدنيين الأبرياء على أنَّه عمل مُبرَّر حتى مِنَ الوجهة الدينية والأخلاقية؛ فالبشر يخترعون مِنَ الأخلاق والعقائد كل ما يُبرِّر لهم ارتكاب الجرائم، فالسائح الغربي الذي جاء إلى بلادنا إنَّما جاء لنشر الفسق والفجور؛ ويكفي أنْ يُفسَّر وجوده ومجيئه على هذا النحو حتى يصبح قتله هدفًا في حدِّ ذاته. وما يُكْسِب الإرهاب مزيدًا مِنَ “الجاذبية” أنَّ ما يلحقه مِنْ خسائر بالمجتمعات والدول يَقِلُّ كثيرًا، وكثيرًا جدًّا، عن الخسائر التي تتكبدها المجتمعات والدول في مكافحته ومحاربته.
وينبغي لنا ألاَّ نضرب صفحًا عن حقيقة أنَّ ثمَّة “أيديًا خفية” في كثير مِنَ الأعمال الإرهابية، فالإرهابيون كثيرًا ما “يحالفهم الحظ”، الذي ليس بـ”حظ”، في أعمالهم الإرهابية، إعدادًا وتخطيطًا وتنفيذًا، فلا يرون مِنَ “الأيدي” سوى ما ظَهَرَ منها، أي أيديهم فحسب، فـ”التسهيلات” لا يحصلون عليها، دائمًا، بكدِّهم وعرق جبينهم وذكائهم؛ ولا شكَّ في أنَّ ضرباتهم في كثيرٍ من الأماكن لم يوفقَّوا فيها إلاَّ بفضل “الأيدي الخفية”!
وفي “تفسير ديني” للضربة الإرهابية القديمة في “عاصمة الضباب”، رأى أحد قادة “الإرهاب الجهادي” أنَّ استفحال “الزِّنى واللواط” في المملكة المتَّحدة هو الذي عاد عليها بهذا “العقاب الربَّاني”؛ على أنَّ هذا “التفسير” لم يمنعه مِنْ أنْ ينسب التفجيرات الإرهابية في لندن إلى “أيدٍ خفية”، بعضها مِنَ “الحكومة البريطانية”، وبعضها مِنَ “جماعات الضغط اليهودية”؛ فإنَّ لـ”أصحاب هذه الأيدي” مصلحة في “زَرْع الخوف” بين المواطنين البريطانيين؛ وهذا، على ما قال، “أُسلوب هتلري استلهموه”؛ وقد يفيدهم، أيضًا، في “توريط” المسلمين.
في “مكان عام” تُفجَّر قنبلة، فيُقْتَل العشرات، ويُجْرَح المئات، مِنَ المدنيين، الذين مِنْهُم أطفال ونساء. هؤلاء هم الضحايا، أو الضحية الأولى والكبرى.
إنَّ هذا الذي قام بهذا العمل قد أراد ضَرْب “العدو”؛ فهو، وهنا تكمن المصيبة الكبرى، يرى في هؤلاء الضحايا “العدو” الذي ينبغي له ضربه وقتله، أو يرى في قتلهم وإيذائهم “وسيلة” يَضْرِبُ بها “العدو” المحمي في حصن حصين ولا يستطيع، من ثمَّ، الوصول إليه وضربه مباشَرةً؛ لقد كان لديه مِنْ قوَّة “التزمُّت الديني” ما سَوَّل له قتل “الآخر”، ولو كان مدنيًّا.. ولو كان طفلًا أو امرأةً. و”التكفير” هو الذي يَلِدُ جريمة الإرهاب؛ لكن مَنْ ذا الذي في مجتمعاتنا العربية (الإسلامية) يحقُّ له “تكفير” شخص أو جماعة؟ لو أنَّ “المُكفِّرين”، مِنْ أفراد وجماعات، سمحوا لعقلهم الديني بأنْ يتغلغل في معنى “التكفير” لأدركوا أنَّ التكفير مِنَ الكُفر، وأنَّه جريمة لا تعدلها جريمة؛ فالله هو وحده الذي في مقدوره أنْ يحكم على شخص أو جماعة بالمروق من الدين والكفر، وأنْ يعاقِب الكافر، من ثمَّ، على كفره العقاب الذي يستحق. حتى أولئك المؤمنون الذين من فرط إيمانهم نظن أنَّ الجنَّة مثواهم ربما لن يذهبوا إلى الجنَّة إلا بسبب رحمته؛ فالله، وليس أي إنسان أو جماعة، هو الذي يميِّز الكافر من المؤمن، وهو الذي يأتينا ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة.
وحُجَج “التكفير” وحيثياته يمكن أنْ تُفضي، بفضل اتِّساعها وغزارتها وتنوعها، إلى حرب قَتْلٍ وتدمير وحشية إجرامية تخوضها قِلَّة قليلة مِنَ “المسلمين المُكَفِّرين” ضد الغالبية العظمى مِنَ “المسلمين المُكَفَّرين”، فـ”المسلم الحقيقي”، في مرآة “المُكَفِّرين”، هو من أمثال الزرقاوي وابن لادن وأبو بكر البغدادي..!
وشرور “الفكر التكفيري” تتعدى “المجتمع المسلم” إلى غيره مِنَ “المجتمعات الدينية”، وإلى “المجتمعات (أو الجماعات) اللادينية”، فـ”المُكَفِّرون” مِنَ المسلمين يُكَفِّرون، أيضًا، كل المتدينين مِنْ غير المسلمين. و”المُكَفِّرون” أنفسهم يتَّسِعون ويتنوعون، فليس مِنْ “مجتمع ديني” إلا ويُنْتِج مُكَفِّرين خاصِّين به.
“المبدأ العام” للإرهاب هو الضَّرْب حيث يمكن ويَسْهُل الضَّرْب، وليس حيث يجب ويصعب الضَّرب؛ أمَّا “النتيجة المرادة والمتوقَّعة” فهي نشر الخوف والرعب والفزع، بما يؤدِّي، في آخر المطاف، إلى “الهدف السياسي”.
وعملًا بهذا المبدأ، يمكن أنْ تشمل “الأهداف” المتاجِر الكبرى، والمطاعم، والمقاهي، وسائر أماكن الترفيه، ووسائل النَّقْل العامَّة الكبرى، ومنها الطيران المدني والبواخر، والمصارف، ودور العبادة، والمدارس والجامعات؛ كما يمكن أنْ تشمل مراكز ومنشآت اقتصادية وصناعية، أو تَخُص البنى التحتية؛ ولن يتورَّع الإرهابيون الجهاديون عن تفجير منشآت تَخُصُّ الصناعات الكيميائية، توصُّلًا إلى إحداث كارثة بيئية.

إلى الأعلى