الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ما بين بغداد و… بيروت

ما بين بغداد و… بيروت

احمد صبري

عندما نرصد مسار حركة الاحتجاجات الشعبية التي أخذت من انهيار الخدمات لاسيما الكهرباء، وتغول الفاسدين في هذا القطاع الحيوي شعارا لها، فإننا نستطيع القول إن مسار الحراك الشعبي يتجه إلى تسليط الضوء على طبقة سياسية فاسدة أضرت بالعراقيين، وفرطت بثروتهم، وحولت العراق إلى بازار يتنافس على اقتطاع أركانه فاسدون، لايهمهم سوى جني الأرباح من هذه التجارة، التي وجدت في نظام المحاصصة الطائفية غطاء لتغولهم في الفساد والنهب المنظم، وضع العراق على حافة الانهيار المالي والسياسي والأخلاقي.
إن الفاسدين ومبددي المال العام والمستأثرين بالسلطة وبأدواتها، وجدوا في المحاصصة التي كرسها الاحتلال في الحياة السياسية الملاذ والمخرج لحمايتهم من المساءلة والملاحقة،إلى حد استخدام القضاء وسيلة لإبطال أي قرار قد يطاول أي مسؤول، ناهيك عن استخدامه لإسقاط الخصوم السياسيين وإبعادهم عن المشهد السياسي، كما جرى خلال السنوات الماضية.
والسنون العجاف التي عاشها العراقيون في ظل نظام قاصر وغير قادر على إدارة شؤونهم والحفاظ على أمنهم وثروتهم وسيادتهم، هي من دفعتهم إلى النزول إلى الشارع في حراك شعبي شبيه في أهدافه مع الحراك الشعبي الذي شهدته ست محافظات عراقية عام 2011 ضد سياسة الظلم والتهميش ونظام المحاصصة الطائفية الذي ردت عليه حكومة المالكي حينذك بالقمع واستخدام القوة في فض ساحات الاعتصامات.
ومثلما كانت الكهرباء والفساد عنوان الحراك الشعبي في العراق، فإن أزمة القمامة في لبنان وعجز الحكومة عن حلها بعدما طلعت ريحتها ـ كما يقول اللبنانيون ـ وهي مقاربة تكشف أزمة الحكم في البلدين وتخبط الطبقة السياسية في إيجاد الحلول للمعضلات التي تواجه البلدين.
وفي الحالتين فإن ماجرى في بغداد وجد صداه في بيروت؛ لأن نفس الفاسدين هم من حوَّل العاصمتين إلى مكب لنفايات السياسيين الذين تحصنوا خلف نظام المحاصصة الطائفية، واحتموا من المساءلة والملاحقة.
إن المقاربة واضحة وجلية بين المطالبات المشروعة لمتظاهري بغداد وبيروت؛ لأنها استهدفت طبقة سياسية أخفقت في السياسة، كما أخفقت في الحفاظ على المال العام، وتذرعت بالحفاظ على مسار التوازن السياسي والطائفي كمخرج للهروب من المساءلة عن الفشل الذي أودى بالعراقيين إلى حافة الهاوية، كما وضع لبنان في خانق يحتاج هو الآخر إلى عملية إنقاذية لإخراجه من أزمته.
وعلى الرغم من الإجراءات الترقيعية التي لجأت إليها حكومتا بغداد وبيروت لامتصاص غضب المتظاهرين، ووقف اندفاعهم إلى خيارات أخرى، فإن واقع الحال يشير إلى أن مسار الحراك الشعبي لاسيما في العراق يتجه إلى إعادة النظر في الأسس التي قامت عليها العملية السياسية خصوصا الدستور ونظام المحاصصة الطائفية، والقوانين الاقصائية، التي أضرت بملايين العراقيين، وقبل ذلك إبعاد القضاء عن استخدامه ضد الخصوم.
فمن دون مراجعة حقيقية لأوضاع العراق وتركة الاحتلال، وإخفاق الطبقة السياسية في إدارة شؤون العراق، فان الحراك الشعبي سيستعر ويتعاظم، ويتواصل بقدر الظلم والفقر الذي أصاب العراقيين حتى يبلغ مدياته على جميع الأصعدة.
ومهما حاول البعض ركوب موجة الحراك الشعبي، وتقنين مطالبه وحصره بالخدمات من دون أن يسلط الضوء على حيتان السياسة التي تحمي الفاسدين ومساءلتهم ومحاسبتهم، فإن قطار التغيير قد انطلق، ولم توقفه إجراءات الاحتواء الترقيعية لتغيير مساره، لأن الفساد والمتسترين عليه في بغداد وبيروت “طلعت ريحتهم”.

إلى الأعلى