الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة .. التشديد الأمني .. ضرورة وطنية

العين .. الثالثة .. التشديد الأمني .. ضرورة وطنية

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

لماذا ينزعج البعض من تشديد الإجراءات الأمنية والعسكرية في محافظة ظفار بدلا من الترحيب بها والتعاون مع رجال الأمن وقوات السلطان المسلحة؟ المسألة ينبغي أن نطرحها بصوت مرتفع لحمل الكل على تقدير وتثمين الجهود الراهنة من أجل تأمين جبهتنا الداخلية والقضاء على كل بؤر وقوى العنف والإرهاب في مهدها، فنعمة الأمن والاستقرار التي تعيشها بلادنا في إطار محيطها الجغرافي المضطرب يحتم فعلا التشديد الأمني،، داخليًّا،، والعسكري على الحدود، وحتى لم يكن هناك تهديد للأمن والاستقرار، فديمومتهما يحتمان علينا التشديد الأمني والعسكري لمكافحة تجارة المخدرات العابرة لحدودنا من بعض دول الجوار، فهذه التجارة وما يصاحبها من ظواهر،، تبعية،، قد كشفت لنا عن وجود بشر من بني وطننا لا تعرف للوطن قيمة ولا للانتماء معنى، فكيف لو تعلق الأمر بوجود قوى ارهابية تتسلل لبلادنا لا تفهم سوى لغة القتل والدمار حتى لو لم تكن بلادنا مستهدفة، وحتى لو كان دخولها للبلاد هروبا من الملاحقات والقتل الحدودي، من هنا يجب التصدي بكل قوة وحزم لمثل تلك التحديات حتى لا تؤسس بيئة مستدامة في بلادنا، أو على الأقل تنقل الصراع إلينا بأية صورة من صوره المتعددة، من هنا يستوجب الترحيب والتعاون مع هذه الجهود لا الانزعاج منها، ويستوجب منا كذلك المطالبة بمزيد من التشديد لا التخفيف حتى نظل يقظين لأسوأ الاحتمالات.
ولماذا لا نتوقع اسوأها ـ لا قدر الله ؟ والعقدة السياسية لجارنا اليمني الشقيق قد تحولت إلى عقد أمنية متأزمة ومتصاعدة ومصدرة للخارج، وبلادنا مستهدفة للتصدير بحكم الجغرافيا، كما تعمقت عقد الفقر في بنياته الاجتماعية، واصبحت بدورها تلقي بظلالها على عقدة الأمن مما قد يؤثر تداعياتها على شأننا الداخلي، ولن ننسى بروز ظاهرة الانتماء للتنظيمات السياسية والفكرية التي سيكون من شأنها تجاوز فكرة الدولة الوطنية، وعبورها حدود الدول، فهل ينبغي لبلادنا أن تتفرج أو تظل صامتة أم تكون جاهزة لتأمين جبهتها الداخلية؟ وكيف لا تتوقع الأسوأ ـ لا قدر الله ـ وقد أصبحت قوى اقليمية كبرى ودولية تعبث بالجغرافيا اليمنية مستغلة انشغالاتها السياسية الداخلية، وتعالي طموحات بعض أبنائها في الذاتية بإيعاز من الخارج؟ لو لم تقم الأجهزة الأمنية والعسكرية بعمليات التشديد الأمني والعسكري لاتهمت بالتقصير في إدارة أزمة قبل أن تقع، فكيف لو كان هناك مؤشرات تدفع إلى التشديد؟ فمرحبا بهذا التشديد، وسيكون مرحبا كذلك لو تم تشديد المتشدد أكثر فأكثر، لن ننزعج ابدا، وسوف نستقبل الجهود بالورود والزهور، وعندما نشاهد رجال الأمن وعناصر من قواتنا البواسل في ذروة الحر أو البرد يحرسون ويدافعون عن امننا واستقرارنا نيابة عنا، لن ننزعج من نقاط التفتيش، فذلك يدعو إلى الترحيب لا الانزعاج، سوف نتوجه لله عز وجل لهم بالدعاء بالغيب، ونقابلهم بابتسامة عريضة تعبر عن رضانا وتقديرنا لجهودهم، لا مجال ابدا للانزعاج، فذلك كله تحتمه الظرفية الاقليمية الصعبة والمعقدة، لا مجال للانزعاج ما دام ذلك سيحافظ على امننا واستقرارنا، ولماذا الانزعاج، وهي أي نقاط التفتيش محدودة جدا، وفي مناطق خارج وليس داخل الولايات، الكثير قد طلبوا منا الكتابة ضد هذا التشديد، لكننا لما بحثنا اسبابه ومبرراته، وجدناه مشروعة، ومنطقية للظرفية الإقليمية الراهنة، وربما مستقبل الايام القليلة المقبلة تحتم التشديد كذلك، ولو لم يكن هناك حتمية ضرورية لما كان هذا التشديد، وهذا التشديد من لم يكن سابقا، من هنا، علينا تفهمه، ويجب الإشادة بالجهود، ونقف معها إلى ابعد الحدود، مهما عطلت نقاط تفتيشاتها سيرنا أو آخرتنا قليلا بالليل أو النهار، فذلك من أجل ديمومة الأمن والاستقرار، وكل إجراء أو تدبير باتجاه المحافظة على الأمن والاستقرار مرحب به دائما، وينبغي أن لا نتساهل أبدا مع أي مواطن لا يقدر وطنيته وواجباتها، أو وافد لا يحترم شروط استضافته، أو أجنبي اراد أن يخترق منظومة أمننا ويمس استقرارنا، فالمرحلة الراهنة تستدعي التشديد في الرقابة، والحزم في التعامل ومضاعفة العقاب، وازدواجيته، القانونية والسياسية… كوسائل ردع لا بديل لنا عنها، ودونها سندفع الثمن كبيرا مستقبلا خاصة وأننا في مرحلة انتقالية نؤسس للمرحلة الدائمة، فهل نؤسسها نظيفة أم ملوثة بأفكار تكفيرية أو تنظيمية إرهابية أو تيارية على حساب الدولة الوطنية؟ فذلك سيكون تحولا بنيويا وشاملا عن بنية الدولة الفكرية الراهنة التي تقوم على التسامح والتعايش رغم وجود خصوصيات، وهذه الأخيرة قد تتحول عندئذ ذاك ليس إلى اختلافات قابلة للتعايش وإنما إلى خلافات غير متعايشة في إطار الدولة الواحدة، وهذا استشراف حاد جدا، لا بد من طرحه حتى نصل بالفكر الاجتماعي وقبله السياسي إلى الوعي بأهمية الدور الذي تقوم به حاليًّا أجهزتنا الأمنية والعسكرية، وضرورات تفعيله تناغما وانسجاما مع طبيعة المرحلة الاقليمية المتصاعدة، ليس مهما أن يمس هذا الدور بمظهرية المكان، من حيث تواجده وانتشاره الظاهري، الأهم أن نكون في مستوى تحديات المرحلة، فمن أجل نعمتي الأمن والاستقرار، علينا كمجتمع أن نضحي بالقليل من اعتيادية حركتنا وحياتنا ـ إن تطلب الأمر ـ لأن تحديات المرحلة تحتم ذلك، كما أن المفاهيم والنظريات الأمنية قد تغيرت كثيرا بسبب الخوف من تداعيات المرحلة الراهنة، فلم يعد صحيحا أن عدم تواجد الشرطي مثلا في الطرقات وعلى الدوارات يعني استتباب الأمن المروري، فهذه النظرية قد اسقطت تماما،، عمليًّا،، فوجوده وتواجده قد أصبحنا ننظر إليه على أنه حرص أمني مرتفع للحفاظ على الأمن نفسه، وكذلك الشأن ينبغي أن تفسر نقاط التفتيش الحالية، والمحدودة اصلا، كما أن المرحلة نفسها لا تحتمل الثقة ،، الآلية،، وإنما الثقة،، المعلوماتية،، فمثلا، فقد لاحظنا أثناء ذهابنا الى ضلكوت يوم الاربعاء الماضي عدم تفتيش كل سيارة تحمل رقما حكوميا، بينما تخضع بقية العربات للتفتيش على اعتبار انها في مناطق حدودية ساخنة، فلماذا لا تفتش العربات الحكومية؟ بل إن راكبيها لا يخضعون لإثبات بطاقة الهوية مثل غيرهم، لماذا؟ هذا فراغ قد يستغل وفق نظرية اسوأ الاحتمالات، فقد استغلت بعض السيارات الحكومية لحمل اعلاف الحيوانات، فهل هناك ما يمنع من أن تستغل لتهريب فرد أو مواد مهربة أو محرمة كالمخدرات مثلا ؟ طبيعة المرحلة تحتم سد كل المنافذ المحتملة وغير المحتملة خاصة بعد أن اكتشفنا كما قلنا سابقا وجود بشر،، لا تعرف للوطن قيمة ولا للانتماء معنى،، وهنا الخوف الذي يحتم سد كل المنافذ والذراع مثلما يحتم التشديد في الرقابة والعقاب الثنائي ،، القانوني والسياسي ،، لن يشكل ذلك حرجا للرقم الحكومي لو تم معاملته أسوة بغيره من الارقام الخاصة جدا والعادية جدا، ورغم هذه الملاحظة المهمة، فقد لاحظنا ،، ميدانيا،، ما يجعلنا نطمئن على المرحلة الراهنة رغم مطالبتنا بالتشديد أكثر، داخليا وعلى الحدود ،، فالتشديد الأكثر،، مرحليًّا على الأقل ،، هو الضمانة الإضافية الأكيدة لإدارة المرحلة ومواجهة تحدياتها، وكلنا نتمنى لو سمح لنا الوقت بالمكوث على الحدود خلال يومي الاجازة الأسبوعية الماضية حتى نرصد ظاهرة تعاطي،، القات،، الحدودية التي تناولناها في مقالين سابقين ، فاستمرارها بالكيفية التي تناولناها في المقالين سوف يعطينا مؤشرا على النجاح أو الفشل من جهة كما يجعلنا نقف على ماهية الخلفية السياسية لمحاربة تعاطي شبابنا القات، وهل السياسة قد حركت الميدان لمحاربتها أم لا؟ وذلك سوف يعني لنا الكثير.
ولو خضعنا الانزعاج لمنطق المقارنات مع الآخرين، فسوف نلاحظ الفرق شاسعا، بل بين السماء والارض، فماذا يعني لنا كأفراد لو وقفنا قليلا من الوقت عند نقطة تفتيش في طابور من العربات أثناء مغادرتنا ولاية مرباط أو اوقفتنا دورية تفتيش في ولاية ثمريت أو ضلكوت بينما مدننا وطرقنا الداخلية خالية من اية نقاط تفتيش؟ في وقت تنتشر فيه نقاط التفتيش الأمنية في كثير من دول المنطقة، داخل مدنها وفي شوارعها نشاهد الكثير من الحواجز الأمنية المعززة بالكتل الأسمنتية والسياج الحديدي الذي يمتد على طول بعض الشوارع بعشرات الكيلومترات، وإلى جانب هذه الحواجز تنتشر أيضا الأسلاك الشائكة في المداخل والمنافذ التي تؤدي إلى الشوارع الرئيسية، وبلادنا ورغم وقوعها داخل المنطقة المضطربة والمصدرة لمشاكلها، لا نزال في ادنى حدود التشديد بل ليس هناك نسبة وتناسب مقارنة بما سبق ذكره، فلا مجال للانزعاج ابدا حتى لو تطور التشديد ومس حركتنا الاعتيادية فذلك مسألة ضرورية وطبيعية لتطورات الأحداث الإقليمية.

إلى الأعلى