الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / بنيوية الفساد عراقيا

بنيوية الفساد عراقيا

عادل سعد

لو أن عددا من السياسيين العراقيين المتهمين بملفات فساد فعلوا ما فعله لص فرنسي قبل عدة أيام، لكانوا قد وفروا على الإصلاح الحكومي المزيد من الوقت والجهد والاستكشاف، في حسم هذه الملفات التي تتصدر قائمتها عمليات اختلاس وتعدٍّ على المال العام، وهي ملفات في حقيقة الأمر على درجة من الخطورة، وتمثل استنزافا ماليا متواصلا في إطار لعبة تخفٍّ عن الأنظار، فضلا عن عناوين فساد أخرى ليست قليلة محركاتها الأساسية النفوذ السياسي والطائفي والمناطقي والأمني أيضا، فعلى وفق معلومات لا يرقى إليها الشك تبين أن الفساد في الملف الأمني يضاهي الفساد في ملفات أخرى إن لم يتقدم عليها حتى وصل الأمر إلى بيع نقاط تفتيش مقابل مبالغ مالية كبيرة.
على أي حال، إن اللص الفرنسي وبعد أن استنفد كل ما سرقه من مال في الاستمتاع والاستجمام داخل أحد المنتجعات الإسبانية إلى آخر
(فرنك) كان لديه، اتصل بالشرطة وأخبرهم بمكان وجوده بالصوت والصورة، وفي الوقت المناسب داهمت ثلة من رجال الأمن المنتجع ووجدوه مستلقيا مسترخيا قبالة البحر فألقوا عليه القبض واقتادوه بسهولة، بل وبحوار ودي بين الطرفين.
وإذا كان من الصعب على السياسيين العراقيين الفاسدين اعتماد الآلية نفسها التي اعتمدها اللص الفرنسي؛ وذلك لأنهم ما زالوا يمتلكون الملايين من الدولارات، فإن من المستحيل أن يلجأوا إلى ما لجأ إليه الرئيس الكوري الأسبق عندما ألقى بنفسه من قمة جبل في إحدى مناطق بلاده، مفضلا الموت على فضيحة فساد طالته، أو ما فعله وزير زراعة ياباني أقدم على الانتحار مذيلا انتحاره بوصية تقول (لا أستطيع أن أنظر في عيون أسرتي، فكيف لي أن أنظر بعيون الشعب الياباني).
الخزي رائحة النفايات الاجتماعية، وهو حين يسكن الضمائر والنفوس، لا يمكن التستر عليه طول الوقت، وفي إطار ذلك أيضا تصلح حقيقة أن (المال السائب يعلم السرقة) قاعدة للفساد الذي استشرى في العراق، حيث تحول هذا المال إلى مصيدة للسياسيين العراقيين. وأذكر أنني زرت إحدى الشخصيات السياسية العراقية المتنفذة، وقلت لهذا السياسي: لماذا لا يعطى المزيد من الاهتمام لمؤسسة تعنى بالرقابة على المصروفات فامتعض مني وكأنه أراد أن يقول لي: وهل تشك بذممنا؟
لقد تحول الفساد في العراق وفي بلدان عربية أخرى إلى ظاهرة (بنيوية) بامتياز تجذب بعضها إلى البعض ضمن متوالية ليس لها حدود، فعلى سبيل المثال أن الفساد في ملف خدمات الكهرباء قد أدى بالعراقيين إلى الاستعانة بأصحاب المولدات الكهربائية الأهلية، وهكذا توالد فساد آخر في القطاع الخاص الذي يتولى بيع هذا النوع من الخدمات، من خلال رفع أسعار الوحدات الكهربائية، أو التلاعب بأوقات ضخ التيار الكهربائي. ومن الطرائف المرة المتداولة في هذا الشأن أن أحد الشباب في حي من أحياء بغداد على علاقة بتجارة تلك الخدمات الكهربائية، حيث يتولى مد أسلاك الكهرباء إلى منازل المواطنين مقابل عمولات، وهو يعمد إلى قطعها بين الحين والآخر فيلجأون إليه من أجل إعادة ربطها مجددا مقابل عمولات أخرى، مع علمهم المسبق أنه هو الذي يتولى قطع تلك الأسلاك، لكنهم مضطرون للتعامل معه على وزن (وما حلية المضطر إلا ركوبها).
ومن العينات الأخرى (للبنيوية) التي يتمتع بها الفساد أنه ارتبط بعناوين سياسية وشخصية ذات رمزية عالية لدى هذه الطائفة أو تلك، الأمر الذي تعد الإطاحة بهم (مجازفة) إصلاحية، وهذا بحد ذاته ما دفع رئيس الوزراء حيدر العبادي إلى القول (سأمضي في الإصلاحات حتى لو كلفني ذلك حياتي).
وعودة إلى بدء، إن معركة مواجهة الفساد في العراق ليست سهلة قطعا، فهي تحتاج إلى العديد من الأسلحة، لعل أصعبها وأهمها السلاح الأخلاقي، أما كيف ذلك؟ فإن الأمر يتطلب حراسة ضميرية يقظة؛ لأن الحكمة تقول (إن نوم الحراس مصابيح للصوص).

إلى الأعلى