الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / زمن الحرب.. واستثنائية الوضع الإنساني

زمن الحرب.. واستثنائية الوضع الإنساني

علي عقلة عرسان

”إن الأيام وربما الأسابيع القليلة القادمة ستكون مؤثرة ومفصلية، حتى لا نقول حاسمة ومصيرية في هذا الشأن، وعلى سوريا الدولة أن تعمل بحذر شديد في هذا المناخ الدولي الصعب، وأن تسد الذرائع ما أمكنها ذلك، وأن تعد العدة اللازمة لمواجهة كل الاحتمالات بما في ذلك ما يُرتب في الجولان من “جدار شرير” و”جيش على غرار جيش العميل لحد في جنوب لبنان”..”
ـــــــــــــــــــــــــــ
في الوقت الذي تطلب فيه سوريا من مجلس الأمن الدولي قراراً ملزماً بالتصدي دوليًّا للإرهاب ووضع حد لتمويله وتسليحه ونشره في أراضيها، وهو مطلب أصبح مشروع قرار تقدمت به روسيا الاتحادية للمجلس وينتظر أن يناقش قريباً، في هذا الوقت يخشى أن يتدحرج الصراع الدامي الدائر في أنحاء سوريا ليصبح صراعاً دوليًّا مباشراً معلناً، بعد أن كان إقليميًّا معلناً بخلفيات دولية موارِبة موجِّهة مساعِدة وآمرة أحياناً.. فمن يشغِّل الإرهابيين أو يستثمر في الإرهاب ويشعل به ناراً هنا أو هناك من المناطق والبلدان لا يرمي إلى خلق بؤر توتر يوظفها لخدمة أهدافه الاستراتيجية ومصالحه فقط بل إلى تحقيق أهداف سياسية واقتصادية من وراء ذلك وإلى تعزيز حضوره وهيمنته أو زعزعة المستقر من الأوضاع في تلك البلدان والمناطق ليكون له دور أعظم فيها.. وقد لا نشهد إقرار مشروع القرار الروسي المتعلق بشأن الإرهاب في سوريا قريباً، على الرغم من أن قرارات ومستندات دولية كثيرة تجعل من تمريره إحدى المسلمات.. وذلك لأن الراعي الأول للإرهاب في العالم، ومن يمارس إرهاب الدولة ويحمي دولة الإرهاب الصهيونية، ومن يعتمد سياسة لا تمت للأخلاق والقيم الإنسانية بصلة.. أعني الولايات المتحدة الأميركية، قد لا يسمح بذلك، مستفيداً من التطورات والظروف الحالية، سواء فيما تعد له الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها الغربيون ومن هم في المنطقة من “غزو” جديد لسوريا على غرار غزوة سابقة فشلت، أو في ما يتعلق بالشأن الأوكراني الذي يقلق روسيا حليف سوريا، ولا يمكن لها بوصفها دولة عظمى من جهة وجارة لأوكرانيا، أن تفرط بمصالحها الحيوية هناك، وعلى رأسها صناعات ” منها محركات الطائرات على سبيل المثال لا الحصر”، ومجال حيوي شديد التأثير سلباً وإيجاباً، وحدود تهدد استراتيجيات وحدوداً ومصالح روسية، وسكان من أصول روسية ضمن أوكرانيا يقدرون بما يتجاوز 20% من السكان، وعلاقات ثقافية واجتماعية واقتصادية قديمة مستمرة، وما قد يكون لذلك الحدث الكبير وللوجود الغربي في أوكرانيا الأوروبية، ” حلف الأطلسي على الخصوص” من تأثير مباشر وغير مباشر على بلدان أخرى تدور في الفلك الروسي أو تقع ضمن الاتحاد الروسي، أو من الدول التي كانت “سوفييتية” ولها حدود وعلاقات مؤثرة مع روسيا الاتحادية، أو تلك التي تضعها في تصورها للاتحاد الأوراسي المنشود.
وقد نشهد قريباً انتقالاً نوعيًّا في سوريا من فاعلية الخبراء والمستشارين الأجانب، غربيين وغير غربيين، ومشاركتهم على نحو ما في العمليات الحربية مع أطراف الصراع، إلى وجود القادة الميدانيين مع المسلحين من جهة والغارات الإسرائيلية التي تشكل غطاء جويًّا للمسلحين ومنطقة عازلة في الجولان من جهة أخرى، وتقيم منطقة حظر جوي عمليًّا جنوب سوريا، بمشاركة الطائرات الأميركية من طراز F 16 التي ستعمل من الأردن حين تنفيذ الغزوة المقررة.. وما يتوقع من تلك الغزوة العسكرية الثانية المخطط لها عبر حوران وصولاً إلى دمشق من بوابة الغوطة شرقاً وجنوباً.. المتوقع ألا تكون هي محور الهجوم الوحيد على العاصمة، لأن ما يُدبَّر في الجولان بتخطيط وتنفيذ إسرائيليين ورعاية أميركية، هو أبعد من جدار طيب، وجيش لحديِّ المواصفات، ومنطقة ” عازلة” محظورة على الطيران الحربي السوري .. فدخول قوات من المعارضة المسلحة ومعها قوات أخرى خارجية عربية وإقليمية وإسرائيلية وغربية تحت رايتها، لإكمال أوسع من كماشة أو ” حذوة الحصان” حول دمشق من جهة الغوطة الغربية أيضاً، أمر غير مستبعد على الإطلاق، وتشي به استعدادات في جنوب حوران الأردني، وغارات إسرائيلية على مناطق ومواقع بين الحدود السورية واللبنانية، ووصول تعزيزات صهيونية نوعية من حيث الأفراد والتدريب والتسليح إلى الشريط المحتل من الجولان وانتشارها وتمركزها هناك، وتقدم المعارضة المسلحة في الشريط الحدودي الموازي للأرض المحتلة من الجولان، على حساب الجيش العربي السوري ومواقعه في الجولان المحتل، بمحاذاة أماكن انتشار القوات الصهيونية المعادية.. إلخ، كل ذلك يتم بتزامن مع الإعداد لـ” غزوة ثانية”، تنطلق من شمال الأردن. ومن ضمن أهداف ذلك تخفيف الضغط على المسلحين في يبرود ومنطقة القلمون، لكنه في الأساس، وفي الوقت ذاته، استفادة من انشغال الجيش العربي السوري في معركة القلمون، لإحراز تقدم مفاجئ وخاطف من المحورين المشار إليهما اللذين يستهدفان دمشق، ويبني المخططون على نجاحهم فيهما آمالاً بإحكام الطوق على العاصمة من جهات الجنوب الغربي، والجنوب، والجنوب الشرقي والشمال أيضاً إذا ما تم فك الحصار عن يبرود ورنكوس ومناطق وجود المسلحين في القلمون، وتراجع الجيش العربي السوري عن تلك المناطق جزئيًّا أو كليًّا، وهو أمر غير متوقع، فضلاً عن أن الغزوة على دمشق من الجنوب قد يتم دحرها، ولذلك ما يبنى عليه.
وفي الأحوال جميعاً لن يكون هذا الوضع الخطر جداً على الدولة السورية وجيشها مقبولاً من حلفاء سوريا، لا سيما إذا ما شارك حلفاء المعارضة المسلحة ورعاتها مباشرة في المعركة بقادة وطيران على الخصوص، أما مشاركتهم بتقديم السلاح النوعي وأنواع الدعم اللوجستي والعملياتي وغيره وغيره فيتم باستمرار، لا سيما تزويد المسلحين بأسلحة متطورة وذخائر وتجهيزات، فذاك يجري من دون انقطاع.. وهذا يعني أن سوريا لن تُترك وحدها، برغم انشغال الروس على الخصوص بالحدث الأوكراني الشديد الوقع على روسيا الاتحادية والخطر عليها استراتيجيًّا.. وربما يكون هناك تناذر بين تحرك روسي هناك في أوكرانيا وتحرك غربي هنا في سوريا بصورة مكشوفة أو من خلال تصعيد مواجهات الواجهات على الأقل، الأمر الذي يحيل بلد ما سوريا على الخصوص وبلداناً أخرى في المنطقة إلى جبهة مشتعلة تمتد نارها وتمتد بلا تقدير للخسائر والنتائج .. وقد يشعل الوضع في أوكرانيا منطقة البحر الأسود وربما القوقاز ومناطق أخرى في الجوار الروسي، فتصبح هناك كتلة متفجرة بوجه السياسة الدولية تقلق العالم كله وتجعل علاقات القوى الدولية الكبرى في حالة توتر شديد، أو ربما، وهذا من الأمور المحتملة أو المرجحة، يجعل ذلك الأمر من القضيتين السورية والأوكرانية مجال مساومة ومصالحة ومقايضة بين الكبار حتى لا تقع الطامة الكبرى باشتعال نار حرب قد تبدأ بكيفية لكنها تستمر وتتطور من دون تحكم بأية كيفية؟!
ومن الملاحظ، في الشأن السوري على الخصوص، أن الأميركيين خاصة والغربيين عامة، يثيرون هم وحلفاؤهم زوابع كثيرة وكثيفة منذ زمن طويل، ويهددون ويستنفرون قواتهم ويرسلون أساطيلهم إلى قبالة السواحل السورية بهدف الضغط والعدوان والهيمنة وفرض ما يريدون على من لا يقبلون أن تفرض عليهم إرادة استعمارية تخدم أصحابها والإسرائيلي المحتل بالدرجة الأولى. وقد تصاعد التهديد والوعيد والتذرع بذرائع شتى، بصورة ملحوظة وبوتيرة مرتفعة بعد الجولة الثانية من مفاوضات مؤتمر جنيف2 الذي أعلنت الولايات المتحدة وبعض حلفائها المقربين فشله، مطالبين بالتدخل العسكري بسبب ذلك الفشل الذي عزوه للموقف السوري الرسمي، مع أنهم لم يفوا بأدنى وعودهم بشأن انعقاد المؤتمر ومجريات أعماله، حيث لم يستكملوا بعد تشكيل وفد المعارضة السورية ليكون ممثلاً للمعارضات التي يعرفون أنها ليست فريقاً من الائتلاف، وأنها أوسع من ذلك وأكثر تعدداً وتنوعاً في الرأي والموقف، وأن لها دوراً ومن الضروري أن تحضر ليكون هناك وفد معارض واحد حسب الاتفاق بين رعاة المؤتمر، وتكون هناك بداية صحيحة وانطلاقة سليمة للمفاوضات تؤدي إلى نتائج ملزمة للجميع؟! وقد وعد الأميركيون وحلفاؤهم باستكمال تشكيل وفد المعارضة ليكون بتمامه مشاركاً في الجولة الثالثة في المؤتمر الذي كانت تصريحات سابقة لزعمائهم تقول: “إنه يعالج قضية صعبة ومعقدة، وقد تمتد مفاوضات جنيف2 زمناً طويلاً..”؟! وهذا التطور يدخل في باب التهور، وهو أمر غاية في الغرابة ومستهجن إلى أبعد الحدود، ومكشوف فيه التخبط وحتى البلطجة والروغان نحو استخدام القوة، بعد قراءة في جولتين من جولات مؤتمر جنيف2 لم يرهما الغربيون وحلفاؤهم، ولم يروا فيما يليهما من جولات، مصلحة لهم ولمعارضتهم.
لقد بدأ الغرب بعد الجولة الثانية من جولات مؤتمر جنيف2 يوجه اتهامات حادة لسوريا ويحملها مسؤولية فشل مؤتمر لم يبدأ بداية سليمة بعد، وأخذ يتذرع بذرائع ليبني عليها مسوغات تدخل عسكري مباشر كان يُعد له منذ زمن وينتظر استكمال الإعداد والاستعداد، وقد بدأ ذلك باللعب على أوتار التأخر في تسليم الكيماوي وعلى إنجاز سلاح جرثومي، ومن ثم على المضمون الإنساني لقرار مجلس الأمن الدولي الأخير رقم 2139 مع أن القرار يدعو “جميع الأطراف إلى الرفع الفوري للحصار عن المناطق المأهولة” لكي تدخل المساعدات الإنسانية، ولا يحمل طرفاً واحداً المسؤولية، ولا يهدد الدولة السورية بعقوبات أصلاً؟! وقد رأى المعنيون بالتدخل العسكري في الشأن السوري أنه بذرائع الكيماوي والجرثومي والإنساني يركب القدر على ثلاث، ويستقر قرار التدخل بالقوة في العقل والوجدان والرأي العام بوسائل السياسة والإعلام، مع أن الكل في الأمم المتحدة ومجلس الأمن ودول الثماني الكبار والمجتمع الدولي بالمفهوم الشامل وليس الغربي القاصر.. قال وما زال يقول: إن حل الأزمة السورية هو حل سياسي وليس حلاً عسكريًّا، وأنه لا يوجد حل عسكري أصلاً لهذه الأزمة؟!.. فما المقصود إذاً بهذا الترديد والتكرار على التدخل العسكري سوى التصميم على تدمير الجيش العربي السوري وبنى الدولة والمجتمع في سوريا؟!.
ومن المتوقع أن يتم التصعيد للوصول إلى هذا الهدف، وتوفير المناخ الملائم له، بعد أن سقطت أو كادت تسقط ذريعة فشل مؤتمر جنيف.. عبر التدخل الإنساني لتلغيم المناخ السياسي والتصعيد أكثر فأكثر، وذلك بوسائل منها محاولة اختراق السيادة السورية أو تجاوزها بذريعة تنفيذ القرار، وهذا يستفز الدولة السورية التي أعلنت أنها ترفض تسييس المساعدات الإنسانية والنيل من السيادة السورية. أو يتم ذلك بمحاولة إيصال أسلحة وذخائر من خلال شحنات المساعدات الإنسانية والسيارت التي تحملها، حيث في حال تفتيشها أو منع الحمولات المشكوك فيها تتذرع الدول المعنية بالتصعيد والتدخل العسكري بعرقلة سوريا لتنفيذ القرار الدولي، أو يتم ذلك عن طريق التواصل المباشر مع المعارضات من دون مراعاة لشمول السيادة السورية للأرض السورية كلها وفق القوانين والأعراف الدولية الرسمية، الأمر الذي يفاقم الخلافات مع سوريا ويعقدها ويجعل التدخل العسكري “مشروعاً؟!” من وجهة نظر المتعلقين به الذين يعدون للعدوان والتدخل المباشر عسكريًّا منذ بداية الأزمة..!؟
إن الأيام وربما الأسابيع القليلة القادمة ستكون مؤثرة ومفصلية، حتى لا نقول حاسمة ومصيرية في هذا الشأن، وعلى سوريا الدولة أن تعمل بحذر شديد في هذا المناخ الدولي الصعب، وأن تسد الذرائع ما أمكنها ذلك، وأن تعد العدة اللازمة لمواجهة كل الاحتمالات بما في ذلك ما يُرتب في الجولان من “جدار شرير” و” جيش على غرار جيش العميل لحد في جنوب لبنان” و “تدخل إسرائيلي مباشر بعد التدخل غير المباشر المستمر.. إلخ. إن الشأن الإنساني غاية في الأهمية، وواجب أول للدولة بوجود قرار دولي أو بغير وجود ذلك القرار، فمسؤولية الدولة حيال شعبها، وحيال المدنيين من أبناء الشعب، في زمن الحرب والسلم، واجب أخلاقي وقانوني وإنساني ووطني لا يعفيها منه أي سبب حتى السبب القاهر ذاته. نحن نعرف أن مبدأ الحصار موجود في الحروب، ونعرف أكثر أن منطق الحصار حتى الموت والوقوف على شفا الموت غير إنساني، فليس كل محاصَر محارب.. والشأن الإنساني أعلى من شأن القهر والغلبة والانتقام والذل والإذلال، لا سيما إذا كان من يتعرض للحصار والجوع هو المواطن ابن الدولة الملزمة بالعناية بكل مواطنيها.. ولا نستطيع إلغاء مسؤولية المسلحين والإرهابيين والمعتدين ومن لا يراعون الشأن الأخلاقي والإنساني، ومن يتسببون في معاناة البشر ليتحقق لهم نصر على البشر.. لكنا لا نحمّل الخارج على القانون الجاهل به وبالشأن الإنساني مسؤولية المدافع عن القانون والعارف به وبالشأن الإنساني، ومن يخول له العرف والدين والمجتمع والقانون.. الدفاع عن الناس وعن الدولة التي يصنعها الناس، ويضع الشعب تحت تصرفه الإمكانيات الضرورية لتحقيق ذلك.. وندرك جيداً أن زمن الحرب زمن استثنائي، لكنا ندرك أيضاً وبالقدر ذاته أن حياة الإنسان أمانة في عنق الإنسان والمكلف بالشأن الإنساني والوطني والقاتوني، وحياة الإنسان تصبح أغلى وأكرم وأكبر أهمية حين ندرك أنه يعيش عمراً واحداً، يعيشه مرة واحدة فقط، ولا يمكن استعادة أية ثانية من ثوانيه أو ترميمها، وبذلك تصبح حياة الإنسان وكرامته أمراً استثنائيًَّا بامتياز، ويقع ذلك فوق الاستثنائيات الأخرى.

إلى الأعلى