الأربعاء 20 سبتمبر 2017 م - ٢٩ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ناصر 2014

ناصر 2014

” كانت فترة ناصر فترة ازدهار الطبقة الوسطى، في مرحلة انتقال لما بعد الاستقلال ولما بعد الملكية. وكان السياق الدولي في ذلك الوقت مواتيا تماما، اذ شاعت موجة الاستقلال عن المستعمرات (البريطانية والفرنسية والبرتغالية وغيرها) وبدأت كثير من دول آسيا وافريقيا واميركا اللاتينية في بناء دولة ما بعد الاستقلال.”
ـــــــــــــــــــــــــ
حين قرر المخرج السينمائي المصري محمد فاضل أن يصور فيلمه الرائع “ناصر 56″ أبيض وأسود لعله كان يقصد أمرا أساسيا هو أن يضع المشاهد في سياق الأحداث تاريخيا، ولم تكن السينما الملونة موجودة عام 1956. ربما لم يكن محمد فاضل يقصد أن يقول لمشاهدي الفيلم: “لا تنتظروا عبد الناصر ملونا، لقد كان بالأبيض والاسود وهذا زمن ولى”. لكن بعد سنوات قليلة من انتاج الفيلم كان المصريون يرفعون صور جمال عبدالناصر في ميدان التحرير وغيره من أنحاء مصر في احتجاجاتهم التي أطاحت بالرئيس حسني مبارك. ومع شعارات التغيير “عيش، حرية، عدالة اجتماعية” ظلت صورة الرئيس المصري الأسبق، الذي قاد مصر بعد ثورة 1952 حتى وفاته عام 1970، تترسخ في أذهان كثير من المصريين حتى من الأجيال التي لم تعاصره ولم تولد حتى في عهده.
لم تكن فترة حكم ناصر مثالية، لكنها كانت فترة بناء رغم كل الأخطاء، وفيها شعر المصريون بما يوصف بالتعبير المصري الشائع “أن لهم قيمة” وعلا فيها شعورهم بالانتماء الوطني والقومي رغم صعوبة الظروف المعيشية. وربما لهذا السبب يتذكر الناس، في مصر وخارجها، ايام حكم ناصر ـ كل على طريقته ـ باعتبارها فترة مميزة في التاريخ المصري المعاصر. لم تكن شخصية جمال عبد الناصر، ورفاقه من ضباط الجيش الشباب بحماستهم الوطنية، وحدها العامل الذي جعل تلك الفترة هكذا. فسياقها التاريخي لا يقل أهمية، إذ جاءت في وقت استقلال دول المستعمرات وبناء الدول الوطنية ما بعد الاستقلال. وفي حالة مصر ترافق ذلك مع الانتقال من حكم ملكية مهترئة تجذر في عهدها الاقطاع (ليس الزراعي فحسب بل والاحتكار الزراعي وحتى الاقطاع السياسي/الاجتماعي ان صح التعبير) وكادت مؤسسات الدولة فيها تضيع من العطب وبلغت حدة الانقسام الاجتماعي/الاقتصادي حدا كاد يقضي على الطبقة الوسطى.
كانت فترة ناصر فترة ازدهار الطبقة الوسطى، في مرحلة انتقال لما بعد الاستقلال ولما بعد الملكية. وكان السياق الدولي في ذلك الوقت مواتيا تماما، اذ شاعت موجة الاستقلال عن المستعمرات (البريطانية والفرنسية والبرتغالية وغيرها) وبدأت كثير من دول آسيا وافريقيا واميركا اللاتينية في بناء دولة ما بعد الاستقلال. ورغم الاستقطاب الدولي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي الا ان بروز حركة عدم الانحياز كتجمع لتلك الدول بقيادة مصر ويوغسلافيا والهند ساهم ايضا كعامل مهم في رسم السياق العام لتلك الفترة.
كل هذا مقدمة، قبل التعرض لموضوعنا (ناصر 2014) وهو الحالة الشائعة في مصر الآن ـ وربما خارجها أيضا ـ التي تعقد المقارنات بين جمال عبد الناصر والمشير عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع المصري والمحتمل ترشحه لرئاسة الجمهورية. نعم هناك كثير من أوجه الشبه بين حالة مصر الآن وحالها قبل ستة عقود من حيث اهتراء مؤسسات الدولة وشبه انهيار الطبقة الوسطى في ظل تركز الثروة لدى قلة في الأعلى ومعاناة بقية الشعب شظف العيش. وينظر الناس إلى المؤسسة العسكرية على أنها ربما كانت الوحيدة من مؤسسات الدولة التي لم تهترئ تماما خلال العقود الأخيرة. وما زال كثيرون في مصر يرون في موقفها خلال احتجاجات يناير وفبراير 2011 وبنهاية حكم الاخوان وتحديدا في الموجة الثانية من الاحتجاجات في 30 يونيو 2013 انحيازا للشعب. لكن المشكلة الأساسية ان استعادة صورة ناصر في عام 2014 و”تلبيسها” للمشير السيسي يحمل مخاطر كثيرة، وليس فقط لا يستقيم منطقيا.
فلا الظرف التاريخي يماثل ما كان عليه العالم بداية الخمسينات من القرن الماضي، ولا البلاد ذاتها في وضع انتقال (من ملكية إلى جمهورية أو من احتلال إلى استقلال)، حتى إن مفاهيم الوطنية وغيرها شابها الكثير من “التخفيف” نتيجة التطورات المتسارعة في العالم والتي “تخفف” من ثقافة البشرية بشكل عام. يقول المثل الشائع أن التاريخ لا يكرر نفسه، وإن تكرر كان مسخا مشوها، وفي حالة ناصر لا يقتصر الأمر على عدم تكرار الظرف التاريخي فحسب بل إن فكرة القائد الزعيم ذي الكاريزما لم تعد ممكنة في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. حتى لو كان الشعور الجمعي للمصريين يتطلع إلى “مخلص” على طريقة الناصر صلاح الدين أو ناصر/جمال أو ناصر/السيسي، فذلك غير ممكن بل يكاد أن يكون مستحيلا. مع ذلك، يصعب ألا يستحضر الناس ناصر 2014، في شخص المشير السيسي أو غيره، لكن ذلك يبقى في إطار التفكير بالتمني ليس أكثر.
ما تحتاجه مصر الآن هو موجة أخرى من التغيير، تحفز الناس على أخذ زمام الأمور بيدهم ـ أيا كان حاكمهم ـ مدركين أن بلادهم في وضع مترد وتحتاج إلى جهد الجميع، ولا ينتظر أحد من أحد في فترة البناء تلك أن يملك عصا سحرية يحقق له بها ما يتمناه. ولا أتصور أنه حتى لو جيء بفرعون ليحكم مصر الآن فلن يستطيع ـ وحده كفرد مهما امتلك القوة والثروة ـ أن يلبي طموحات شعبه ويعيد بناء بلد تم تجريفها على مدى عقود. الأمل هو في هذا الشعور الجماعي بضرورة التضحية وتحمل المسؤولية بدلا من “مبايعة المخلص” حتى وإن كان ليتركوا للأجيال القادمة بلدا يستعيد بعض أمجاد سالفة.

إلى الأعلى