الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 م - ٤ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / لماذا لم يدقوا الخزان؟!

لماذا لم يدقوا الخزان؟!

علي عقلة عرسان

أكثر من خمسين جثة لبشر من لحم ودم، بشر لهم آلام وأحلام وآمال، معظمهم من السوريين، بينهم عشرة أطفال، وجدت في صندوق شاحنة صغيرة، تستخدم لنقل اللحوم، لا تتجاوز مساحتها ١٠م٢ تقريبًا، وذلك في يوم الخميس ٢٧ آب/أغسطس ٢٠١٥، كانت متوقفة على جانب طريق سريع، بين منطقتي “نوي سيدل” و”بارندورف”، بمقاطعة بورجنلاند، بجنوب النمسا. في هذا الصندوق العجيب وُضِع أكثر من خمسين من الأشخاص، الفارين من الإرهاب، والرعب، والجوع، والحرب، والظروف القاسية في بلدهم.. لقد أجبرتهم الأوضاع على الهجرة.. خرجوا ينشدون الأمن والحياة، أو الحياة بأمن من جوع وخوف، وكل منهم يزرع في قلبه بذور الأمل، ويترك وراءه من يعلقون عليه الأمل.. لقد تراكموا في صندوق شاحنة نقل اللحوم ذاك، ليتجاوزوا صربيا، ويصلوا إلى النمسا، وربما كانوا من العابرين لمقدونيا في ظروف معروفة للجميع.. ومن هناك، في الشحنة المخنقة.. لم يكن ثمة “بعد.. ولا هناك..”، فأولئك الذين طلبوا الحياة والأمن في بلد آخر، غير بلدهم المنكوب بما لا يوصف من ويلات، وفساد، وإرهاب، وفوضى، وحروب، وفِتن.. ماتوا غرباء، لم تبتلعهم الصحراء، ولا ابتلعهم بحر الماء، لاقوا حتفهم شأن مئات آلاف السوريين من “المهاجرين؟!”، الذين تركوا بلدهم لمصير شبه مجهول، وكان مصيرهم كمصير كثيرين غيرهم.. لكنهم ماتوا ميتة غريبة، في أرض غربة، ودولة غربية.. وأضيف مصيرهم إلى قائمة الغريب من المصائر والحوادث، لتتضخم تلك الغرائب وتزداد واحدة.
لقد هز هذا الحدث وجدان كثيرين، كما هزت الوجدان قبله حوادثُ غرق الآلاف من السوريين وغيرهم، في مياه البحر الأبيض المتوسط وبحر مرمرة.. وفي أماكن أخرى، حيث يتاجر بعضُ أناس بأرواح أناس، وينقذ بعضُ ناس أرواح أناس، ويتألم أناس فيهم الخير لمعاناة الناس.. في ثنائية الخير والشر المستمرة، ما استمر ليل ونهار، سلم وحرب، ظلم ونضال ضد الظلم، قهر وتمرد على القهر، فقر وتحد للفقر.. إلخ.
لم يستجب سائق الشاحنة لنداء المكوَّمين في داخلها، لحمًا حيًّا.. ربما لم يسمع أصوات استغاثة، وربما كان يريد الوصول بسرعة، والتخلص من حمولته بسرعة، وقبض مستحقاته المالية بسرعة.. وربما، وربما. إنه شخص لا نعرف له اسمًا حتى الآن، ولكنا نعرف وندرك أن لكل من أولئك الضحايا الواحد والسبعين اسما، وقلبا، وحلما، وأملا، ووطنا.. نعم وطنا، لكنه وطن لم يسمع صوته، ولم يشعر به يتململ، ويتكلم، ويتألم، ويغضب و.. ولكل منهم قصة حياة ينغز شوكُها بؤبؤ العين، فيقفز القلب في الصدر من النغز وخطر النغز، حرصًا على البصر والقدرة على الرؤية، وتخلصًا من الألم، ومن نغز في حواس الجسد يؤذي كنغز الشيطان النفسَ والروحَ وربما أكثر، ولا يسلم منه المرء، ولا يرحم.
ما زلت أعيش بعض تفاصيل ذلك الحادث المرعب، وأحاول أن أتخيل تراكم أكثر من خمسين جسدًا، في فضاء خمسة وعشرين مترًا مكعبًا، هو حجم (وليس مساحة) شاحنة نقل اللحوم؟! وأحاول أن أضع الأطفال العشرة، تصورًا، في مكان بين هذا الحشد الضخم من الأجساد، وكيف سيكون حالهم هناك.. وأكاد أسمع بكاءهم، وصراخ ذويهم وهم ينادون بأعلى الصوت سائقًا يمضي بسرعة في الطريق السريع، ومن ثم أسمع صراخًا أعلى، فأعلى، فأعلى.. ثم أدخل لحظات الصمت الرهيب، سكون الموت المهيب.. كيف كان الناس هناك، وكيف كنت يا تُرى أكون؟! لا بد أن السائق سمع الصوت أخيرًا، وإلا لما توقف على جانب من الطريق السريع.. وربما أنه تجاوز مفازات خطرة فأراد أن يطمئن على حمولته من اللحم البشري الحي؟! ولا بد أنه فتح الباب الخلفي للشاحنة ليستطلع الأمر، ولا بد أنه رأى الجثث فدهش حين لم يسمع صوتًا ولا رأى حركة، فأدرك ما جرى، وفر إلى مكان ما.. إنه يهرب طلبًا للنجاة، ولكن الذين طلبوا النجاة بأنفسهم من جحيم بلدهم، لا يستطيعون الهرب، وها هم لم يتمكنوا من الوصول إلى بر أمان وهم أحياء، بل إلى راحة “أمان” الموت، الذي حاولوا الهرب منه.. ولكن..
لم يكن شأني مع ركاب الشاحنة أولئك، يختلف كثيرًا عن شأني مع ركاب المراكب الهشة، التي تَغْرَق أو تُغْرَق في عرض البحر، وهم يتقافزون من موت إلى موت، مع فارق هو “فسحة أمل”.. أمل بأن تنقذ السباحةُ ماهرًا في السباحة، أو تُنقذهم أطواقُ نجاة، يلقيها لهم من يراقبون مراكب الهجرة غير شرعية. لقد كانت تلك الحوادث وما زالت، مسلسلات رعب مستمرة منذ واحد وخمسين شهرًا، يعيشها السوريون خاصة، ومسلسلات انهيارات متنوعة الأشكال، والأنواع، والمستويات.. تعيشها أقطار عربية، منها سوريا بطبيعة الحال، خلال سني عمر “ربيع الشجون العربية” الرهيب، الذي ما زال يتفتح جراحًا تنزف، وينشر شقاء يُمْرِع: ضعفًا، وتآكلًا، وتهافتًا، في وطننا العربي العزيز..؟! لكن الاختلاف، بشأن حادث شاحنة الجثث تلك، وغيره من الحوادث الكثيرة، هو في الإيحاء، وفي ما استعادته الذاكرة من حوادث مؤلمة، فظيعة وغريبة، مشابهة نوعًا ما، ليس في التفاصيل وإنما في المآلات.. منها ما عايشته بنفسي، ومنها ما رواه الكبار للصغار، ومنها ما سجله الأدب والفن، أو استلهماه من واقع، يبقى أكبر وأقسى وأشد من كل ما سجله الأدب والفن.. وكنت ممن ساهم بشيء من ذلك. وهي حوادث حملت في جذورها معاناة شعبٍ طُرد من أرضه بالقوة، وانتزعته المذابح، وأنواع الإجرام، والإرهاب العنصري الصهيوني، من وطنه، وأرضه، ومزارعه، وبيوته.. وعاش المعاناة المرة في الشتات وفي المخيمات.. واضطر أبناؤه إلى الهجرة بعد الشتات، طلبًا لحياة أفضل، ولأمن من جوع وخوف.. بعيدًا عن القهر، والفقر، والرعب، والموت، وفرارًا من بؤس المخيمات، والشقاء المجسد فيها.. شعب عانى وما زال، هو الشعب الفلسطيني.
وأذكر من ذلك ما حدث في “صهريج” الروائي غسان كنفاني، الذي تحدث في روايته “رجال تحت الشمس، أو رجال في الشمس”، عن ثلاثة أشخاص، من فلسطين، لكل منهم دوافعه “للهجرة” الثانية أو الثالثة، كانوا يقصدون الكويت عبر العراق، تهريبًا، بعد الطرد من فلسطين، على يد عصابات الإرهاب العنصري الصهيوني. وهم: “أبو قيس، أسعد، ومروان، الذين يسعون جميعهم من أجل الحصول على حياة أفضل”. “أبو قيس: عجوز، يخرج مضطرًّا، ليحصل على النقود التي يبني بها بيتًا، ويشتري شجرات زيتون جديدة، مستجيبًا لضغط الحاجة، وحالة الفقر التي يعيشها هو وأسرته”. وأسعد: ناشط سياسي مطارد، هرب إلى العراق، وأراد الوصول إلى الكويت، ليعمل ويكسب ما يسد به دَينه ويتزوج. ومروان: طالب في الثانوي، يترك الدراسة ليعمل ويعول أمه وإخوته، ويقصد الكويت عبر العراق، ليحقق ذلك. أما الذي سيهربهم من البصرة إلى الكويت فهو فلسطيني، “أبو الخيزران”، سائق ماهر، عمل في الجيش البريطاني، وعمل مع الفدائيين فأصيب بقنبلة عطلته.. كان يشعر بأنه قدم كل شيء من أجل فلسطين، لكن فلسطين لم ترجع، فقرر أن يجمع ثروة ويعيش براحة.
كان من المقرر أن يبقى الثلاثة، أبو قيس وأسعد ومروان، في داخل الصهريج، مسافة خمسين مترًا، قبل مركز الحدود الكويتي، وهي مسافة تستغرق، مع الوقوف في المركز الكويتي، سبع دقائق.. لكن السائق “أبو الخيزران”، انشغل في حديث مع الشرطي، الأمر الذي تسبب في اختناق الثلاثة.. ماتوا جميعًا فيما يشبه الاحتراق من شدة الحر، وهم داخل صهريج مخصص لنقل الماء، قبل أن يتحقق أملهم في تجاوز الحدود بين البصرة والكويت، بالاتفاق مع أبي الخيزران. لقد حدث ما حدث، ومات الرجال في الصهريج، تحت الشمس.. وبقيت ترن في الأذن بدهشة تشبه القتل، كلماتٌ قالها أبو الخيزران: “لماذا لم يدقوا جدران الخزان”؟!.. ولكن كيف يدقون تلك الجدران، وهم في المركز الحدودي الذي دخلوا الخزان، “الحمّام التركي؟!”، لكي يتجاوزه بأمان، فتجاوزوه موتى، أو تجاوزه بهم الموت؟! ويبقى تساؤل مرفوع ومرتفع به الصوت: “هل من رمزية للجملة “لماذا لم يدقوا جدران الخزان”، أو دقوا جدران الخزان”؟!.. هل هناك رمزية أبعد من خوف، بل ذهول أبي الخيزران، والتماسه لتبرير ما ولو كان غير مقنع، أو تحريضه على فعل، رغم الخطر، وهو الفعل الخطِر؟!
ذلك نوع من أسئلة يشاكه أسئلتنا في مأساينا، أو مآسينا في أسئلتنا، تلك التي تنزّ مرارة، وتشف عن قنوط، وتتكرر كل يوم، ونقاربها كل في كل وقت.. وهي أسئلة ومآسٍ لا ينفع معها الصبر، ولا يجدي معها الكلام، ولا رادّ لها فيما يبدو.. لأن الذين يتسببون بها، والذين يصنعونها، ويراهنون على مضامينها ومراميها، ويتَّجرون بها، والذين هم ضحاياها.. دخلوا أو أُدخلوا فيما يشبه عقدة الأفاعي، وبما هو أفظع وأبشع بكثير، مما في مضمون، وواقعية، ورمزية، أندريه مورياك، صاحب رواية عقدة الأفاعي.
لم يحتمل بعض المسؤولين الدوليين خبر الفاجعة الذي حملته تلك الشاحنة، فعبر بعضُهم عن صدمة، أو ألم، أو شعور بالخطر والمسؤولية، لا سيما أنجيلا ميركل مستشارة ألمانيا التي قالت: “لقد صدمنا جميعًا بالأنباء الفظيعة بشأن العثور على ما يصل إلى 50 شخصًا، فارقوا الحياة، رغم أن هؤلاء الأشخاص كانوا قادمين للحصول على الأمان. إنه تحذير لكي نبدأ العمل، ونحل هذه المشكلة، ونبدي تضامنًا”. ولم يكن مسؤولون آخرون بمنأى عن التعبير عن حالات وتوصيف لها.. حالات تثير الأسى، وتحفز البعض على السخط، وتطلب من الأوروبيين خصوصًا معالجات وقرارات، لأنهم المستهدَف الأكبر بالهجرة غير الشرعية، وبتوجه آلاف السوريين على الخصوص، الذين يقصدون بلدانًا أوروبية لأغراض شتى، على رأسها طلب الأمن في الحياة، والحياة بأمن، والبحث عن فرص عيش، فيها آفاق، وأبواب أمل مفتوحة أو شبه موارَبة.
في الأمم المتحدة، ومنظماتها المعنية، ومهامها وأدوارها ووجباتها، المرتهنة بسياسات الأقواياء، المتنازعين على السيطرة العالمية والنفوذ والهيمنة والمصالح، وليس على البقاء من حاجة.. في تلك المنظمة الدولية ذات الأفرع المختصة.. يعبر المسؤولون عن مواقفهم وآرائهم، وعما يلاقونه من صعاب، فيما يتعلق بالوضع الإنساني في سوريا، وفيما يتعلق بالحلول السياسية للأزمة/الحرب/الفتنة/الكارثة.. السورية، أو في سوريا..
لكن صوتهم يبقى صدى للفراغ، والفراغ أو خواء السياسي الماثل في جهودهم، يتردد صدى في أرجاء المعمورة، ولم يعد مما تلتقطه أسماع السوريين على الخصوص، لفقدانهم الأمل بالمنظمة العتيدة.
فلا ديمستورا على الخط السياسي، والحل السياسي للأزمة، بمبشر بخير، ولا الصوت الإنساني الذي رفعه بقوة وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق شؤون الإغاثة الطارئة “ستيفن أوبراين”، ودعا فيه مجلس الأمن الدولي إلى ممارسة مزيد من الضغط على أطراف القضية السورية، بغية التوصل إلى حل سياسي، بمبشر هو الآخر بخير.. نظرًا للوضع الإنساني المأساوي، ولشدائد كثيرة بعد شدائد كبيرة، بالنسبة لسوريين كثر، داخل البلاد وخارجها. “يقلق منها الأمين العام بان كي مون، وليس في يده سوى القلق”. لقد أعرب أوبراين يوم الخميس ٢٧، آب/ أغسطس عن “الغضب والحزن العميقين لأننا كمجتمع دولي لم يُسمح لنا، ولم نكن قادرين، على بذل المزيد من الجهد لحماية السوريين، الذين باتوا أكثر من أي وقت مضى، في حاجة للحماية. إنني أحث أعضاء المجلس على بذل ممارسة القيادة للضغط من أجل التوصل إلى حل سياسي.. إن العمل الإنساني لا يمكن أن يكون بديلًا عن العمل السياسي، ويتعين على المجلس ممارسة الضغط من أجل التوصل إلى حل سياسي”.. باسم الأمن والإنسانية، إننا بحاجة إلى إيجاد طريقة أفضل، وأكثر استدامة إلى الأمام.. لتقاسم العبء في استضافة اللاجئين السوريين بالبلدان المجاورة”!!
فهل يُسمع هذا الكلام يا تُرى، بمعنى أن يكون مؤثرًا، وفاتحًا لدروب عمل، تعطي البائسين اليائسين، بعض الأمل؟! نسأل الله تعالى ذلك.
إنه نعم المولى ونعم النصير.

إلى الأعلى