الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شرعنة على الطريقة الأوسلوية!

شرعنة على الطريقة الأوسلوية!

من عجائب مسرح اللامعقول الفلسطيني المزدهرة مفارقاته على خشبة راهنه الأوسلوي، أن يبادر ممثلوه المحترفون الآن بالذات فيرفعوا عاليًا شعارًا من مثل: “تجديد شرعية منظمة التحرير وحمايتها من الأخطار الداخلية والخارجية التي تتهددها”. هنا تبلغ كوميدياه السوداء ذروتها…لماذا؟! لأن كافة نظَّاره ومشاهدي خشبته الغرائبية بلا استثناء، وعلى اختلاف مشاربهم ومواقفهم وقربهم أو بعدهم منهم، يدركون ولا تخفى عليهم حقائق ثلاث لم يبقِ واقع الحال الفلسطينية من يجادل فيها، وهي:
أولًا: إن رافعي هذا الشعار هم أنفسهم منتهكو شرعيتها الدائمين، منذ أن سطوا ذات يوم في غزة وبين يدي كلينتون على ميثاقها فعبثوا به ملغين منه بنودًا ومستبدلين أخرى ليحوِّلوها من منظمة تحرير إلى مجرَّد أداة تمرير، أو شاهد زور، دوره فحسب أن يُستدعى عند الضرورة لكي يبصم لـ”يشرعن” ما يُقترف من خطايا تنازلية من شأنها الإضرار الفادح بالقضية، وأن يشكّل انتهاكها لثوابت النضال الوطني مزيدًا من الإسهام في ضرب الوحدة الوطنية.
ومن حينها، بل ومنذ أن بدأوا جنوحهم التصفوي ومسيرتهم التنازلية وانتهاجهم لمسربهم التفريطي، صودرت المنظمة لصالح سلطة “أوسلوستان” في ظل الاحتلال، والتي باتت موضوعيًّا لا من دور لها ولا من وظيفة إلا ما أراده الاحتلال لها، أي تحوَّلت بفضل من مقدَّسها التنسيق الأمني معه، وباعتراف متنفذيها، إلى مجرّد أداة أمنية في خدمة أمنه فحسب، والأدهى أنهم حوَّلوا المنظمة إلى ما هو الأعجز من سلطة طوَّعتها وباتت صاحبتها.
وثانيًا: إن رفع هذا الشعار، أو هذا الحق المراد منه باطلًا، بالتوازي مع استقالات تكتيكية لثلث اللجنة التنفيذية غامضة الإخراج، بمعنى أنها استقالت ولم تستقل تمامًا على طريقة استقالات حكومة الحمدالله المعروفة، أي نفيت من قبل أمين سرها الأحدث صائب عريقات وأُكِّدت من عديد المستقيلين أنفسهم في نفس الوقت، أمر لا يهدف إلا إلى التحايل لتوفير حيثية قانونية يُلتف بها على المادة الرابعة من قانون المجلس الوطني لاستدعاء بقاياه من سباته البعيد العهد، وهو المنتهية ولايته والمركون جانبًا لما قارب العقدين، ولعقد جلسة استثنائية، وليست عادية، لها مهمتها المحددة التي تقتصر فقط على ملء شواغر التنفيذية لا أكثر، وبالتالي إعادة إنتاجها، أو استنساخها، بعد إخراج من يراد طردهم من جنتها واستبدالهم بمن يتوفر فيهم المستجد من مواصفات تروق راهنهم وأكثر انسجامًا وتكيُّفًا معه… هذا يعني جلسة بلا جدول أعمال سوى ترقيع هذه التنفيذية، أي بعيدًا عن المراجعة والمحاسبة، وبلا تقارير مستوجبة حول منجزات عزَّ وجودها وكوارث طفَّت وعمَّت بركاتها، أو تدارس لبرامج مفترضة أعدت وتقدم فيها تحسبًا أو استعدادًا لما هو آت من الأيام… استثنائية، وفي ظل احتلال، وبمن حضر، وأُريد لها أن تعقد خلال مدة زمنية قصيرة، تجعل هؤلاء “البمن حضر” يقتصرون غالبًا على جماعتهم، ومن يمونون عليهم، ومن يريد أن يحضر من المقيمين في كنف أوسلوستانهم، أي وفق فتوى لتيسير قبعة، نائب أبو الأديب رئيس المجلس، التي أجازت مثل هذا الانعقاد باللجنة التنفيذية نفسها ومكتب المجلس ومن قد يحضر من الأعضاء… الأمر الذي اعتبره أحد أهم القانونيين الفلسطينيين، وواحد من مؤسسي المنظمة، ورئيس لجنة وضع ميثاقها وأنظمتها، ورئيس اللجنة القانونية في المجلس الوطني سابقًا، أي قبل أن يستقيل احتجاجًا على العبث بميثاقها، هو الدكتور أنيس مصطفى القاسم، لا قانونيًّا ولا شرعيًّا قطعًا، بعد أن فنَّده ورأى فيه تجاوزًا والتفافًا يقتضي رفضه وعدم إجازته أو تبريره بحال من الأحوال… لاحقًا أعلن أبو الأديب أنه سوف يدعو لجلسة عادية لكن إذا لم يتوفر نصابها (المحال توفره) فسيعقدها “مصغّرة”!!!
وثالثًا: إن تجديد شرعية المنظمة لا يتم إلا بإعادة الاعتبار لميثاقها الوطني الأصل، وإعادة بنائها على أسس ديموقراطية، وبمشاركة كاملة من كافة ألوان وأوجه الطيف النضالي الوطني، فصائل وهيئات، وطنًا وشتاتًا، ودونما شائبة استثناء لأحد، واعتماد استراتيجية مقاومة بكافة أوجهها المتعددة والمتاحة، وهذا يعني بالضرورة العودة القاطعة عن المسار التساومي التصفوي، والطلاق الكامل مع النهج الأوسلوي التنازلي والتفريطي المدمِّر وما ترتب عليه…أو أقله الالتزام باتفاق القاهرة لإعادة بناء المنظمة، وإيقاف التنسيق الأمني مع العدو، والتوافق على برنامج حد أدنى وطني مقاوم هو وحده الكفيل بإعادة اللحمة الوطنية التي فعلت بها أوسلو أفاعيلها.
…هناك تسريب لمحضر تم نشره وقيل إنه لاجتماع ضم رئيس السلطة وكبير مفاوضيها ورئيس استخباراتها، وهو إن صح أو عكسه، فما ورد فيه ينسجم مع واقع حالهم، وفيه ما يفسِّر لنا هذا المستجد في هذا اللامعقول الأوسلوي، إذ يكشف عن تقدير موقف قدمه الأخير، فحواه أنهم قد اكتشفوا أخيرًا ما كانت جداتنا يعرفنه سلفًا وتوقعنه منذ أن بدأت المصيبة الأوسلوية، ومنه، أن الكيان الصهيوني “يريد سلاما اقتصاديا” لا أكثر، وحتى هذا “غير موجود”، وإن الأميركان يخدعوننا، ونصًّا “كيري كذاَّب”، و”لم يعد يتصل بنا”، و”رحبنا بنقاط فابيوس العشرة، وهي أدنى بكثير من الحد الأدنى، ولكن إسرائيل رفضتها”… وصولًا إلى أن “الإسرائيليين بعد كل ما قدمناه هم الآن غير مقتنعين بنا وأخذوا قرارًا بإنهاء حقبتنا”، وهذا هو حال الأميركان، وبالتالي كلاهما “أشعر بلير بذلك، فتحرك على جبهة حماس”.
…مستجد عجائب مسرح اللامعقول الأوسلوي الفلسطيني يشي بأن ممثليه لا نية لهم ولا قدرة لديهم لتغيير نهج سلكوه أو عودة عن مسار اختاروه ولا يبتغون بديلًا له… وعليه، يكررون تليد استحضار المنظمة من على رف الإهمال عندما يحتاجونها لشرعنة ما لا شرعنة له بما هم أصلًا قد ضربوا شرعيته.

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

إلى الأعلى