الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / كلمات : بلاد العرب أوطاني

كلمات : بلاد العرب أوطاني

كان والدي رحمه الله قد رتب أمور سفره إلى مدينة القدس وهو الذي عشقها غيبا، ودعنا في الثالث من يونيو 1967 متجها إلى مدينة عمَّان عاصمة الأردن على أن يمكث فيها يومين أو ثلاثة قبل المغادرة إلى المدينة المقدسة ..
لم أرَ فرحا على وجهه مثلما رأيته في ذاك الوقت، ركب السيارة إلى دمشق لقضاء يوم فيها، ثم عرفنا لاحقا أنه التزم في مخطط سفره، فاتجه إلى العاصمة الأردنية في اليوم الثاني، ومن محاسن تلك الأيام أن اللبناني لم يكن بحاجة إلى جواز سفر كي يصل الأردن، بطاقة هويته كانت تكفيه.
تجول في المدينة الجديدة وكانت عمَّان قليلة المساحة والعدد السكاني في تلك الأيام أيضا، لكنه كان يكتشف جزءا آخر من عالمه العربي الذي أحبه وجعلنا نحبه، بل لكثرة ما قرأ لنا عنه أسقط فينا هواه.
كان الواقع العربي ملبدا بغيوم الصراع ضد إسرائيل، فقد كان جمال عبدالناصر قد طرد قوات الأمم المتحدة من صحراء سيناء، وبدت تلك الأيام بساعاتها .. ويوم الخامس من يونيو، أفقنا لنسمع تاريخا جديدا عنوانه الهجوم الإسرائيلي على مصر وعلى مطاراتها تحديدا، أما الإذاعات المصرية فقد بالغت آنذاك بعدد الطائرات الإسرائيلية التي تم إسقاطها، لكن كارثة كانت قد وقعت في الطائرات المصرية الجاثمة على أرض المطار حين دمر أكثرها ..
المهم في الموضوع أن الأردن تدخل أيضا في تلك الحرب، ووالدي كان عازما على السفر، لكن أصحاب سيارات النقل نصحوه بالانتظار؛ لأن الوضع على الحدود غير سليم وهنالك منع انتقال، فتحول فرحه بالسفر إلى أقدس المدن تعاسة، ثم عاش حيرة المكان، فهو لم يعد قادرا على السفر إلى فلسطين، وغير قادر على العودة إلى بيروت.
تتالت الأيام فإذا به يستيقظ يوما على لاجئين فلسطينيين ملأوا عمَّان، وقد تناهى إلى أسماعه أيضا أن جيش الاحتلال الإسرائيلي احتل القدس أيضا فأصبحت المدينة بكاملها في عهدته. هنا أسقط في يده تماما، فقرر العودة، ومن المؤسف أنه عاش على أمل أن يعود إلى المدينة المقدسة، لكنه لم يستطع بعدما أغلقت بوجه العرب أجمعين، وتوفي وفي حلقه وقلبه غصة اسمها القدس.
كان رحمه الله مولعا بالتاريخ العربي والإسلامي تحديدا، لا بد أن يكون له تأثير علينا في علاقتنا بالعروبة، وفي الصحوة العربية التي عشناها خصوصا في الستينيات حتى ذلك يوم المشؤوم الذي احتلت فيه إسرائيل أراضي عربية. من هنا ولدت عندي تلك الالتصاقة بكل ما هو عربي، ويوم بدأت السفر إلى هذا العالم العربي، كان الأمر فاتحة حياة جديدة، أثرت تاريخي وأيقظت في نفسي المزيد من الحنين إلى عالم يعيش قطريته بانسجام مع ذاته، فيما حقيقته التاريخية أنه أجزاء مبعثرة يتطلب الأمر إعادة تكوينها على قاعدة الوحدة كي تكون قوة كبرى لا تتزعزع، ولا تنحني، فليس هنالك عبقرية مكان شبيهة بما للعرب، وليس هنالك من خير موزع بمثل ما هو موجود في أرض العرب.
ـ لكل نكهته
بدأت زياراتي بسوريا وهي الأقرب إليَّ، كنت عاشقا لدمشق عن بعد فصرت متيما بها لاحقا، تلك المدينة التي لم تكن كبرت واتسعت في تلك الأيام، كان واضحا أنها في الطريق لأن تتضاعف مساحتها حين بدأ الهجوم الريفي عليها. كنت أتجول في دمشق القديمة، وهي روح المدينة، أتأمل كيف يعيش الناس مع تاريخ منتقل من جيل إلى جيل، مع مكان له سحره، فكيف مثلا عاش فيه قادة كبار مثل معاوية بن أبي سفيان وكيف كان يتنقل إلى هذا الجامع الرحب .. ثم ذلك القائد صلاح الدين الأيوبي الذي وقفت قرب ضريحه وأسترجع في ذاكرتي انتصاره الأكبر في حطين، وكيف غيرت تلك المعركة واقع المنطقة والإسلام. وبعده ضريح القائد المسلم الظاهر بيبرس ومعاركه الكبرى .. وحين أتعب من التجوال كنت أذهب إلى مقهى شعبي اسمه النوفرة أتناول فيه كأس الشاي الساخن، لأبدأ من جديد جولة في المكان الذي يعبق فيه تاريخ عظيم جله إنساني.
ما زلت إلى اليوم مسحورا بتلك العاصمة العربية التي كانت محاطة بغابات من الأشجار، وبنهرها الصغير بردى. لكني حين زرت بعدها القاهرة، رأيت كيف تكون الأنهار على حقيقتها، فلقد وقفت طويلا على شط النيل أتأمل عرضه ومياهه وأتساءل: كم عرف من أحداث وكم كتب على صفحة مياهه من تواريخ؟ .. كنت مسحورا بالنهر الخالد الذي واكب الحياة المصرية، فكان سجلها الأمين.
هنا الحسين والسيدة زينب والغورية وكل أسواق لها مسحة الماضي العريق، تكاد القاهرة في تلك الأوقات أن تكون واحة من التراث الكاشف لهوية من مر عليها، فحين شاهدت الأهرامات أصبت بالهلع مثلا أمام حجارة متراصة رفعت شكلا عظيما خلد خلال الدهر .. كان الزعيم الراحل عبدالناصر قد جعل من بلاده مصر منارة العالم العربي، جعلنا نحبها أكثر من مسقط رأسنا، نترنم على إيقاع كلماته المصاغة بلهجة عشقنا إيقاعاتها، فلقد كانت اللهجة المصرية محببة لنا، وليس من لهجة أخرى نعرفها مثلها، فقد كانت أم السينما، وأم الكتاب، وكانت سيدة الغناء، وقد كان هنالك محمد عبدالوهاب وأم كلثوم وعبدالحليم حافظ وأسماء مختلفة من الممثلين المعروفين والمشهورين في زماننا، فكيفما كنا مع مصر كانت اللهجة الخاصة تلاحقنا.
كانت مصر نكهة خاصة نتذوقها على مر اليوم إن فتحنا الراديو أو سمعنا أغنية أو تلقينا خطابا منها، فسيطرت على عقولنا، وحين شاهدتها لأول مرة كما قلت، أسقط في يدي من شدة سحرها وقوته على نفسي.
أما الجزائر، فكنت منذ أن حملتني الطائرة إليها وأنا أفكر بمناضلتها جميلة بو حيرد، هكذا تربينا، الجزائر بالنسبة إلينا نضال وتضحية وصبر وعزيمة، وهي أيضا أحمد بن بله وهواري بومدين ورابح بيطاط وغيرهم، فكيف بالتالي أحيد عن فكرة تربيت عليها، بل أسرني فيلم جميلة الذي مثلته ماجدة ودفع في شبابي الصغير إلى طلب الالتحاق بالثورة الجزائرية التي لم تكن بحاجة لمن هم مثلي وفي سني فقد كان شعبها كافيا لها تماما.
نزلت العاصمة الجميلة أبحث عن جميلة، وهذه المرة كان اسم مكان كثيرا ما قرأت عنه باعتباره كان ملتقى ألبير كامي وجان بول سارتر وعديد من المثقفين الآخرين. وفي شارع ديدوش مراد جلست في مقهى لوتس أنتظر صديقا سيكون مفتاحي في الزيارات المتعددة.
أغنت روحي الجزائر، لكني لم ألتقِ بجميلة بو حيرد، فيما شاهدت ضاحية جميلة ورأيت المقهى الذي عرف زيارات من مروا عليها من كتاب.
أما تونس فقد هتف لها قلبي حيث دخلت في نسيجها، فزرت القيروان والمهدية وسوسة وأهم مدنها التاريخية وهي تستور، وبالطبع سحرتني العاصمة بجامعة الزيتونة وأسواقها، وأعجبني بيت الشعر الذي ترأسه الشاعر الصديق أولاد أحمد .. شعرت في مدن تونس بأني أمام شعب علماني النزعة، بعدما أثر فيه الحبيب بورقيبة .. لكن البيوت أسرار، وفي البيوت تختبئ الحقيقة الشعبية التي نجهلها أحيانا، فقد كانت تونس عائمة على ما صارته لاحقا، لكننا لم نشعر به سوى أنها كان اسمها تونس الخضراء السياحية، وكلمة سياحة تعني مصطلح العلمنة.
مكثت في الأردن أعواما وأياما، أحببت هذا البلد وصار لي فيه حظوة، والذين لم يتعرفوا عليه بعد، عليهم زيارته لأنه مليء بالمشاهد المؤثرة التي لا ترى إلا فيه، إن في البتراء التي هي من عجائب الدنيا، أو في وادي رم الذي لا يشبهه صحراء، أو في بقية الأماكن السياحية المعروفة والشهيرة وخصوصا الدينية منها مثل مأدبا وغيرها.
أما سلطنة عمان فكانت وما زالت بالنسبة لي عالم السعد والركن الهادئ والمحطة التي أتعلم فيها تجربة خاصة لم أجدها في مكان عربي آخر. تدهشك السلطنة بواقعها الجغرافي المدهش، بتضاريسها الشاهدة على عظمة المكان وعبقريته، ولهذا نجد شعبا مسالما يتقن لغة الهدوء والصبر؛ لأنه تأثر بصورة المكان الذي تربى فيه وعاشه بتفاصيله الجميلة. فعُمان التي رأيتها ومكثت فيها شهورا، سيطرت على نفسي أكثر من أي مكان عربي، وأشهد لذلك البلد أنه علمني كيف أتنفس الراحة والهدوء والاستقرار والنظام، وهو ما ليس موجودا في أي مكان آخر .. كما علمني خيار الصبر الذي ليس من نعم المشرق العربي الذي يعيش على السرعة والتسارع والتجاوز وما إلى هنالك. كما أني تأثرت شديد التأثر بالنص الشعبي العماني بكل موروثاته، وسلبتني أغانيه بكل أشكالها الوطنية والعاطفية وغيرها ما كنت ترنمته، لكن إيقاعاتها الفولكلورية نالت مني بعدما تعرفت إلى تفاصيلها الصعبة وتمايزها بين مكان عماني وآخر. وأهم من هذا وذاك، التصقت بالتجربة السياسية العمانية فبهرني خصوصيتها والأسلوب الخاص للحكم .. من لم يزر عُمان لن يتعرف على واقع جديد نما بعيدا عن ضوضاء العرب والغرب مستفيدا من كل تجربة حية، ولهذا تبدو حيويته صورة ناطقة لا يصعب كثيرا التعرف عليها.
ليس هذا كل عالمنا العربي، فلقد كان لي في العراق حياة ومن يشرب من دجلة يعُدْهُ دائما .. ولهذا يبدو حزني شديدا على حياة العراقيين قياسا بالأيام الخوالي حيث السيطرة الكاملة على حياتهم مع تأمين سبل العيش الكريم لهم .. وأما ليبيا التي عرفتها، فلا أريد خدش مشاعري تجاهها بعدما وصلته من فوضى ودمار وموت وقتل وسحل .. كانت ليبيا واحة راحة حقيقية .. ومثلها اليمن الذي أحببت عاصمته بعدما تأملت طويلا العيش فيها، فأنا مأسور بالأماكن التراثية، تسحرني لفتات الماضي التي يتم اليوم تدميرها سواء في سوريا أو في العراق أو في ليبيا.
مهما غالينا في قطريتنا فنحن في النهاية أبناء أمة واحدة أينما ذهبنا فيها نستمتع برنة لغتنا العربية، وبالإسلام المنتشر، وبالروح الأصيلة العربية، وبالحنين إلى ذاكرتنا المفتوحة .. سنتغلب ذات يوم على القطرية وعلى القطريين الذين تآمروا على أول تجربة وحدوية بين مصر وسوريا، وما زال هؤلاء يقاومون أي تقارب عربي، ومن المؤسف أنهم عرب أيضا. وسيبقى حلم والدي بالقدس ترنيمة أجيال مؤمنة بتحريرها وتحرير كل فلسطين.

زهير ماجد

إلى الأعلى