الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / “الإيقاع” في ديوان “وصايا قيد الأرض” لسعيد الصّقلاوي ( 2 )

“الإيقاع” في ديوان “وصايا قيد الأرض” لسعيد الصّقلاوي ( 2 )

على شكل البطاقة وبأسلوب التّغريد قدّم سعيد الصّقلاوي مقطوعته: “طاف في خيالي” التي جاءت في ثمانيّة أسطر. كلّ سطر تضمّن نفعيلتين: (فاعلن، فعولن) أي كانت المقطوعة على وزن واحد خاصّ ابتدعه الشّاعر. (16)
لم يتخلّ الشّاعر عن الشّعر العمودي في هذا الدّيوان، لكنّه كان ملتزمًا باختيار الخفّة في النّظم، وتوخّي النّبر في الصّياغة، كلّ ذلك يهيّئُ السّبيل إلى الإيقاع، الذي كان ميسم هذا الدّيوان. فبمجزوء بحر الوافر كتب قصيدته ” خطى “، ذات السّبعة عشر بيتًا. الإيقاع في هذا النّصّ توفّر من خلال ما يأتي:
1 – ركوب مجزوء البحر.
2 – لغة انسيابيّة، حروفها منتقاة بعناية.
3 – تكثيف الصّور الشّعريّة، التي لم تخلُ من رموز موحيّة.
4 – غلبة الجمل الفعليّة في النّصّ، التي تدلّ على الحركة، وهي من مظاهر الإيقاع والنّبر.
5 – الميل إلى استعمال أسلوب التّقابل والتّضاد و..
6 – توفّر النّصّ على كثير من الجمل المتوازيّة في كلماتها.
7 – كثرة صيغ (مفتعل ومنفعل ويفتعل وينفعل) في النّصّ. وكلّها تنتمي إلى نسق واحد صوتيًّا. هذه الرّتابة وهذا التّكرار ولّدَا إيقاعًا، يكون القارئ منتظرَه في القصيدة بعدما يكون قد قرأ بعض أبياتها. فكما يكون الاختلاف في شكل الكلمات والأصوات محدثًا إيقاعًا خاصًّا، كذلك يكون للتّكرار والرّتابة دور في إحداث هذا الإيقاع.
8 – تكرار صيغ معيّنة وكلمات وحروف وأصوات.. عمد الشّاعر إلى إيجاد إيقاع من تكرير صيغة معيّنة، رآها معبّرة عمّا يريده معنًى، وتستجيب لعواطفه نغمًا، وقد ولّد موسيقى رتيبة، تطرب النّفس، وتحرّك الجوارح. (17)
9 – التّقيّد برويّ واحد كامل القصيدة.
10 – التّنوّع في الأساليب: كالاستفهام والتّعجّب والتّقرير.. الخبر والإنشاء…الطّباق والجناس..
11 – يمكن للقارئ اكتشاف إيقاعات متنوّعة من خلال الحروف والحركات التي زخرت بها القصيدة.
هذا التّنوّع في مكوّنات القصيدة كان له دور في إيجاد الإيقاع فيه. مع ملاحظة أنّ هذا التّنوّع لم يكن متكلّفًا ولا متصنّعًا.
هذه بعض أبيات من القصيدة:
بِقلبِ اللّيلِ يشْتَعِــلُ
ورَغْمَ الجّذْبِ ينْهطِلُ

يُوَزِّعُ أُنْسَ بَهْجَتِه
وَلَكِنْ روحَهُ الوَجَلُ

ويَسْكُرُ بالهَوَى، والشِّعْرُ
مِنْ إِحْساسهِ ثَـمـِلُ

يَلُمُّ الـحُزْنَ في فَرَحٍ
وَيَـحْنُو وهــو مُعْتَدِلُ
وَيَهْدِرُ في تصامُتِــــــهِ
وَيَهْدِنُ وهْوَ يَقْتَتِــــلُ

يُداوِي وَهْوَ مَـــجروحٌ
وَيَــحْلُمُ وهْوَ مُنْفَعِــــلُ

وَيُقْطَــــــعُ وهو يتّصِــــلُ
ولا العَثـــــراتِ يَنْتَعِــــلُ

…بِـحُبِّ النَّـخْلِ مَعْجونٌ
وعِشْقِ الأَرْضِ مُنْجَبِلُ؟

مُطـــــاردَةٌ أمانيـه
وَيَــــــمْلأُ يَأْسَهُ الأَمَـــــلُ؟
ِ
لِنــــــورِ اللهِ يَبْتَهِـــلُ
وَبِـــالإِنْســـــانِ يَـــحْتَفِـلُ؟ (18)
” وفي النّاحية العمليّة التّطبيقيّة يجدر بالنّاقد أن يتفحّص حركة الإيقاع والأصوات المشتركة فيه والجمل، ويتوقّف عند ظاهرة التّكرار الحرفي أو الكلمي أو الجملي، ويربطها بالانفعالات وبالموضوع. كما يتوقّف عند ظاهرة التّقسيم في بيت الشّعر أو السّطر التي غالبًا ما ترتبط بتلوّن انفعالي…” (19)
حاولنا تطبيق هذه الملاحظة في قصيدة “إليك تسعى جفوني” التي تعُدُّ ثمانيّة عشر بيتًا، نظمها الشّاعر على بحر (المجتثّ)؛ مجتهدًا في إيجاد إيقاعات من مختلف المصادر والأشكال؛ متعمّدًا التّكرار.. يأتي على رأسها تكرير صيغ معيّنة. مثلا صيغة (فعال) وردت خمس عشرة مرّة. و(فَعْلَة) جاءت فيها إحدى عشرة مرّة. وصيغة (افتعال) خمس مرّات.. وصيغة (فعيل) أربع مرّات. وصيغة (فعول) ثلاث مرّات.. وغير ذلك من الصّيغ، التي تكشف عن رغبة الشّاعر في إيجاد إيقاعات معبّرة مصوّرة، هذه الإيقاعات التي تتضمّن مدودًا مختلفة، تنقل – بصدق – المشاعر المحتدمة في داخل الشّاعر. أكاد أقول إنّ هذه القصيدة هي شعر صيغ، أو نصّ صيغ. إضافة إلى ما تضمّنه النّصّ من أسلوب التّقابل والتّضاد الذي يسهم في إيجاد الإيقاع، كقوله:
فأنتِ نوري وظلِّي
وحضرتي وغِيابي

تسامُـحِي وعِتابي
ومَأْمَنِي وارْتيابِي

وفرحتِي واكْتـــــــــــآبِي
وضِحكتِي وانتِحابِي

إذا تولَّيْــــــــــــتِ عنِّي
فكلُّ ما بِكِ مـا بي

وإِنْ تَـجافيْتِ خَوْفًا
فَخَوْفُكِ العُمْرَ خابِ

صَوابُ حُبِّي جُنونُ
جُنونُ حُبِّي صوابِي (20)
كما كان لصوت الكسرة المتكرّر موصولا مرّة بياء المتكلّم، وأخرى غير موصول، إسهام في هذا الإيقاع المطرب المصوّر المعبّر.
بمعنى آخر إنّ ممّا يسهم في إحداث الجرس؛ لإبراز المعنى المراد تبليغه تكرير الصّوت، فإنّ ذلك يعين على تصوير الموقف، وتجسيمه أو تشخيصه. فالشّاعر يستغلّ الخصائص الصّوتيّة التي تتميّز بها بعض الحروف، فيوجّهها لتكشف عن إيحاءات الصّوت، أو اللّفظة، أو الجمل، أو المقاطع المكرّرة.
يجرّب الشّاعر طريقة أخرى وهو في إحداث إيقاعات، من وحي تجربته الخاصّة، ومن منطلق إعطاء الحريّة لمشاعره كي تظهر بما يتلاءم مع طبيعتها. فنلتقي معه في قصيدته: ” انهلي ” مع تفعيلتين هما: (فاعلن ومتفاعلن). وكأنّي بالشّاعر يتنفّس في بحر الكامل، مع تصرّف في صيغ قصيدته، أي من دون التّقيّد بما يفرضه بجر الكامل؛ بدليل ورود كثير من الأسطر متضمّنة تفعيلة البحر كاملة.
كما أنّ الإيقاع أوجدته رتابة نظم الأسطر، التي غالبًا ما يكون السّطر الأوّل على صيغة (فاعلن) والذي يليه متضمّنًا كلمات أو تراكيب على صيغة (متفاعلن)
ألا ينطبق على ما قام به الشّاعر في هذه القصيدة ما أشار إليه بعض الدّارسين، حين علّقوا بطبيعة الأوزان أو التّفعيلات المختلفة التي كانت مكوّنات البحور الخليليّة، التي كانت كلّها تتوخّى الإيقاع والنّبر. فإنّ البحور التّقليديّة ألزمت الشّاعر أن يتقيّد برتابة الإيقاعات المتولّدة من صيغ رتيبة في القصيدة الواحدة، وشاعرنا سعيد الصّقلاوي، نوّع في الإيقاعات من خلال استعمال تفعيلات مختلفة في القصيدة الواحدة: ” ” إنّ الإيقاع من عناصر الشّعر، وإنّ هذا الإيقاع يعتمد على الوزن الخارجي والدّاخلي من بين ما يعتمد عليه. ولو نظرنا إلى تفعيلات بحور الشّعر لوجدناها متنوّعة تنوعًا ينتج عنه ذاك الاختلاف الموسيقي من بحر إلى بحر، بل ربّما تختلف نغمة البحر الواحد إذا اختلفت زحافات ذلك البحر وعلله…” (21)
انهلي
يا نفسُ من عينِ الرّضَا
وامتلِي
تنجَلِي
أسرابُ همٍّ كالغَضَا
تَصْطَلِي
سَلْسِلِي
رَحــــماتِهِ جداولا

مِنْ وَلِي
وَاغْسِلِي
بالبَركاتِ مُهْجَــــةً
تَـجْتَلِي
رَتِّلِي
آياتِه للمُنْتَهَـــــــــــــى
إِهْدِلِي
واغْزلِي
خَيْطَ الضّيَاء مِعْطَفَا
هَلِّلِي
وانْشِلِي
منْهُ ابْتِسامَاتِ الـمُنَى
جَمِّلِي
واحْفلِي
بالحُبِّ يَغْمُرُ الرُّبَى
للعَلِي
واعْتَلِي
إلى علٍ، ثُمَّ عَلِ
أزَلِي (22)
رغم أنّ الشّاعر عمد إلى التّغيير في صيغ تراكيب قصيدته، ما ولّد التّنوّع الذي يكسر الرّتابة، فقد التزم هذه الرّتابة في أمرين على الأقلّ:
الأوّل: التزام نهاية موحّدة لأسطر القصيدة، وقد أنهاها بألف. يذكّرنا هذا بالمقصورات في الأدب العربي، – وبخاصّة – مقصورة ابن دريد الأزدي العماني.
الثّاني: البقاء في دائرة فعل الأمر في أغلب أسطر القصيدة وتراكيبها.
يضاف إلى هذا تكرير حرف اللاّم المكسور بطريقة يستقبلك بها النّبر القويّ، الذي ينقل صفة الانتشاء التي يشعر بها الشّاعر وهو يعرض مشاعره في هذه القصيدة..
هذا التّصرّف الذي جمع فيه الشّاعر بين التّنويع والتّكرير هو الذي يعطي قيمة لهذا الإيقاع، لأنّه يكشف عن تحكّم الشّاعر في العمليّة الشّعريّة، ويبرز تمكّنه من بناء معمار للقصيدة، منطلقً من سجيّة، لا تُغَلُّ بمنظومة محدّدة، أو نسق معيّن يعيق عمليّة الإبداع.
يقول الدّارسون: “…فاشتراط التّوازن الكمّي الهندسي المنتظم انتظامًا حرفيًّا صارمًا، لا يفسّر حقيقة الإيقاع، بقدر ما يجسّدها التّقابل والتّناظر، المعاودة والمختلفة، الانتظام والبتر، لأنّ هذه التّقابلات الثّنائيّة هي التي تساعدنا على إدراك التّخلخل النّفسي والتّوتّر العاطفي لدى الشّاعر، وتوحي بالضّغط الدّاخلي لمخزون التّفاعل الحيوي للمشاعر الإنسانيّة والإحساس بالتّجارب الشّعوريّة.(23) ”
ألا يمكن أن نثبت لشاعرنا هذه الوصفة في هذه التّركيبة في قصيدته التي عرضنا أجزاء من تشكيلاتها الإيقاعيّة! في الوقت نفسه نسجّل عليه سقوطه في بعض الكسور العروضيّة في بعض التّفعيلات التي اعتمدها من البحر الكامل، هي ليست داخلة في التّصرّف الواعي معها، بل هي ـ في نظري ـ خلل وقع فيه الشّاعر.
كتب مقطوعة شعريّة بطريقة خاصّة، جمع فيها بين الإتيان بتفعيلة ممّا عرف في العروض الخليلي، مع التّصرّف فيها في بعض الأسطر، وبين التّنصّل من التّفعيلة، والإتيان بصيغ لا تخضع لأيّ ميزان، المهمّ عنده أن تحدث الصّيغة نبرًا، يتولّد عنه الإيقاع الذي يتجاوب مع مشاعره. والإيقاع أصلاً لا يخضع ـ في عمليّة الإبداع ـ لضوابط محدّدة، بل ينشأ من العلاقات الوطيدة المنسجمة التي تكون بين مكوّنات العمل الشّعري، التي تنقل التّجربة الشّعريّة بصدق وأمانة .. المهمّ يجب أن يكون الاستثمار واعيًا وعاليًّا للعوامل المحيطة بالإبداع والدّافعة له، ممّا يوجد الإيقاع، ولا اشتراط لنسق معيّن في هذا الإبداع..
كما التزم الشّاعر في هذه المقطوعة برويّ واحد، وأنهى الأسطر بقافيّة مقيّدة. في هذا التّصرّف جمع بين استعمال خصوصيّات الشَعر العمودي ومواصفات الشّعر الحرّ. هذا مظهر من مظاهر التّحرّر من القيود المكبّلة للإبداع، وإعطاء الحريّة له لينبثق وينطلق عن سجيّة وتلقائيّة. نلحظ هذه المواصفات في القصيدة الآتية: ” الحزنُ في دمها “:
الحُزنُ حريقٌ
في دمها
والشّكوى
إِعْصارْ
تَبْكِي
في ليلٍ أَعْمَى
أيَّامًا
مِثْلَ الأزْهارْ
وتُسافِرُ في
بَـحْرِ الذِّكْرَى
أوْ
ما أَقْسَى الإِبْحارْ
المشطُ يُداعِبُ عَنْبَرها
والثَّوْبُ المِعْطــــارْ
يَتَلَمَّسُ رِقَّتَها
مِنْ غَيْرِ سِتارْ
يتَوهَّجُ في
كَرَزِ الشَّفتينِ الشَّوْقُ المَوَّارْ
تتكاثَفُ في عيْنَيْها
سُحبُ استفْسارْ
وَيَضُجُّ
يَضُجُّ
بِها استِكْبارْ (24)
سار الشّاعر بهذه العمليّة على النّهج الذي ذكره بعض الدّارسين، من أنّ مجال الإيقاع فسيح لابتكار وإيجاد أنساق وصيغ وتركيبات..بلا حدود ولا قيود ولا سدود..التَّدَفُّق الشّعوري والتّوتّر الفكري، مؤهّلات وقدرات الفنّان التي تستدعي إيقاعات خاصّة متّصلة ومرتبطة بالشّخصيّة أو الموقف أو المشهد.” وينتمي الإيقاع إلى نمط الأفعال الإبداعيّة المبتكرة، التي لا يحكمها نظام موسيقي مهيمن. فهو لا يجري على نسق واحد، حتّى وإن ارتبط أكثر من إيقاع بنظام وزني واحد،. وهذه الصّفة هي التي تمنح القصيدة قابليّة على الإنجاز المتقدّم في ضوء قدرات الشّاعر الإبداعيّة في هذا المجال
” إنّ ابتكار الإيقاعات الجديدة في القصيدة، إنّما يعمل على توسيع قدرات المتلقّي على الإحساس ويرهفها. ويرى “إليوت” أنّ ثمّةَ روابط كثيرة لم تستكشف بعد، ولعلّها غير قابلة كليًّا للانكشاف بين إيقاع الشّاعر وما يمكن أن يدعَى – دون تشدّد ـ إيقاع النّصّ.” (25)
الإبداع في الإيقاعات قد ينتج من تصرّف الشّاعر في صيغ التّفعيلات المشهورة، وفي توزيعها على أشطر أبيات القصيدة؛ ممّا يعدّ خروجًا عن المألوف في القصيدة العموديّة، هذا الخروج عمّا اعتادته الأذن، أو على ما تتوقّعه، هو المفاجئ الذي يسترعي الانتباه، ومنه يلتقي المتلقّي مع إيقاعات جديدة، تميّز تجربة الشّاعر في تلك العمليّة.
في قصيدة ” تشظّي” يكتب سعيد الصّقلاوي على البحر الكامل، ولكنّه يتصرّف في تفعيلاته عددًا وتوزيعًا على شطري البيت. مثلا جاءت الأسطر الأولى من القصيدة على الشّكل الآتي:
مِنْ أينَ تبْدَأُ
فالحُروفُ عَصيَةٌ
والدّربُ تَمْلَؤُهُ السّدودُ
مُتْفاعِلُنْ مُتَ
فَاعِلُنْ مُتَفاعِلُنْ
مُتْفاعِلُنْ مُتَفَاعِلاتُن
وهِيَ الدّمُ المَذبوحُ في الشّريَانِ
تَسْحَقُه ُاللَيالي والجُنودُ
مُتَفاعِلُنْ مُتفاعِلُنْ مُتَفاعِ
لُنْ مُتَفاعِلُنْ مُتْفاعِلاتُن
رُوحٌ يُحَاصِرُ وَهْجَها
كَهْفُ الزَّمانِ
وَتَنْهَشُ اللَّحْمَ القُيودُ
مُتْفاعِلُنْ مُتَفاعِلُنْ
مُتْفاعِلُنْ مُ
تَفَاعِلُنْ مُتْفاعلاتُن (26)
تصرّف الشّاعر في توزيع التّفعيلات على الأسطر، وأحدث فيها زحافات وعللاً. وكانت كلّ نهايات الأسطر المترابطة في كلّ مقطع منتهيّة بصيغة (متفاعلاتن) – يسمّى في علم العروض بضرب مُرفل -. مع التّقيّد برويّ واحد هو (الدّال المضمومة) في قافيّة مطلقة. والسّطر في كلّ مقطع يشتمل على خمس تفعيلات، ما يقابل ستّ تفعيلات في البيت من بحر الكامل في الشّعر العمودي.
نترك للقارئ النّظر في هذه العمليّة بهذه المواصفات في هذه القصيدة ، والتأمّل والتّحليل والاستنتاج…؛ ليقف على عمليّة الإبداع في إيجاد إيقاعات خاصّة، ثم القيام بعمليّة تقويم هذه التّجربة.
يبقى الشّاعر كثيرًا ـ في هذا الدّيوان ـ مع البحور الشّعريّة المعروفة يكتب عليها، لكنّه يتصرّف في توزيع تفعيلاتها بحريّة كبيرة. ففي قصيدة “حضور الذّكرى ” يركب متن بحر الرّمل الذي أجزاؤه:
فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن.
في بعض مقاطع القصيدة التزم بعدد تفعيلات البحر، لكنّه وزّعها كما يشاء هو، لست أدري ما هو السّبب، هل لذلك علاقة بحالته الشّعوريّة، أم هكذا أراد، لينفكّ من سَنَنِ التّركيبة التّقليديّة، ولا يبقى أسيرها. مثلا:
المقطع الأوّل
يا صديقي
إنّما الذّكرَى حُضورٌ لِشُهودِ
وانفلاتٌ لزمانِ
وتجلِّ لمكانِ
فاعلاتن
فاعلاتن فاعلاتن فَعِلاتن
فاعلاتن فعلاتن
فعلاتن فعلاتن
المقطع الثّاني
إنّها النّور الذي يجتازُ أسْتارَ الظّلامِ
يَغْمُرُ الكَوْنَ دُخانًا، وَغِناء
فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن
فاعلاتن فعلاتن فعلاتن
نلحظ أنّ المقطعين يشتملان على سبعة مقاطع، بدل ستّة في البيت كما هو في أصل البحر.بينما يحتفظ الشّاعر بهذا العدد في المقطع الآتي:
واختلاجُ النّبضِ بالنّبضِ الذي ينبتُ في بستانه
نـخْلُ الأماني
فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فعلاتن فاعل
تن فاعلاتن.
اختلف عدد التّفعيلات وتوزيعها في بقيّة المقاطع التي هي في مجموعها ثمانيّة. ولم يُلتَزَم برويّ واحد في القصيدة.
نلتقي مع مظهر آخر من مظاهر التّصرّف في بحر القصيدة، مع الالتزام به في كامل أسطرها. كلّ ذلك سعيًا من الشّاعر في التّفنّن في الإبداع لإيجاد إيقاعات جديدة، يبتكرها من وحي تجربته الشّعوريّة. عمد في قصيدته :” باب اللّيل” إلى اعتماد تفعيلات بحر البسيط، وذلك بتوزيعها على أسطر كلّ مقطع بطريقة غير منتظمة. مع الالتزام برويّ الميم المضموم في معظم نهايات المقاطع السّبعة. نمثّل لهذا ببعض المقاطع:
مُشَعْشَعٌ
متفعلن
خلفَ بابِ اللَّيْلِ يَعْتَصِمُ
فاعلن مستفعلن فعلن
هذا الذي
مستفعلن
بِاسْـمِهِ
فاعل
تُغتالُ أُمْنيَةٌ
مستفعلن فعلن
كَمْ أَشْعَلَ الحُزْنُ
مستفعلن فاع
في الأفراحِ فاحْتَرَقَتْ
لن مستفعلن فعلن
تَـحْتَ القنابِلِ
مستفعلن فعِ
لا ذَنْبٌ ولا جرمُ
ل مستفعلن فعلن (27)
أمّا في قصيدة ” دنا ” فنجده يحدث إيقاعًا خاصًّا، أوجده من صيغة تخصّه هو، غير معروفة في التّفعيلات التي أثبتها العروضيّون القدامى. يمكن لنا صوغها كالآتي (متفعلاتن) وكأنّ التّفعيلة المستحدثة من (مستفعلن) حدث فيها زحاف وعلّة.. وقد التزمها الشّاعر في كامل أسطر القصيدة، مع تقيّده برويّ الياء المشدّدة الممدودة. وإنهَائِه أسطر كلّ مقطع بحرف واحد، باستثناء السّطر الأخير الذي كان على رويّ القصيدة.
هذا الالتزام أوجد موسيقى رتيبة، ذات نبرات متماثلة، وهو الإيقاع الذي اختاره الشّاعر لهذه القصيدة. هكذا يقدّم لنا إيقاعًا آخر، غير ما وجدناه في القصائد السّابقة..في هذا التّصرّف يقدّم الشّاعر شاهدًا على الابتكار في الإيقاع، الذي يطلب الحريّة لكي يصوّر المشاعر، ويعبّر عن الأفكار..بعيدًا عن توجيهه قسرًا أو كرهًا. فماذا يقول القارئ والنّاقد في هذا التّصرّف؟
دنا فحيَّا
سنا الثّريَّـــــــا
فقلت فحيَّا
زها ويزهو
بك الـمُحيًّا
وجاء قلبي
إليك يُنْبِي
بِكُلِّ حُبِّي
تفيض عيني
هوًى غنيَّا
سألتُ عنْكَ
فقيل عنْكَ
تَـجودُ منْكَ
يدٌ ورُوحٌ
ندًى سخيَّا
أنا وأنتَ
وكيفَ شئتَ
وَحيثُ كُنْتَ
يظلُّ عمرِي
بِكَ الـحـَفيَّا
فيا حبيبي
وطيبَ طيبِي
ويا وَجيبِي
فَكُنْ لِدَهري
هَنًا مليًّا (28)
في قصيدة ” ذكرى ” كتب أسطرها على صيغة واحدة مكوّنة من ثلاثة أسباب ووتد واحد، أو كلّها أسباب، ما أحدث إيقاعًا رتيبًا أيضًا، اعتمد على النّبرات المتماثلة في كامل القصيدة. نذكر أمثلة من هذه الصّياغة:
شَافَتْهُ عَيْنِي (- 0 – 0 – - 0 – 0)
صَاحَتْ وَيْلاهُ (- 0 – 0 – 0 – 0 -)
حُلْمِي أنْ تبْقَى ( – 0 – 0 – 0 – 0 – 0)
نَفْسِي سُكْناهُ ( – 0 – 0 – 0 – 0 -)
بقيّة الأسطر جاءت على هذا المنوال، وهي تعدّ أربعة عشر سطرًا. (29)
تأتي قصيدة ” رجولة الكلام ” (30) بأنساق أخرى من الإيقاعات، كوّنها الشّاعر من التّلاعب بالتّفعيلات في بنياتها، أو بالجمع بين تفعيلات كثيرة في سطر أو أسطر من القصيدة. أو بالتّنويع في طول السّطر الشّعري وقصره. بين احتوائه على كلمتين وأكثر، والإطالة في السّطر الشّعري، فيصل به إلى سطرين متّصلين في كلماتهما..مع الجمع بين النّثريّة والشّعريّة في الكتابة. إلى إنهاء بعض الأسطر بصيغة واحدة ورويّ واحد، والمزاوجة بين القافيّة المقيّدة والمطلقة. إلى الإتيان بتراكيب متساوية متوازيّة في أسطر متتالية..إلى غير ذلك من التّشكيلات المختلفة في الكتابة.
كلّ ذلك أوجد إيقاعات بنبرات مختلفة، ارتأى الشّاعر توفيرها في هذه القصيدة؛ لينوّع في أشكال الإيقاع، وليبيّن أنّ النّظم بنيّة الخروج عن المألوف من الأوزان، والمعروف من الضّوابط..ممكن ومسوّغ ومقبول، بل مطلوب؛ لأنّ الإبداع يطلبه ويدعوه إلى حظيرته..إذا كان ذلك صادرًا من دون تكلّف أو تصنّع. وليقول بعد ذلك: أيّها القارئ اقرأني جليّا، وتأمّل في تجربتي مليًّا..فسوف تجني منها رطبًا جنيًّا، فكن بتجربتي حفيًّا.. هل يوافق المتلقّي على هذه التّجربة اللاّفتة للنّظر؟ هل يقبل من الشّاعر هذا المزج وهذه الفسيفساء.. التي كان محور الارتكاز فيها الإيقاع، والمقصد الأوّل إيجاد الإيقاع بأيّة وسيلة كانت.. ما هو تقويمه لهذه التّجربة..
مقطوعة ” سلمتَ وتسلَم ” كتبها الشّاعر على نسق نشيد. مكوّن من عشرة مقاطع، وردت على النّسق الآتي:
1 – أنْهَى كلّ مقطع بلازمة، تركيبتها مأخوذة من عنوان القصيدة: ” سَلِمتَ وتَسْلَمْ”
2 – نظمها على بحر المتقارب، من دون التّقيّد بعدد التّفعيلات في الشّطرين، كما هو معروف في الشّعر العمودي.
3 – نوّع في قوافيها.
4 – صاغ مقاطع القصيدة كالآتي: كلّ مقطع كوّنه من أربعة أسطر، السّطران الثّالث والرّابع ينتهيان بحرف الميم.
إذن في القصيدة جمع الشّاعر بين التّنوّع والتّماثل والتّكرار والتّعاقب..هذ الخليط أو المزيج والمجموع.. مع اختيار بحر يتّسم بالخفّة.. كلّ هذا أسهم في إيجاد الإيقاع المطرب المصوّر المعبّر. يقول الدّارسون “ويستطيع الفنّان أو الأديب أن يعتمد على الإيقاع باتّباع طريقة من الثّلاث (التّكرار، أو التّعاقب، أو التّرابط)” (31) وشاعرنا جمع كلّ هذا في هذه القصيدة. هذه أسطر من القصيدة:
لك النّصرُ آيَهْ
لكَ الأرضُ غايَهْ
لَكَ العِزَ مَغْنَمْ
سَلِمْتَ وتَسْلَمْ
صَلاةُ الشّمُوعِ
دُعاءُ الدّموعِ
بِرَبِّكَ تُقْسِمْ
سَلِمْتَ وَتَسْلَمْ
عُيونُ الطُّفُولَهْ
وَزَنْدُ الرُّجولَهْ
بِحُلْمِكَ تَـحْلُمْ
سَلِمْتَ وَتَسْلَمْ (32)

د. محمد بن قاسم ناصر بوحجام

إلى الأعلى