الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءة قصة المعماري في المحتوى التاريخي ..

قراءة قصة المعماري في المحتوى التاريخي ..

محمد مكية ما بين القراءة الموضوعية والذكريات في إطار الزمان والمكان

الانعطافة التي استغرقت القارئ حلقتين سابقتين من الأربع المنصرمة فيما يبدو للوهلة الأولى بعيدا عن صلب موضوعنا حول المعماري الراحل محمد مكية، هي في جوهرها ومضمونها مهمة أيما أهمية في سرد الأحداث، إذ لا يمكن لأي قصة أو حدث أو ظاهرة أن يتم تناولها بمعزل عن محيطها التاريخي والمكاني وإلا كان ذلك إفراغا متعمدا للقصة من مضمونها وبعيدا عن سياقها التاريخي. ومن هنا كان من المهم بالنسبة لكاتب هذه السطور وضمن محتوى قصة التعرف على المعماري محمد مكية التطرق لحيثيات ما قبل هذا اللقاء مع مسحة من الضوء يتم إلقاؤها على مسرح الحدث وشخوصه وسياقه الزماني، وللزمن أهمية لا تدانيها أهمية في الرواية وتسلسل القصة فضلا عن اتصالها اتصالا تكامليا في إضافة عنصر قد يزوغ عن التفسير العاجل في أهمية الحدث وأسبقيته بالنسبة للزمن الذي وجد فيه. أفلا نلصق التاريخ واليوم بأعلى رسائلنا كلما كتبنا لعزيز؟ أفلا نكتب اليوم والتاريخ والوقت أعلى صفحة كل محاضرة في الجامعة؟ هي ليست مجرد عادة فحسب، بل هي إدراك منا ربما في الشعور أو اللاشعور بأهمية الوقت والظرف الزماني فيما نفعل. فما كان “حداثيا” في وقته يجب أن نستمر في قراءته “بالنسبة” لوقته لا بمعايير وقتنا وإلا وقعنا في “خطيئة” غبن ما وجد في الماضي بقياسه بمعايير الحاضر. وهذا بالطبع ينسحب على التراث وكل ما أوجد في عصره ينبغي قراءته قراءة “عصرية خاصة بزمنه” ومعطيات ظرفه الزماني والمكاني التي حددت “أهميته” وأفضليته في عصره، علما بأن بعض الأحداث والشخوص تتجاوز “أفضليتها” زمنها الذي وجدت فيه ومن هنا تأتي “عبقريتها” وخلودها خارج إطار الزمن المحدد لتمتد منذ زمنها للحاضر والمستقبل.

ومن هنا كم يحرص بعضنا، كمعماريين، وعلى الدوام على ربط التاريخ والوقت واليوم بالمكان أيضا في كل عمل إبداعي، ابتداء من الأعمال الأدبية إلى الفنية. فربط العمل الفني أو الأدبي بزمانه ومكانه يثير في الوعي الشخصي والجمعي ارتباطا معنويا بالحنين من ناحية، فضلا عن أنه يربط العمل بمحددات زمنه والقيود أو المنطلقات التي رافقته وخصوصيات المكان في تلك الفترة وذلك التاريخ. وكم حرصت على أن أنقل هذه التجربة الشخصية لطلابي في الجامعة على مقاعد الدرس، من معماريين ومعماريات، حيث يرتبط الكروكي وبداية العمل الفني وما نعرفه بتطور عملية التصميم بمراحل فكرية ينمو خلالها فكر الطالب على مقاعد الدراسة ويتم ربط تقدمه ونمو فكره بعلاقة زمنية مطردة تشكل أحد معايير قراءة إحداثيات إبداعه ومن ثم تقييمه. ومن هنا تأتي أهمية ما نسميه “البورتفوليو” أو دفتر الأعمال الفنية الشخصية حيث يطلب من الطالب أو الطالبة، كيلا تحتج علينا الزميلات، أن يقدم أو تقدم كراسة تتكدس فيها بطريقة فنية كروكيات وأعمال الطالب خلال الفصل الدراسي لتظهر نمو وتطور وإبداع الطلبة خلال فترة زمنية معينة.
واعتمادا على هذه المقدمة في أهمية المحتوى التاريخي في قراءة فكر وأعمال المعماري، الدكتور محمد مكية في هذه المساحات من المقالات، نعمد لقراءة تخلط بين الموضوعية والذكريات الشخصية، أهمية الأولى تنبع من القراءة النقدية التي تستند للواقع والمنطق بعيدا عن المزاجية الشخصية، فيما تسهم القراءة في الذكريات الخاصة في تقريب الصورة للقارئ حول الصورة الانطباعية المتسلسلة لخلفية القراءة الموضوعية. وبكلمات أخرى، هما قراءتان متكاملتان، الاولى (الموضوعية) تشكل جوهر المشهد والجزء المهم والمتقدم نحو القارئ منه، فيما تشكل الثانية (الذكريات الخاصة) خلفية المشهد برمته ومحتواه الظرفي والزمكاني لإعطاء التقييم بعده المتكامل الزماني وأو اللازمني.
***
بين يدي المعماري الكبير لأول مرة في محتوى مشرقي ..
حين مقابلة أي شخص لأول مرة في حياتك، ربما لا يشعر المرء بأن حواسّه جميعا تكون منتبهة ومصغية باهتمام وشغف لا مثيل له، وربما لو تم قياسه قياسا علميا لأصيب صاحبه بالذهول، وخاصة حين يكون اللقاء مطلوبا أصلا! جلست بعد ظهر ذلك الأربعاء بعد أن قدّمني وليد مدير مكتب الكوفة للمعماري محمد مكية، ودلفت جهة اليسار من الحاجر الذي يستر مكتب الدكتور مكية عن الصالة الرئيسة لمنتدى الكوفة والتي تعلو على ثلاثة طوابق وتنيرها إنارة علوية طبيعية تنسل عبر السقف الزجاجي المكوّر.

كان أول ما كان يلفت انتباه الزائر أن المكان كان مرتبا بعناية بشكل يعكس تاريخا طويلا وحنينا لتاريخ شرقي، ولعلنا نربطه بتراث مشرقي، في قلب عاصمة الضباب، حيث لا ضباب حقا، لكنه وسم ضبابي تاريخي التصق بالمدينة خلافا لصفة وهيئة هذا المنتدى، فالمكان كان يعج ويصدح بعبق الشرق الدافق، عبق العراق العريق، وتراث الكوفة بدءا من الإسم مرورا بتوضيب الأرائك والجلسات التي كانت تحف جوانب المنتدى وتحفر لها حيزا على هوامش الحوائط الجانبية بجلسات مشرقية تغطي وجهها على تواضع وبساطة منسوجات ومطرزات تتكامل نمطا ولونا مع المحيط. وفي أعلى المشهد وبعد بهو المدخل الداخلي الذي كان يتحول لمعرض أسبوعي أو شهري يخطو الداخل ويرتقي درجة يتيمة تعلو به لحيز الفراغ المركزي ليتحول المشهد للرائي من محددات السقف المنخفض إلى فضاء رحب يتوسطه بالأعلى كلمة “الكوفة” مصممة بالخط الكوفي المنسوب للمدينة أصلا وبشكل مربع تتكامل حروفه مع الشكل المربع، ولأهمية الحروفية قصة ومكانة لدى المعماري محمد مكية كما كان يرويها في أحاديثه كما سنورد في معرض حديثنا اللاحق. وعلى هامش هذا المشهد كله كان يطل على الزائر الداخل من الأعلى وجه من الأعلى خلف الساتر الزجاجي ثم يعود مجددا للانهماك فيما انشغل فيه. وعلى يسار المكتب الذي توارى خلف الحاجز الأمامي حيث يجلس المعماري مكية كان ثمة درج خلفي صغير رشيق يصل بطابق الميزانين. وهذا العنصر المعماري كان يشكل محور حركة متقطعة بين حين وآخر لمن أراد الصعود لطابق الميزانين ويشكل تداخلا إيقاعيا يعمل على لفت انتباه الجالس مع المعماري مكية بين حين وآخر، ولذلك أحيانا كان يحرص من يستعمل هذا الدرج الرشيق أن ينسل خلسة وبدون كثير ضوضاء كيلا يحرك صفحة الهدوء والسكون التي كانت تغمر المكان الخلفي حيث المكتب، وحيث كانت تتسلل نفحات من النور الطبيعي عبر السقف العلوي للمنتدى لتعبر وتستقر وتنير فضاء المكتب المنزوي ببساطة وتواضع خلف الساتر الذي يشكل نهاية المحور البصري القوي لمن يدخل منتدى الكوفة.
كان المكان بأطره وعناصره وإحداثيات تصميمه المعماري والفني على بساطته وأناقته اكتشافا دراميا في قلب بداية الجزء الغربي من عاصمة الضباب بمنطقة تحاذي المنتزه المركزي الشهير حيث تعج المدينة بالصخب وأماكن الأحداث الغربية. وأمام المنتدى كان الشارع الرئيس يعج بصخب وضجيج الحركة الآلية للسيارات وباص رقم 7 الذي ينقل رائحا غاديا عبر وسط المدينة وشارع العرب الشهير “ادجوير رود” وشارع أكسفورد الشهير إلى أن يصل للمتحف البريطاني الذي كان يجاور سكن المعماري، مكية وسكن كاتب هذه السطور آنذاك أيضا، وأكاديمية العمارة وكلية بارتلت وجامعة لندن الشهيرة في ذات الوقت والمكان. كان الفرق بين الداخل والخارج كبيرا، من صخب الحياة اليومية وضوضاء المدينة إلى ممر طويل يصل بين الشارع الخارجي وبين بهو المنتدى حيث تخفت الضوضاء تدريجيا حتى ينتهي الزائر بجو هادئ رتيب ممتع سماعيا برتابة وعذوبة إيقاعه الصوتي الذي يقترب للسكون، مع مسحة لونية هادئة يتربع عليها اللون الأخضر الغامق وبعض الألوان المتناثرة هنا وهناك للوحات فنية من الحروفية إن صادف وجود معرض فني في ذلك الشهر أو تلك الفترة.
جلست بعد مصافحة الدكتور المضياف الكريم الشهم المتواضع الذي قام ليصافحني وهو الكبير سنا وقامة ومنزلة. جلست إلى مكتبه من جهة اليسار فيما اصطفت حوله عشرات الكتب الموسوعية النادرة التي كانت تطل علينا من خلف الواجهات الزجاجية. لم يكن هذا الترتيب المكاني ليكون أروع من ذلك في لحظة “لازمنية” من لقاء معماري حديث عهد بالعمارة، مثل كاتب هذه السطور، وبين قامة سامقة أسهمت في العمارة العربية المعاصرة لأكثر من خمسين عاما وتزيد. كان اللقاء بمعايير الندرة وطلب التعلم والجلوس إلى أسلافنا ممن سبقونا زمنا ومنزلة لعمل تلوناهم به هو بمثابة اللقاء التاريخي الازلي الأبدي بين أسلافنا التلاميذ والاستاذ، وبين العالم والمتعلم. ولذلك فقد سبقنا من سبقنا من تاريخنا من جهابذة المبدعين في ضرورة الجلوس إلى الاستاذ والترحال إليه قبل أن يشرع التلميذ في دخول عتبة الإبداع (إن قدر له دخولها)، وربما تفوق التلميذ على أستاذه، والعين لا تعلو على الحاجب، لكنه ليس تفوقا بالمعنى الإطرادي الحسابي بقدر ما هو توارث العلم بين الأجيال بمعادلة تتفاعل معها ظروف التطور الزمني ومستجدات وضرورات الحاضر والمستقبل بما ينقل العلم خطوات تسارعية للأعلى، وهي على ما يبدو من سنن الحياة كي تتطور الحياة قدما ولا تنقرض وتتراجع القهقرى. وبهذا المفهوم وهذه القراءة لا يمكن بحال قياس الحاضر على الماضي قياسا استعلائيا مطلقا بقدر ما يجب أن تؤطر هذه القراءة ضرورة التواضع والانحناء أمام ماضي وتراث الأسلاف لأهمية السبق التاريخي وعلو شأن المعلم وفضله على التلميذ فضل نجوم السماء على كواكبها، أو فضل الوالد على ولده، والكبير على الصغير. وتوارث العلم هي من سنن الكون الأزلية، ونعم المورّث والمورّث (بكسر الراء وفتحها على التوالي).
لكن هناك ثمة سحر غامض يتلقاه الطالب ممن سبقه، إن كان حصيفا وقد فتح عقله وقلبه للتعلم، في قراءة ما بين سطور إبداعات معلمة، وقراءتها في سياقاتها الزمكانية والتاريخية للاستفادة من دروسها، وفي كل زمن دروس وعظات لمن ألقى السمع وأصاخه. ولذلك كم يصادف معلمو اليوم، في الجامعات ومؤسسات الممارسة العملية، من إحباطات حين ترى جيوشا من تلاميذ، عديمي الخبرة أو يكادون، وقد راح أحدهم ينافس، ولا نقول يكاد يزدري، أستاذه ويبغي أن يبزه علما وما بلغ معشار ما بلغ سابقه ولن يبلغ! فالعبقرية والإبداع والتواضع ثلاث صفات متلازمة إن ضاع أحدهما ضاع الأخريان. وللحديث بقية وبقيات

د.وليد احمد السيد

إلى الأعلى