الخميس 17 أغسطس 2017 م - ٢٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / جماليات اللغة في القصة القصيرة جدا في عُمان الخطاب المزروعي أنموذجا ( 1 )

جماليات اللغة في القصة القصيرة جدا في عُمان الخطاب المزروعي أنموذجا ( 1 )

يتطرق إلى المعيار الكمي و”الكيفي”

الخطاب اللغوي لم يأتِ من فراغ ولا يخصّ ذاتاً مفردة ينبثق منها، وإنّما يتشكّل في إطار واسع تجتمع فيه أنماط كثيرة من بنى ثقافية، ونفسية، واجتماعية، ومعرفيّة، أمّا محلّل الخطاب فهو “يعالج مادته اللغوية بوصفها مدوّنة “نصاً”، لعملية استُعملت فيها اللغة أداة تواصليّة، للتعبير عن المعاني وتحقيق مقاصد الخطاب. وانطلاقاً من هذه المادة يسعى المحلّل إلى وصف مظاهر الأُطر، في الإحداثات اللغوية التي يستعملها الناس، لإيصال تلك المعاني والمقاصد”(1)، فالخطاب اللغوي ميدان واحد، يشكّله كل مبدع كما يشاء، ويبثّ فيه رؤاه الفكرية في قوالب لغوية تخصّه دون سواه، ليضفي على إنتاجه صبغة خاصة تميّزه عن غيره.
هذا الأمر بدا مؤخّرا في القصة القصيرة جدا التي أصبحت مجالا واسعا للدراسة تنظيرا وتطبيقا، لذا اخترت مجموعة “سيرة الخوف” للقاص العُماني الخطاب المزروعي”، إذ تسفر عن لون فكري لغوي خاص بمنتج الخطاب، فتظهره بسمت معيّن يدلّ على ثراء معجمي وتشكيل نحوي وترميز دلالي يكاد ينطبع به المبدع في جلّ قصصه.
عدّ كثير من النقاد فن القصة القصيرة جدا نتيجة حتمية للعولمة وعصر السرعة، وذلك لميوله نحو التكثيف والاختزال على مستوى الجملة، وقصر الحجم على مستوى المقطع كاملا ، فجاء موحيا بإضماره محتشد الدلالة بحذفه، بشرط ألّا يؤثّر هذا على ظهور النزعة القصصية التي يجب أن يتمثلّها ليُجنّس فنا قصصيا.
لسنا بصدد التنظير في هذه الورقة البحثية، فقد ازداد الاحتفال النقدي بالقصة القصيرة جدا مؤخّرا، ممّا يتطلّب دراسات توازي هذا الزخم من الإصدارات، لبيان جماليات الإبداع المختلفة في مجال القصة القصيرة جدا من جهة وتأصيل هذا الفن وتجنيسه من جهة أخرى، إذ تُثير دراسة هذا الجنس الأدبي كثيرا من الإشكالات والقضايا المهمة، كالوقوف على تعريف فن القصة القصيرة جدا، وملامحها الفنية، وأركانها وتقنياتها التي أُختلف فيها، وقضية التجنيس التي ما زالت بين مؤيّد ومعارض، وآراء النقاد في جذور القصة القصيرة جدا في التراث العربي، أو محاكاتها للأدب الغربي. بل نهدف من هذه الدراسة إلى الوقوف عند خصائصها الفنية وتقنياتها السردية وتبيان حدود نوعها الأدبي عند القاص العُماني بالنظر إلى التطور الفني الذي شهدته عُمان مؤخّرا في هذا الجنس الأدبي. فثمة حدث وشخصية وفضاء مكاني وبنية زمنية في المجموعة المختارة، وتمتاز بقدرتها على التكثيف الشديد، وتنويع أشكالها السردية وقدرتها على إثارة التأويلات المختلفة.
للمبدع اختياراته الخاصّة إذ يظهر أحد أشكال العلاقات على لغته أكثر من غيره، كاختيار معجمي خاص أو أسلوب نحوي معيّن، أو إيحاءات دلالية مقصودة، كما تبرز أدوات وروابط في خطابه تصبغه بصبغة خاصّة، وتؤدّي إلى ترابطه وانسجامه، هذا الترابط أشار إليه الجرجاني، وبيّن ضرورة اتّحاد أجزاء الكلام، ودخول بعضها في بعض، واشتداد ارتباط الثاني منها بالأوّل، فتوضع الجملة في النفس موضعاً واحداً (2). وليس “النظم” شيئاً إلا توخّي معاني النحو وأحكامه ووجوهه وفروقه، فيما بين معاني الكلم (3)، فتأتي المعاني في تماسك وانتظام لفظي، تتعلّق الألفاظ ببعضها وتأتلف، فيقول: “واعلم أنّك إذا رجعت إلى نفسك علمت علماً لا يعترضه الشك أنّ لا نظم في الكلم ولا ترتيب، حتى يعلق بعضها ببعض، ويبنى بعضها على بعض، وتجعل هذه بسبب من تلك”(4). لذا تم اختياري للمزروعي لما تمتاز به لغته من جمالية خاصة ذات صبغة معينة تستوقف الباحث بالدراسة من جهة، ولتفرّد مجموعته التي تعرض فكرة الخوف بأشكال مختلفة في كل القصص، فكانت سيرة الخوف كما ارتأى تسميتها، وهذا يعطيها خصوصية جمالية ذات وحدة موضوعيّة قلما تكون في مجموعات القصة القصيرة جدا، فتميّزت المجموعة بلغة ذات أبعاد دلالية وجمل موجزة بعيدة عن الإسهاب الوصفي وكثرة المشاهد، وبتصوير فني لغوي ينمّ عن دراية واعية بأصول هذا الفن وحسن تمثيل له.
في ما يأتي سأعرض تناولي اللغوي للمجموعة ضمن ثلاثة معايير: الكمي، الكيفي، التداولي، وبيان ما امتاز به المزروعي عن غيره من كتاب القصة القصيرة جدا، وما تحقّق من جماليات لغوية في مجموعته.

للقصة القصيرة جدا مجموعة من المعايير الكميّة والكيفيّة والمقصدية التداولية والدلالية، تتضافر جميعا في بيان خصائصها التجنيسيّة، ونمطيتها الخاصة التي تميّزها عن القصة القصيرة والخاطرة، كما سيبدو في الصفحات الآتية:
1. المعيار الكمي
تُعرف القصة القصيرة جدا بقصر الحجم، إذ تبتدئ بأصغر وحدة لغوية “الجملة” إلى أكبر وحدة قد تكون بمثابة فقرة أو مقطع أو مشهد أو نص، وعلى العموم لا يتعدى هذا الفن الأدبي صفحة واحدة (5)، يبدو الأمر في مجموعة “سيرة الخوف” فهي ذات نظام محدّد في طول القصص، إذ تنقسم القصص إلى قسمين: الأول لا يتجاوز الطول فيها السطرين أو الثلاثة، أمّا الثاني فيقارب نصف الصفحة، وهو الأقلّ.
في القسم الأول يكثّف المعنى ويعلي مستوى الإيحاء وعمق الدلالة، وفي القسم الثاني يزيد عليه إظهار الوصف التفصيلي لحدث أو شخصية أو مكان لغاية تهدف إليها القصة، فلا تنوب كلمة عن أخرى، ولا يزيد الوصف عن حاجة الموصوف، كما سيتضح في ما يأتي.

1.1 انتقاء المفردات
تتميز مفردات “سيرة الخوف” بالإيقاع الصوتي السلس للأبنية اللغوية المنتقاة بعناية من جهة الشكل الخارجي، وبدقة اختيارها للمعنى من جهة دلاليّة، فاللغة بنية خطية لها بعدان: ظاهري بالدوال الصوتيّة وباطني خفي بدلالة المعنى، قد يعتني المبدع بأحدهما على حساب الآخر، وقد يغالي فيجود بالصناعة اللفظية كثيرا أو يحمّل المعاني أكثر ممّا تحتمل، أمّا قصص هذه المجموعة فقد وازنت بين البعدين، إذ لم يزد اللفظ عن المعنى ولا نقص عنه، الأمر الذي يجعل القارئ يتوقّف عند كل مفردة كي لا يفوته شيء من معناها، فلم يحشُ خطابه اللغوي بوصف لمجرد الوصف لتثبيت الفكرة ذاتها أو تكرار الصورة نفسها، بل تتفرّد أبنيته اللغوية مستقلّة بما تحمله من دلالات خاصّة عن غيرها على مستوى النص الواحد أو المجموعة عامة. يبدو ذلك في انتقاء المفردات بعناية في القصص، فلا تحمل المفردة إلا الدلالة الخاصة فيها، ولا يكرّر في مفرداته، ويكثّف المعنى في جمل موجزة لأغراض بلاغية كما سيتضح.
غالبا تكون لكل قصة مفردة واحدة مفتاحية للقصة كاملة، هي ذاتها العنوان كقصة “سكري”: “كانت تلعن السكري في سرّها، وهي تغرس إبرة الأنسولين في عضلة زند زوجها”(6)، وقد تكون هذه الكلمة في مقدمة القصة كقصة “سكري” أو نهايتها كقصة “بؤس”: “صار ينتقم من بؤس طفولته، من المكان والإنسان”(7)
هناك بعض المفردات اتخذت منحى خاصا كالمفارقة والسخرية في قصة “الأفضل”: “أيهما الأفضل: جمال عبد الناصر، أم السيسي؟! ذكّره سؤالهم الذي يدور بينهم، بالكيس! أدخل يده في جيب دشداشته وأخرج كيسا بلاستيكيا شفّافا، غرس فيها سبابته وإبهامه. خبّأ حفنة من الأفضل في لثته”(8) إذ تبدو المفارقة الساخرة ضمن باب الجناس التام في لفظة “الأفضل” التي عنى بها في المرة الثانية مادة تشبه التبغ في مفعولها.
لم تغفل “سيرة الخوف” الألوان، فتجلّى الإيحاء في المفردات الدالة على الألوان أيضا كما في قصة “خط”: كان يرسم خطا أحمر في غرفته المغلقة، تلطخت يداه كثيرا تلك الليلة، وبقي داخل غرفته محاطا بالخطوط الحمراء”(9)، وفي قصة “ذنب” حين وجد الأطباء كريات دم البطل خضراء، لا توجد لا حمراء فيها ولا بيضاء، “حتى هو شعر بالذنب وبتأنيب الضمير”(10) الإيحاء في دلالة اللونين الأبيض والأخضر اللذين لم يعودا في كريات الدم موجودين واستبدل الأخضر بهما، الأخضر الذي يرمز للحياة والحركة والانبعاث أصبح ذنبا في غير مكانه، فالدم من دلالاته الثورة والاستشهاد في سبيل الوطن، ليحظى بالبياض الرامز للسلام والصفاء بعيدا عن العتمة، وأي حياة حينها في غفلة عن التحرير والقتال لا بد ستكون ذنبا. أمّا دلالة الخط الأحمر في قصة “خط” فهو مسلوب من الدم لكنه أصبح قيدا يحاصر البطل، فالخلوات باب لتجاوز الخطوط الحمراء، ومن يفتحه يكون عرضة للوحدة والابتعاد عن الصواب والانغماس في ما بعد الحدود.
عرضت القصص أيضا لمفردات دالة على أمراض “السرطان، السكريّ”، ومفردات الأمل وما يقابلها من مفردات الخوف:”فجر، الظلام، الليل النجوم، المؤذن، الخوف والفزع، ارتجافة، تهدج ”
وردت بقلة مفردات غير فصيحة كقصة تيث (11)، وكقوله في قصة “غابة”: “انسدح رأس أمه على السبخة وهي تصيح” (12)، و”موحش القبور، والخشبة”(13) في قصة جنازة، و”دشداشة” في القصة السابقة.

2.1 التكثيف في الوصف
يوضّح كل تركيب لغوي في مجموعة “سيرة الخوف” خطوطا أساسيّة في سلسلة تكوين الجمل السابقة واللاحقة لها، فهي ليست سوى إشارات مكتملة لا تحتاج إلى تفصيل يأتي حتى لو بإيجاز في ما بعد، بل تكتفي بالتلميح غالبا، وقد يوجز التركيب الوصف عند ضرورة الحدث لذلك. كما أنه ينبئ ببناء الخطاب وتماسكه دلاليا، حين تجمع وتركّب الصياغات اللغوية مجتمعة في النص الواحد ضمن فكرة واحدة، فيصل القارئ إليها ويحقّق التوقعات المتوخاة أو يكسر رتم التوقع بنهاية مفاجئة.
جمال الصياغة في القصّ يكتمل حين يؤّثث المبدع المشاهد مستندا إلى الصوت والصورة والحركة والرائحة، فينوّع في المشهد القصصي دون أن يخل هذا التنوّع في تكثيف الوصف، ومن اللافت قدرة المزروعي على تأثيث قصصه مكثّفة بحرفية فنيّة كما سيبدو في الآتي:
- الوصف بالحدث: تأتي الجمل الوصفيّة بشكل انسيابي في تتابع وافٍ، فتتشكّل الصورة المقصودة مكتملة، ولا شك أن الاتساع في الوصف يساهم في تسهيل مهمة المتلقي لفهم الخطاب ودلالاته، حيث يصعب الأمر عليه لو اكتفى بجمل مجملة وحسب، في حين أنّ الجمل المجملة مهمّتها اختزاليّة كما بدا هذا في أغلب قصص المجموعة، ففي قصة نفط مثلا يقول: “لأكثر من ست سنوات، والحلم يتكرّر، قمر مصنوع من فضلات النفط!”(14)، فيكتفي بالوصف في حدث “يتكرّر” لدلالة زمنية حركيّة يبتغيها، والوصف المشتق في “مصنوع” لدلالة مادية بحتة، إضافة إلى المفارقة في اللون بين قمر ونفط وجمعهما في قيمة عالية ذات وجهين جمالية ومادية. وكذلك الحال في:”تسألني ماذا تفعل الآن؟ (ص73) لبيان الزمن الآني وأهميته للسائلة علاوة على أهمية الحدث الحركي أيضا، وفي قصة أمنية كل الأفعال مضارعة :”نسهر، نجلس، ندخن، ننظر، نشعر، نغادر” (ص69)، لإظهار رغبة الأنا أن يعيش اللحظات بكل ما فيها مع الآخر في لحظتها دون التفات إلى الثبات، فلا يهمّ في هذا الشأن كأهمية حركة الحدث نفسه وتحقّقه فقط.
كذلك الحال في قصة تغريدة: “لكي نتقدّم علينا أن نحارب الفساد”(ص77)، فالأمر يحتاج أحداث متوائمة مع زمن حاضر ومستقبليّ، بتجاوز لما مضى، وبتخط لصعوبة استمرار الشيء وثباته، فالسبب والمسبب هنا لا يحتاجان إلا للبدء بالفعل فورا بلا مقدمات.
كل هذا لم يُخِل بالضبط الدقيق للجمل الذي يعدّ طابعا عاما في القصص، وكأنّنا أمام مقياس علمي في الخطاب اللغوي بحيث لا يكون فضفاضا عن المعنى المقصود ولا ضيّقا كما في قصة “اكتئاب”: “كنت أنتحب وأنا أضغط على زر الإرسال!”(15)، بما فيها من حركة وصوت، فكل كلمة تؤدي معنى خاصا، فلا تنوب الواحدة عن الأخرى، ولا يصح الحذف لاختلال المعنى في اقتصاد المفردات.
- الوصف بالاسم: ينشئ المرسل رسائله للمتلقي في قوالب لغوية خاصة به، فيبدو الخطاب متتاليات لغوية منسجمة تحمل دلالات معينة يريدها المرسل وأخرى يؤولها المتلقي وفق رؤاه الخاصة ونظرته الذاتية، وقد تلتقي الدلالات أو لا تلتقي، ومن البديهي أن تبقى الرؤى تدور حول فلك عام ذي هدف واحد مكشوف يشكّل المحور الأساس للخطاب، فكان الخوف هو المحور الأساس في كل قصص المجموعة، ممّا أعطاها فرادة خاصة بين مجموعات القصص القصيرة جدا، عرضت له صوره، وبيّنت هموم البشريّة فيه، وانتقدت مخاوف لا أساس لها من الصحة وأخرى دخيلة آن الأوان للتخلّص منها، وتركت الباب مواربا ليتسلّل الخوف وحده من قلوب المتلقين وهم يقلّبون خوفا بعد آخر في النصوص.
أمّا الثبات الاسمي فهو الأنسب لإقرار حقيقة “كلام معلمته عن عذاب القبر”(ص61)، أو مبدأ خاص “ممارسة الضجر، الاستماع إلى موسيقى خطوات البراءة الأولى” (ص73)، أو فكرة “حالة موت سريري” (ص53)، أو وصف مؤثّر “حادث سيارة غريب” (ص 57)، أرضية الغرفة مسرح لجيش من النمل”(ص65)، ليس هذا فحسب، بل اختيار المزروعي لعناوينه من باب الثبات الاسمي أيضا، فكلّها أسماء مفردة:” بؤس، فقد، خوف، الأفضل، سكري، حياتان، جنازة، قراصنة، حلم، شرف، عدم، تظاهر، غابة، اكتئاب، أمنية، نفط، رائحة، حالة، نيازك، ظلام، أثاث، تغريدة”، فيسلّط الضوء على كل اسم منها وحده بلا إضافة أو وصف أو حدث، ويعلي من بؤرة تمركزه، “فكأن الكاتب ينبهنا من خلال هذه الاسمية إلى الركود والثبات اللذين يصبغان ما حولنا بحضورهما الطاغي، فنظل ندور في حلقة مفرغة، من اليأس والإحباط والخوف. هي سيرة لا تنتهي إلا بانتهائنا: فارتباطها الوجودي مرتبط بوجودنا، وقدرنا أن نحاربه ونحاول التغلب عليه”(16)
وفي مقابل الأسماء المفردة جاءت الأسماء المركبة من وصف أو إضافة لتحميل الوصف معالم محدّدة تنفي ما سواها، وتقدّم للمتلقي صورة مكتملة يتخيّلها فلا يضفي عليها شيئا من خياله، فإسناد صفات لموصوف ما يُعدّ إرسال حكم محدّد بشأنه، وإكسابه وصفا خاصا، وإبداء موقف المرسل منه كما في: “زرع شجرة الخوف في جنوده وأصغر فرد في عائلته!” (17)، بما فيه من حركة ولون وصوت، فجاء تركيب “شجرة الخوف” محمّلا بدلالات التناسل والتمدّد والرسوخ، فالشجرة تنبت وتتفرّع ابتداء من أصغر جندي وتكبر يوما بعد يوم إلى أن يبكي زارعها، مصابا بمرض خبيث، فيستظلّ بشجرته التي زرع، ويستوطن الخوف قلبه، فلا تكون دلالة زرع خير وحياة، بل زرع موت وخوف.
ومن التراكيب المغايرة للوصف المألوف: “غابة حياته الجافة” (ص81)، فاستخدام غابة يوحي بالاخضرار والحياة والمخاطرة، أمّا أن تكون لحياة جافة فهذا الوصف حوّلها إلى غابة متهالكة لا حياة فيها ولا ماء، آيلة للاحتراق من شدة جفافها، لذا كان المزروعي موفقا حين تلا هذا الوصف لـ”انتشر الخبر كالنار في غابة حياته الجافة”، فكان الخبر كفيلا بتدمير كل شيء من جهة وضمن له سرعة الانتشار كما ضمن سرعة احتراق الغابة الجافة.

2. المعيار الكيفي
لم يعد مفهوم النص في منظور السيميائيات ذلك التسجيل المادي للاستعمال اللغوي، وإنما النص ما تضمّن شرط النسقيّة السيميائيّة الدالة، فتكون الأنساق السيميائية الدالة بوصفها قواعد بإمكانها أن تمنح اللغة الحرية الضروريّة، وهذه الحرية ستساعد على بناء لغة واصفة (18). لا بدّ من وجود كيفيات خاصة لبناء اللغة الواصفة، تختلف من مبدع لآخر في الأمور الفنية، وتتشابه في الأسس المعتمدة، والتي يختل النظام الوصفي بدونها.
من أهم الأسس في المعيار الكيفي للقصة القصيرة جدا : الشخوص، الأحداث. وليس بالضرورة تحديد كل من الزمان والمكان، قد يغيب الزمان أو المكان، أو يكونان مبهمين لتعميم الحدث واستمراريته بلا قيود “زمكانية”، ويتفرّد كل مبدع بصيغ أسلوبية خاصة يكرّرها في خطابه، فتضفي عليه نوعا من الفرادة الذاتية.
سأعرض فيما يأتي تصورا عاما للمعيار الكيفي في “سيرة الخوف”:

1.2 الشخوص
في القصة القصيرة جدا غالبا تكون الشخوص مفترضة غائبة، بدون ذكر أسماء ولا ماضٍ وتفاصيل، بل تكتفي بواقعها الآن، وقد تعرّج على لمحة من الماضي سريعة تغذّي الحاضر، ولا تغفل المستقبل الذي قد يكون قفلة مناسبة لها.
بدت الشخوص في “سيرة الخوف” مرتبطة بالواقع الذي تحياه، وفقا للبنى السياسية والاجتماعية والثقافية، كالزوجة في قصة سكري التي تخشى على زوجها، والابن في قصة غابة الذي كشف وهم الخوف لأمّه، والمسؤول المستبد الذي لم يضعف إلا حين أصابه السرطان في قصة خوف، والإمام الذي غير مسار التزامه في مقابل الملحد الذي صلى الناس عليه صلاة الجنازة..الخ، وغيرهم من الأبطال الواقعيين في حيواتهم، فتمّ التلميح لأوصاف الشخوص خارجيا و داخليا وفقا لدلالة ما واقعية تحتاجها أحداث القصص، دون توضيح لا خارجيا ولا داخليا، وتُرك الأمر للقارئ ليضفي الوصف الذي يناسب الحدث والفكرة مستنتجا صورا خاصة به يستمدّها من خياله الخاص.
يتواصل المرسل إذن مع متلقيه ضمن صور شخوصه، وما يمثلون من رؤى معينة، ولا بدّ أن يقوم التواصل في التفاعل الفكريّ واللغويّ بين وجود الذات ووجود الآخر (19)، لتحقّق التفاعل على أتمّ وجه، أمّا ما تتفرّد به أكثر قصص المجموعة هو أنّ الذات تنشطر كأنها تخرج منها لترى الحال الذي آلت إليه، فتتفكّر وحدها وتتألم دون أن تدع أحدا يشاركها ذلك، فتتآلف مع نفسها التي تتخذ منها “آخر” يعلم حقيقة ما بها كقصة “خط”، إذ كان البطل يرسم وحده خطا أحمر حتى تلطخت يده ثم بقي داخل غرفته محاطا بالخطوط الحمراء، هذا الأمر جعل الخطاب غير مألوف، سواء أكان الانشطار بالمدرك الشعوري الفردي كما بدا في القصة أم شاركه فيه شخوص أخر، فاعتنقوا الفكرة ذاتها التي يرتئيها كقصة “ذنب” (ص109)، فكان وقع الأمر جللا على البطل وعلى الأطباء في أن تكون كل كريات دمه خضراء، ولا توجد كريات دم حمراء ولا بيضاء في، ثم يقول “حتى هو شعر بالذنب”، فجاء الوصف بالمفارقة الملائمة لعنوان القصة.
لم تذكر القصص أسماء أبطالها إلا في قصة “جنازة”، ذُكر اسم “خلفان” متلوا بالوصف “موحش القبور”، وفي اختيار الاسم دلالة الخلف بعد السلف تناسب فكرة الموت في القصة، ولم تغفل القصص رمزية الحيوان في شخوصها، فكانت القطط تبحث عما يملأ وفاضها شهوة والكلاب تحيي حفل نباح ليل بانتظام والناس صامتون متقبلون برضا.

2.2 الأحداث
بأنساق لغويّة واضحة ومعان محدّدة تظهر الأحداث في قصص المجموعة، وينأى بها الكاتب بعيدا عن السردية المسهبة، فيعرض فكرته بطريقة شيّقة ذات وقع خاص، فيؤثّر على المتلقي، ويجبره أن يتمّ المجموعة حتى نهايتها، فلا يتوه عنها، ولا يملّ منها، وذلك لتنوع الأحداث في كل قصة يتناولها، فيجد نفسه يتنقل بين السياسة والفكر والعادات الاجتماعية والعلاقات العاطفية دون أن يخل هذا بالبناء المفهومي العام “الخوف” الذي تعالجه القصص.
كلما كان النص قادرا على تحقيق تواصل خال من اللبس كان أوضح وأسهل في فك رموز رسالته، وفي الوقت نفسه لا يعني هذا أن الرمزية سبيلا للبس، هذا الأمر بدا جليا في قصص المجموعة التي راوحت بين الحدث المباشر الواضح كقصة “سكري” كانت تلعن السكري في سرّها، وهي تغرس إبرة الأنسولين في عضلة زند زوجها” (20) وقصة “خبر” إمام المسجد الذي أصبح يعاقر الخمر ويضاجع المومسات “لم يتضمن الخبر أنه ليلة رجوعه إلى البيت مبكرا… رأى رجلا يخرج من غرفة نومه”(21)، والحدث المكنّى بدلالات خاصة كقصة قصة بؤس: “لفظته خشبة على شاطئ مطرح. بعد عشرات السنوات شعر أن المكان وساكنيه لم يستوعباه. صار ينتقم من بؤس طفولته، من المكان والإنسان.”(22)، وللتنكيت والترفيه دور في هذا التلغيز أيضا كما بدا قصة “الأفضل” التي سبق عرضها.
كل أحداث القصص تؤكّد الاهتمام بهموم الإنسان ومخاوفه وأحلامه، فحارب المزروعي الموروث الاجتماعي السلبي كما في قصة شرف (ص37)، فلم يقدّسه بل رفضه مظهرا بشاعته، وحارب الظلم ليس فقط الموجّه للأنثى بل كل ظلم موجّه للبشريّة كما في قصة غابة (ص13)، إذ ترمز الغابة للحياة والانبعاث والخصب، وسرقة الغابة هو سرقة للحياة البشرية وظلم في حقّها، وأيضا في قصة خوف (ص21) عالج قضية ظلم المسؤولين الذين يبثون الرعب في نفوس مرؤوسيهم، ويسيئون استغلال مناصبهم، فكانت النتيجة الانتقام الإلهي لإظهار عجز البشر وبيان مدى تجبّرهم.
أظهرت “سيرة الخوف” أيضا الخواء الذي بدا يغزو العالم مستنكرا الموات الذي نعيشه حولنا في قصة “فقد”، فصوّرت عالما من الخوف تنتفي فيه كل مظاهر الحياة، فيغيب الناس على الرغم من وجودهم، فلا نراهم إلا جمادات صامتة، تتكسّر الأشجار، وينعدم الاهتمام بالطبيعة، وحده البحر كان حيّا (23). ومن صور الواقع ذات المفارقة أيضا التيه بين الحدث الواقعي والحدث الافتراضي، كما في قصة “تغريدة، إذ يكتب البطل في موقع التواصل الاجتماعي:” لكي نتقدّم علينا أن نحارب الفساد”(24) ثم ينتبه بعد أن يرسل تغريدته أنّه لم يذهب للعمل منذ أسبوعين!، وفي قصة “اكتئاب” يعالج الحدث نفسه، ويظهر الهوة التي تشكّلت في علاقات “الشبكة العنكبوتية اليوم، في عالم افتراضي فيه من البعد والاغتراب أن يكون السؤال: ماذا تفعل الآن؟(25) ويأتي الجواب مخالفا للواقع الذي تفصله شاشة إلكترونية!
إذن، عمد المزروعي في قصصه القصيرة جدا إلى التلغيز وعمق المغزى، وترك الباب مواربا لرموزها لتدلّ القارئ عليها، وقد يساعده في الوصول إلى الحقائق التي تريد، ومن شأن هذا الأمر ألا يكشف عن الحدث المقصود بوضوح، بل يثير أفكارا متعدّدة، من الصعب أن نحدّد حلولا شافية لها من جهة، ومن الصعب أن نحصرها من جهة أخرى.

3.2 صيغ الأسلوب
تؤكّد الدوال الشكليّة المستعملة في القصص وجود طاقة إيحائية كامنة في طبيعة الأبنية الصوتية المنسابة ببراعة وحسن دربة، فلم ينزح الكاتب عن المفردات الوعرة سمعيا فقط بل كان نزوحه عن التزيين اللفظي وغرابة اللفظ باديا أيضا، وعلى الرغم من أنّه أقلّ في التصوير الفني غير أنّ قوة الصياغة غفرت له ذلك، فانشغاله في أن يوصل فكرته بوضوح تام للمتلقي دون غموض في المعنى كان هدفه الأول.
وفي ما يأتي الأساليب اللغوية الأكثر بروزا في القصص:
- أسلوب التوكيد: ومنه التوكيد بأن مثل: “إنها كذبة مفتعلة، افتعلها حراس الغابة الذين لم يروهما رأي العين”(26) في قصة “غابة”، فبعد أن اتضح للولد وأمّه مصدر الخوف أنه مجرد وهم وتكبيرات صوتية احتاجت الصياغة اللغوية إلى التوكيد، لنفي أي اعتقاد آخر لوجود سبب للخوف بعد اكتشاف الأمر، وكذلك اختياره لتركيب:”تيقّنوا أن في الأمر سوءا”(27) مؤكّدا بالفعل”تيقّن” والأداة “أن” لإثبات حقيقة السوء الحاصلة جراء عدم نباح الكلاب تلك الليلة. ومنه التوكيد بالمصدر مثل: “أخذ يزقزق زقزقة تفطر القلب”(28) في قصة “فقد”، فالتكرار بالمصدر من أساليب التكرار الذي يأتي لإعادة المعنى في الكلام تأكيداً له وتشييداً من أمره، وإنما يفعل ذلك للدلالة على العناية بالشيء الذي كُرِّر فيه الكلام إما مبالغة في مدحه، أو في ذمّه أو غير ذلك(29)،
والتوكيد بأسلوب الحصر أيضا يبدو في القصة نفسها “غابة”: “بدأت أمّه بالصراخ وهو يخبرها أنّ الأصوات التي كانا يسمعانها طوال تلك السنوات، لم تكن تأتي إلا عبر مكبرات ضخمة خلف الغابة المفتعلة(30)، وفي قصة “عدم” “لم ير في المدينة أحياء سوى البحر”(31)، لتأكيد زوال الخوف في الأولى، وزوال الحياة عن المدينة في الثانية. وفي قصة “اكتئاب” يجيب السائلة عن ما يفعل: “لا شيء سوى ممارسة الضجر، والاستماع إلى موسيقى خطوات البراءة الأولى”، فالحصر في الإجابة من باب أهمية المحصور ودلالته الخاصة، فيعطيه دورا تكراريا في حياته خاصة بعد أن قال: “لاشيء”، وكذلك الحال في قوله في قصة “نباح”: “لم يكن في الحي سوى كلبة واحدة”(32)
- أسلوب الحذف: ورد الحذف في “سيرة الخوف” مدلولا عليه بالنقاط الثلاثة المتتابعة، فتستخدم النقاط للدلالة على كلام كثير يفصّل الحدث، ولا داعي لذكره، بل يفترض من القارئ الوصول إليه وحده، كقوله في قصة “حياتان”: “عاش ملحدا. و… عندما مات، صلوا عليه صلاة الجنازة”(33) “، وقصة “ذنب”: ” كان وقع الأمر جللا عليه وعلى الأطباء. أمر أربكهم…حتى هو شعر بالذنب وتأنيب الضمير”(34)، وقصة “خبر”: “لم يتضمن الخبر أنه ليلة رجوعه إلى البيت مبكرا… رأى رجلا يخرج من غرفة نومه”(35)، “وهذه الخاصية الترقيمية إن دلّت على شيء، فإنما تدلّ على الإيحاء والتلميح والإخفاء، وإسكات لغة البوح والاعتراف والامتناع”(36)، فتحرك خيال المتلقي، وتجعله يتخيل وحده الوصف الملائم للعبارات قبل النقاط وبعدها.
- الانزياح التركيبي: كما في قوله في “تغريدة”: “لكي نتقدم علينا أن نحارب الفساد”، فالتقدم هو محور القضية لذا انزاح متقدما عن ما تلاه، وقصة “فقد”: “بعد أن اكتشف سقوط عشه سقطت حبة القمح قبل أن تسقط دمعته”(37)، فكانت شبه الجملة “بعد أن اكتشف سقوط عشه” البؤرة المركزية في القصة، فقدّمها ليفسّر سبب ما تلاها، وتركيب”أن في الأمر سوءا” السابق، يقدّم أهمية أمر عدم نباح الكلاب الخاص على السوء الأمر العام، فهو سبب للسوء وعامله الأساس هنا ومحور الاهتمام.

د. نهلة الشقران
أستاذة اللغة العربية بجامعة اليرموك

إلى الأعلى