الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / سامي الكيلاني لـ “أشرعة” : التحدي الحقيقي أمام الكاتب أن يجمع بين الواقعية والإبداع

سامي الكيلاني لـ “أشرعة” : التحدي الحقيقي أمام الكاتب أن يجمع بين الواقعية والإبداع

رسالة الأدب إشباع رغبة القارئ بالتذوق والاستمتاع

أنا منحاز لأصالة التجربة داخل الحصار مقابل تجربة كُتَّاب الشتات

دمشق ـ وحيد تاجا :
يعتبر الأديب الدكتور سامي الكيلاني احد القامات الأدبية العالية في فلسطين المحتلة، فهو شاعر وقاص وباحث، فضلا عن كونه أستاذا جامعيا. اعتقل عدة مرات وفرضت عليه الإقامة الجبرية بسبب كتاباته وآرائه المناهضة للاحتلال. شغل عدة مناصب أكاديمية وإدارية وسياسية. ويشغل حاليا منصب عميد كلية العلوم التربوية في جامعة النجاح. وقد صدرت للاديب الكيلاني عدّة أعمال قصصية وشعرية منها: الشعرية: وعد جديد لعزّ الدّين القسّام، قبّل الأرض واستراح. والقصصية: أخضر يا زعتر، الفارعة والبحر والشمس (مشترك)، ثلاثة ناقص واحد، بطاقة إلى ليلى (قصص للأطفال)، قصّته “البنت التوتية”.
التقت (أشرعة) بالكاتب الكيلاني، محدثا عن تجربته الأدبية، فإلى نص اللقاء ..
* هل يمكن العودة إلى البدايات، وما هي المؤثرات التي لعبت دورا في توجهك الإبداعي شعرا وقصة وبحثا ؟
** من الصعب الوصول إلى الجذر الأساسي لولعي بالقراءة والذي كان البداية الحقيقية للكتابة. في أجواء المدرسة الابتدائية والإعدادية في بلدتي يعبد، كانت القراءة ومطالعة الكتب الخارجية من مكتبة المدرسة ومن المكتبة المتنقلة التي تزور المدرسة مصدر تميز إضافي بالنسبة لي يغنيني عن أشياء كثيرة تنقصني بسبب فقر الأسرة وضيق ذات الحال. كنت جيداً في دروس المدرسة لكن كانت هناك دروس لا أحبها ولست مستعداً لبذل جهود مضاعفة فيها للحفاظ على المرتبة الأولى مقابل عدم قراءة الكتب “الخارجية” وفي مقدمتها الأدبية. مثلاً قرأت كل كتب جبران المتوفرة في مكتبة المدرسة في الصف الثاني الإعدادي (الثامن). كل ذلك كان قبل الاحتلال الإسرائيلي في يونيو 1967. بعدها بدأ تفتح الوعي السياسي والرغبة بقراءة كتب ذات طابع سياسي ووطني بتأثير عدد من الشباب الأكبر سناً والمنتمين للتنظيمات الفلسطينية المقاومة، وبدأ الاطلاع على أشعار شعراء المقاومة الفلسطينيين، كما عرفوا في حينه، محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زيّاد، سالم جبران وقصص إميل حبيبي والتي شكلت الحافز الأقوى لبدء التجارب الكتابية الأولى. تبعت ذلك فترة الدراسة الجامعية في الجامعة الأردنية في عمّان، حيث كان الاتصال مع الحركة الثقافية قراءة وتفاعلاً من خلال حضور أنشطة ثقافية في الجامعة ورابطة الكتاب الأردنيين وعضوية تحرير مجلة صوت الطلبة المطبوعة. كان ذلك كله فترة اختزان غنية مع نشر قليل، لتتبع فترة نشاط ثقافي وكتابي بعد التخرج من كلية العلوم في قسم الفيزياء والعودة إلى الوطن في عام 1976، تمثلت في الكتابة والنشر في المجلات والصفحات الثقافية والمشاركة في كل المحاولات لتأسيس إطار يضم الكتاب الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة وصولاً إلى تأسيس الاتحاد.
* اعتبر الكاتب اميل حبيبي في مهرجان الأدب الفلسطيني الأول في عام 1981 ، القصص التي تضمنتها مجموعتك الأولى “أخضر يا زعتر” ، من أجمل القصص التي قرأها .. كيف تقيمها أنت الآن ؟
** هذه المجموعة عزيزة عليّ جداً لعدة أسباب، أغلب قصصها كتبت في المعتقل وهرّبت إلى الخارج بطرق إبداعية، قصصها كانت نوعان، نوع حول تفاصيل الحياة الاعتقالية اليومية العادية حسب رؤيتي للنضال اليومي وللناس العاديين في السجن والعلاقة مع السجان، بكل تفاصيلها، ونوع آخر كتب في المعتقل ولكن عن تجارب مختزنة كانت حاضرة للكتابة وجاء وقت ولادتها أثناء فترة السجن، ومن هذا النوع قصة “أخضر يا زعتر” التي حملت المجموعة عنوانها. أنظر إلى قصص هذه المجموعة بعد ثلاثين عاماً بحب ولكن بنقد، وأشعر بأن تجارب كبيرة كان يمكن لها أن تتحول إلى روايات قد اختزلت في قصص قصيرة تحت ضغط الحماس للإنتاج والنشر وتحت ضغط سخونة التجربة، أفكر أحياناً بالعودة إلى بعضها لأعيد كتابته مستفيداً من النضج النسبي في التجربة الإبداعية من جهة، والبعد عن سخونة التجربة وهالتها المبهرة من جهة أخرى. أشار بعض النقاد في الحديث عن قصص المجموعة أنها تبدو كصفحات من رواية وهذا صحيح، أما إشارة الراحل إميل حبيبي إلى المجموعة في مهرجان الأدب الفلسطيني الأول في العام 1981، على ما أذكر، فقد شكلت حافزاً قوياً يومها للكاتب الشاب، كونها صدرت عن علم من أعلام الأدب الفلسطيني له مكانته الأدبية والفكرية.
* “تتهم” بأنك قاص منحاز الى قضايا الجماهير وهمومها، يطرح في قصصه قضايا مأساوية وإنسانية يعاني منها الشعب الفلسطيني المحاصر، وسؤالي ما هو المطلوب من الأدب أساساً، تشخيص الواقع وطرح الأسئلة، أم إيجاد الحلول..؟
** ما هو مطلوب من الأدب أساساً إشباع رغبة القارئ بالتذوق والاستمتاع بعمل إبداعي، مثله في ذلك مثل كل الفنون، ومن خلال ذلك يمكنه أن يؤدي رسائل أخرى بشرط أن يؤدي رسالته الأساسية الأولى. الرسائل الأخرى يمكن أن تكون توعوية بجذب أنظار القراء وقلوبهم لقضية ما، أو بتقديم إضاءة قوية على مشهد أو موقف حياتي لتبيان تفاصيل لا يكشفها المقال أو التقرير الصحفي أو حتى نظرة الإنسان العادي. ويمكن أن تكون رسالة تربوية بترسيخ قيم إنسانية معينة وتجسيد نماذج شخصية معينة، كما ينبغي التأكيد دائماً، بعيداً عن الوعظ والإرشاد وتحويل العمل الأدبي إلى موعظة دينية لأن ذلك خدعة للقارئ الذي يأتي للعمل الأدبي من أجل التذوق والاستمتاع من خلال التفاعل مع العمل وما يتضمن وما يمثل. في فترات معينة كنا نبالغ في الرسالة التي يمكن للأدب أن يؤديها. الآن أريد للأدب أن يحقق شرطه الإبداعي الأول ومن خلال موقفي الإنساني والفكري المختزن سيرتسم المشهد القصصي أو اللوحة الشعرية بتفاصيله البشرية والمكانية والزمانية والعلاقات والمساحة المتروكة للقارئ ليكون شريكاً متفاعلاً في إتمام حلقة التفاعل التذوقي- التحليلي- التوعوي…إلخ.
* يلاحظ أيضا ان المكان “المخيمات والأرياف الفلسطينية” هو البطل الرئيسي في معظم أعمالك ؟
** نعم، إنه كذلك، أنا أصادق المكان، كتبت يوماً نصاً مفتوحاً بعنوان “المكان صديقي” ولكن المكان ليس بمعناه المادي ولكن ببعده الحياتي، لوحة المكان ثابتة بعموميتها بالنسبة لي ثباتاً يفوق حياة جيل، حياة شخص، لذلك أحب رسم الأماكن ليكون للأشخاص في العمل الأدبي إطار حياتي أكثر من الفعل المؤقت (جاء، ذهب، …إلخ)، حين تنقص اللوحة إنساناً يتوجع المكان، كما كتبت في ذلك النص، لكن المشهد المكاني يبقى بهيبته الكبيرة الطاغية على حواسي، الشخص الذي كان يجلس على الكرسي في مقهى الشارع الرئيسي في القرية غادر الكرسي ولكن المشهد ظل كبيراً والكرسي يتوجع قليلاً. في كثير من القصص القصيرة التي كتبت الغلبة للمكان ولكنه مكان الإنسان وليس مكان الفراغ والمادة. قصة “حجر” مثلاً التي كتبت في معتقل أنصار 3 الصحراوي كانت عن الحجر الصغير الذي ينحته المعتقلون ليصبح قلادة للحبيبة، الحجر والمكان احتضنا المشهد بما في ذلك السجين والخطيبة التي تنتظر والسجان الذي يطارد الحجر ليصادره أو يعتقله بشكل أدق لأنه الآخر مطلوباً ونقيضاً للقمع ممثلاً في الإبداع الذي يختزنه.
* واقعيتك في القصص بشكل عام تدفعني للسؤال الى اي مدى يمكن للأديب قاصا او روائيا ان يكون واقعيا بشكل لا يقع معه في “فخ” التسجيلية ؟
** التحدي الحقيقي أمام الكاتب أن يجمع بين الواقعية والإبداع، التسجيلية لها مكانها طبعاً، ولكن ينبغي أن نفرق بين تسجيلية تخص الباحث التاريخي، وبين تسجيلية تنام هادئة هانئة في حضن إبداع يتذوقه القارئ. وقعت في هذا الفخ في البدايات للأسباب التي ذكرت سابقاً وأتمنى عندما تتاح لي الفرصة الزمنية لأنجز مشاريعي المعلقة أن أحاذر هذا الفخ إلى درجة كبيرة كالطائر “الشاطر” الذي ينال الطعم ويفشل الفخ، تماماً مثلما الطيور الحذرة التي أخطأها الفخ مرة والتي كنا نسميها في طفولتنا “مخطي”، حين نرى طيراً يحوم حول الفخ بحذر ويتفحص الطعم.
* لجأت في كتابك (مبكر هذا يا فتى) الى أسلوب السرد والتسجيل والنص النثري وكان اقرب الى السيرة الذاتية، وسؤالي هل ترى انك أوصلت فعلا من خلال كل هذا ما أردت إيصاله؟
** نعم، باعتقادي أنني قد أوصلت ما أريد قوله في هذه النصوص لهدفي، للقارئ. هذا اللون من الكتابة الذي أرغب بدعوته بالنصوص المفتوحة، ويصلح لكتابة العمود الأسبوعي أو المقالة التي تتفاعل مع اليومي والسياسي والاجتماعي ولكنها لا تقع في المباشرة وتبقي على صلتها بالأدبي الإبداعي، هذا اللون عزيز على قلبي، فقد كان طموحي في يوم من الأيام أن أرسخ نفسي كتابياً فيه وأن أصقل أدواتي الإبداعية على مساحته، لأنه لون ممتع في كتابته وممتع في تلقيه كما أعتقد. إنه لون يحوّم على تخوم القصة القصيرة والقصيدة والخاطرة يدخل حدود كل منها ويأخذ من روضه الإبداعي شيئاً ثم يخرج إلى ساحته الأساسية كلون جديد يتسم بالمرونة والرشاقة في الكلمة والمباشرة غير الممجوجة تذوقاً ويؤدي رسالة المقالة دون ثقل. لقد كتبت على مدار سنوات طويلة عموداً أسبوعياً بعنوان “زهرة لوز” في أكثر من منبر إعلامي كجريدة الفجر المقدسية وجريدة البيارق الأسبوعية في باقة الغربية وجريدة العين الأسبوعية في الناصرة، وكتبت كذلك لفترة قصيرة “الكتابة بعقرب الساعة العتيق” في مجلة ألوان المقدسية، و”هذه الدموع …هذا الفرح” في أسبوعية الصدى المقدسية.
* من المعروف انك اعتقلت من قبل الاحتلال الإسرائيلي اكثر من مرة .. وسؤالي كيف انعكس السجن على تجربتك الإبداعية ؟
** تجربة الاعتقال والسجن تجربة إنسانية ثرية بكل معنى الكلمة، ثراء في مختلف الأبعاد، الشخصي من حيث التجربة الذاتية، والمسؤولية العامة حيث عمرك وثقافتك ودورك الوطني يحملك مسؤولية تجاه الآخرين للمشاركة في التعليم والتوعية الوطنية والاجتماعية، كل ذلك بموازاة التحديات اليومية ومواجهة السجان وخططه لتدمير الإنسان فيك وفي من حولك، فالمعركة الحقيقية في مثل هذا المكان تتمثل في الصراع بين قوتين قوة شريرة تحاول هزيمة الروح والأمل فيك سواء نحو اليأس من إمكانية تحقيق أهدافك لاختلال ميزان القوة المادي، أو جعلك تعيش أسير معاناتك ورغبتك في الانتقام وقتل الأبعاد الإنسانية الجمالية والحياتية العادية في هذه الروح، وبين قوتك الإنسانية التي تعمل على الحفاظ على الروح الإنسانية الحرة للسجين المنتمي للوطن وللأسرة وللشعب وللإنسانية، هذه مساحة شاسعة جداً للكتابة والإبداع. بالنسبة لي كانت الكتابة داخل السجن تعبيراً عن انتصار تلك الروح وانشغال يومي في تعاليها على جراحها الآنية نحو البحث عن شفاء الجرح الأكبر دون نسيان الإنسان الفرد فيك وفيمن حولك. الانشغال في ولادة فكرة تتشكل في رأسك وصقلها إبداعياً في قصيدة أو قصة قصيرة وتعميمها على من حولك والمحافظة عليها من خطر مصادرة النسخة الأولى والضياع وإيجاد مخرج لها لترى النور منشورة في مجلة أدبية أو على الصفحة الثقافية لجريدة يومية، هذا الانشغال يرجح موازين قواك لتنتصر على من يرغب في هزيمة إنسانيتك الفردية لينتصر عليك في معركة أكبر.
السجن فيما يتعلق بالكتابة باختصار زمن واسع ومساحة للقراءة والإبداع، خاصة بعد نجاح الحركة الاعتقالية في حق السجين في الحصول على كتب من الأهل خلال الزيارة الشهرية (مرة في الشهر لنصف ساعة)، وتفاصيل إنسانية في كل وجه حولك وفي كل حالة صراع فردي وجماعي مع السجان وما يمثله. رغم ما كتبت نهلاً من تلك المساحة، فإن هناك مشاريع مختزنة كثيرة بحاجة إلى الكتابة، وآمل أن أجد الوقت لكتابتها.
* كيف تقيم أدب السجون في فلسطين بشكل عام ؟
** أدب السجون، بمعنى ما كتب في السجون أو بتأثير تجربتها المباشرة متنوع من حيث المستوى الفني الإبداعي ومن حيث القدرة على الدخول في عمق التجربة والابتعاد عن سطح الشعار والتعبير الساخن نتيجة سخونة التجربة أو غياب امتلاك الأداة الإبداعية الملائمة. من حيث القيمة التسجيلية، كل كلمة كتبت في المعتقل تستحق الاهتمام والقراءة لأنها كتبت انعكاساً لرغبة صاحبها أو صاحبتها في قول شيء عن المعاناة أو التوق للحرية أو تعبيراً عن موقف. لكن طبعاً من حيث المستوى الإبداعي فإن نسبة قليلة من هذا الإنتاج سيرسخ كإنتاج أدبي يمكن أن يستمر وجوده في الذاكرة، الغالبية مما وصل المستوى الإبداعي كان لكتّاب دخلوا المعتقل وهم يمتلكون الأداة الإبداعية، وفي المقابل هناك عدد قليل ولدت قدرته الإبداعية داخل السجن وأنتج وأبدع. لآ أحب ضرب أمثلة بالأسماء حتى لا أهمل أحداً، ولكن على سبيل المثال كنا في فترة معينة سبعة أعضاء من الهيئة الإدارية لاتحاد الكتاب الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة معتقلين من أصل أحد عشر عضواً. من حيث التعبير فعلاً عن حياة المعتقل، لا زالت هناك مساحات من التجربة تحتاج للكتابة وأعتقد أن ذلك سيستمر لفترة طويلة، كما قلت حياة السجن ثرية في تفاصيلها، خاصة من خلال تنوع نمط الحياة اليومية في فترات مختلفة، فترات لم يكن هناك للسجين سوى بطانيات نتنة ولا فرشة ولا وسادة، فترات بقطعة اسفنج رقيقة للنوم عليها، فترات بسرير معدني طابقين وفرشات وأغطية هذا على صعيد النوم مثلاً. نمط الحياة في غرف السجون اليومية العادية، وزنازين التحقيق، والمعتقلات العسكرية في الخيام….إلخ. الإضرابات عن الطعام أو عن الخروج لساحة التنزه (الفورة) أو عن الخروج لزيارة الأهل،…إلخ. تنوعات حياتية كثيرة يتفاعل معها الإنسان السجين وتنوعات كثيرة لذلك الإنسان ولكل فرد قصته.
* أيضا، أين أدب الأسيرات، وكيف تقيمه، ولماذا لا يتم الإشارة إليهن بشكل صحيح رغم شرابهن من نفس كأس الاعتقال ؟
** أدب الأسيرات حسب معرفتي يتناسب مع عددهن ضمن الحركة الأسيرة، فقد كتب عن تجربتهن من قبل من عشن التجربة، ويكتب الآن عن تجارب من خلال سجينات محررات مثل الكاتبة عائشة عودة. أعتقد أنه يعكس التجربة الاعتقالية بعموميتها كما هو الأدب الذي كتبه معتقلون إضافة إلى الخصوصية الاجتماعية الناتجة عن وضع المرأة في المجتمع وخصوصية معتقل النساء حيث السجينات الفلسطينيات في نفس السجن مع سجينات إسرائيليات جنائيات مثلاً.
* أين مكمن الاختلاف برأيك بين كتاب القصة والرواية في داخل الأراضي الفلسطينية (الضفة والقطاع وأراضي الـ 48) وبين كتاب الشتات ؟
** أولاً هناك فروق بين كتاب 1967 وكتاب 1948، وبينهم معاً وبين كتاب الشتات. مصدر الاختلاف هو البيئة التي تلد فيها الكتابة الإبداعية من جهة والمدارس الأدبية السائدة في كل جهة من هذه الجهات.
حزيران 67 يشكل فاصلاً زمنياً مهماً في هذه التجارب. قبل ذلك كانت الحركة الثقافية الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة جزءاً من الحركة الثقافية العربية وعلى تواصل معها، أما في أراضي 1948 فكان هناك حصار من جهة وحركة نضالية تتمسك بالهوية وتستغل الهامش الذي توفره الليبرالية البرلمانية والوجود الفلسطيني الفاعل في الحزب الشيوعي الإسرائيلي، إضافة إلى الفروق التي تكمن في المدارس الأدبية السائدة في الستينات من القرن الماضي.
أما بعد حزيران 1967، فقد انقطعت الحركة الثقافية الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة عن الحركة الثقافية العربية التي كانت جزءاً منها، وأصبحت محاصرة بالاحتلال وإجراءاته القمعية في الحياة بصورة عامة وضد الثقافي بكل تجلياته بشكل خاص، ومنها الرقابة الصارمة على استيراد الكتب والمنشورات من العالم العربي، مما جعلنا نقول إن جيلنا، جيل الكتاب الذي ولد تحت الاحتلال، قد بدأ من الصفر تقريباً بعد رحيل وإبعاد العدد الأكبر من الأسماء الأدبية التي كرست في الفترة السابقة وفي ظل الفقر الثقافي الخاص بالمواد المنشورة حديثاً، لذلك كان كتاب 1948 وإنتاجهم رئتنا الأولى ثقافياً في مواجهة ذلك الحصار. ومن هنا يمكن للمراقب أن يرى الفارق الكبير في المستوى الفني بين النتاجات التي ظهرت مبكراً على الصفحات الثقافية للجرائد المحلية أو في جريدة الاتحاد لكتاب الضفة والقطاع وبين نتاجات “أساتذتهم” في 1948. هذا الفارق بدأ بالتقلص وبدأنا نتعلم ونصقل أدواتنا الإبداعية رويداً رويداً، وبدأ الحصار الشديد بالانكسار، لأن قبضة القمع لأي مضطهِد، مهما كان نوعه، تبدأ بالتراخي نتيجة صمود المضطهَد.
باختصار يمكن القول أنه ما بين 1967 و1980 كانت هذه الفروق كبيرة، ويلمس فيها أثر التواصل بين كتاب 1948 والتجارب العالمية وخاصة الاشتراكية، وبما فيها التفاعل مع الأدب العبري بمختلف أشكال هذا التفاعل، بينما يلمس في إنتاجنا في الضفة والقطاع في تلك الفترة النزعة التجريبية والخطابية.
كتاب الشتات خلال هذه الفترة عملوا في غالبيتهم بتواصل مع الحركة الثقافية العربية من ناحية ومن خلال منابر إعلامية ثقافية لمنظمة التحرير الفلسطينية والتنظيمات المختلفة، وهذا كله جعل من تفاصيل حركة المقاومة العلنية والمخيم ما قبل علنية المقاومة وما بعدها في الأردن ولبنان مواضيع أساسية في النتاجات الأدبية. أنا منحاز لأصالة التجربة داخل الحصار بالنسبة لكتاب 1967 أو 1948 إن جازت التسميات مقابل تجربة كتاب الشتات. وخاصة لجيلنا بعد حزيران 1967، حيث ولدنا ثقافياً في فقر مدقع ونحتنا كلماتنا من صخر المعاناة المباشرة بكل أبعادها في الحياة اليومية وفي البحث عن مصادر للتعلم. أذكر كيف تناقلت أيدي الزملاء النسخ الفردية التي أحضرتها عند عودتي في 1976 مثل مجموعة دمشق الحرائق لزكريا تامر أو روايات إسماعيل فهد إسماعيل، وذلك ضمن لقاءات أول تجمع للكتاب في الضفة الغربية وقطاع غزة (كتّاب البيادر) وأصدرنا من خلاله أول مجموعة قصصية مشتركة في العام ذاته لأربعة عشر قاصاً فلسطينياً من الضفة الغربية وقطاع غزة.
* على صعيد الكتابة للأطفال. اعتبر النقاد قصتك “بطاقة معايدة” في حينه من أفضل ما كتب للأطفال، ماذا تقول عنها اليوم؟
** يسرني سماع ذلك. تلك المجموعة من قصص الأطفال جاءت بعد اختزان طويل واهتمام بأدب الأطفال من ناحية نظرية وتربوية وتفاعل مع أدب أطفال عالمي وعربي إضافة إلى القليل من المحلي. جاءت أيضاً بعد مشاركة فاعلة مني ومن بعض الزملاء والزميلات المهتمين بهذا المجال في برنامج وطني بعنوان “برنامج تطوير أدب أطفال فلسطيني” شمل تطوير خطة وطنية طموحة من جهة، وتدريب كادر أساسي قادر على تدريب جيل أول من المدربين الفلسطينيين من معلمين ومكتبيين ومشرفين تربويين، طبعاً رجالاً ونساء، لتدريب أوسع للمعلمين والمعلمات في مجال أدب الأطفال واستثماره تربوياً في المدرسة. كانت قصص المجموعة جاهزة لكن تم تطويرها بالاستفادة من تلك الخبرة المكتسبة. لذلك كانت القصص من ناحية فنية بمستوى رضي عنه النقاد الذين أشرت إليهم في سؤالك، ورضي عنه القراء، وكم سرني عند صدور المجموعة أنني قمت بإعطاء الغالبية العظمى من النسخ التي حصلت عليها من الناشر إلى متطوعين كانوا يزورون أقسام الأطفال في المستشفيات أثناء الاجتياح الاحتلالي الإسرائيلي لمدينة نابلس ليقرءوا منها للأطفال وليمنحوهم النسخ المتوفرة. ذلك التفاعل مع أدب الأطفال جعلني أنا وزميلة في كلية التربية في جامعة النجاح الوطنية، التي أعمل الآن عميداً لها، نوصي بضرورة إدراج مساق أدب الأطفال لطلبة قسم التربية الابتدائية الذين يتدربون ليصبحوا معلمين للصفوف الأول حتى الرابع، وقد قبلت توصيتنا من إدارة الجامعة مشكورة وبدأت بتدريس الموضوع لسنوات كنت استمتع فيها بذلك رغم حزني الشديد عندما اكتشف أن عدداً من طلابي وطالباتي لم يقرءوا قصة أطفال واحدة قبل هذا المساق، وفي المقابل أسعد أنني استطعنا أن نسد هذه الثغرة، لا أستطيع تخيل معلم أو معلمة للصفوف الابتدائية لا يتقن التعامل مع أدب الأطفال.
* هل تعتبر الكتابة للطفل فنا قائما بذاته له أدواته الخاصة، أم أنه اجتهاد خاص من الكاتب يبحر فيه متى يشاء، وبالتالي متى نستطيع أن نضع قواعد ثابتة تحدد الأطر العامة للكتابة للطفل؟
** كما أقول في مقدمة مساق أدب الأطفال حين أدرسه، هذا أدب أولاً وللأطفال بعد ذلك، هذا ليس موعظة للطفل وليس مصدراً آخر يتلقى من خلاله أوامرنا نحن الكبار التي لا تنتهي حول افعل ولا تفعل. هذا مجال لتطوير وتنمية التذوق الفني لدى الطفل، لأن التذوق يصقل شخصية الطفل الإنسان، المتذوق للفن أدباً وموسيقى يصبح إنساناً مختلفاً في تفاعله مع الآخرين ومع المحيط، لأنه يتشرب كل ذلك تدريجياً برغبة ومحبة واستمتاع. الكتابة للطفل بحاجة لامتلاك الإبداع ولمعرفة بالخصائص التربوية والنفسية للذين نكتب لهم، نستهدفهم مع عدم إساءة فهم الاستهداف هنا. ربما كان الطريق الذي سلكته أنا للكتابة للطفل أفضل وأنسب السبل، الكتابة للكبار وتطوير الأداة الفنية أثناء ذلك ثم التحول إلى الكتابة للطفل لأن التحدي فيها أكبر. ربما يمكن القول أنك تنتج 10 قصص قصيرة للكبار مقابل إنتاجك قصة واحدة للطفل، فالكتابة للطفل تحتاج إلى مراجعة وتمحيص في الفعل والمفردة والفاصلة والنقطة مع محاولة المزاوجة مع الرسوم المناسبة.. إلخ ذلك من التفاصيل.
* من خلال مطالعة معظم أعمالك نجد فيها ابتعاداً عن قصص البطولات والخوارق وملامسة لواقع الطفل، ما هي وجهة نظرك في هذا الموضوع ؟
** هذا موقفي في تعريف البطولة، البطولة الحقيقية هي بطولة الإنسان العادي، الناس العاديين لأن ذلك هو القوة الحقيقية للتغيير. بطولات “السوبرمان” لها مردوداتها السلبية، قد يكون هناك إنسان فرد على درجة عالية من البطولة الفردية، وكل الاحترام لذلك الفرد، ولكنه نموذج لا يمكن تعميمه، والكتابة عنه تؤدي إلى الإعجاب والانبهار السلبي، بمعنى أن المكان للفعل وللتأثير لهذه النخبة من الأفراد وما على العاديين إلاّ الإعجاب والتصفيق والدعم في انتظار النصر الذي ستحققه مثل هذه النخبة، ونحن في الثورة الفلسطينية أصبنا بمثل هذا النمط الفكري وانعكاسه في الأدب. لذلك أنا أعتقد أنني أقترب من البطولة الحقيقية عندما أكتب عن الناس العاديين الذين يمكنهم أن يتعالوا على آلامهم وجراحهم ويتحملون ويتصدون لكنهم يتألمون ويحبون ويتوقون للاستمتاع بالحياة.
* توقف العديد من النقاد امام اللغة البسيطة والسلسلة المستخدمة في قصصك الأطفال.. وسؤالي ماهي خصوصية اللغة التي يجب ان نتوجه من خلالها للأطفال ؟
** اللغة للطفل تتحدد بعوامل عدة: العمر المستهدف وما يقابله من رصيد لغوي متوقع لدى هذا الطفل، الوضوح مع عدم التسطيح وعدم الافتراض بأن قدرة الطفل على الاستنتاج معدومة، لا أنه قادر على الربط والاستنتاج ويستمتع في ذلك ولكن بدرجة تناسب تطوره، كتربويين نعرف التطور بين الحسي المباشر والحسي العملياتي والمجرد لدى الطفل وعلينا أن نجعله يستغل أقصى طاقات مرحلته مفترضين أن قراءنا يراوحون في مستواهم هذا حول متوسط هذه المرحلة. اللغة الوسيطة بين الدارجة اليومية والفصحى تستجيب لهذه الشروط. بالطبع لا يطلب من الكاتب أن يحمل معه كتاب “بياجيه” في تطور الطفل ليقوم بذلك، هذه الأمور تحدث بالخبرة والسلاسة والمراجعة والتنقيح قبل الوصول إلى النسخة الأخيرة التي ستنشر. دليلي الأساسي في تنفيذ ذلك أمران: أضع نفسي مكان الطفل وأقرأ العمل بعد تركه فترة، واستمع لملاحظات بعض الأصدقاء الذين يقرأون النسخة الأولى وأستجيب للكثير من هذه الملاحظات. مثلاً قصتي الأخيرة “البنت التوتية” مرت بمثل هذه المراحل وكتبت منها نسختين، الأولى لعمر 7 سنوات والتي ظهرت ونشرها مركز مصادر الطفولة المبكرة، والثانية لم تنشر وكانت لعمر 9 سنوات.
* تحدث الكثيرون عن التربية العنصرية التي تتبعها “إسرائيل” في تربيتها لأطفالها. والسؤال كيف يجب أن نربي أطفالنا ؟
** باختصار شديد يجب أن نربي أطفالنا تربية إنسانية ديمقراطية دون الانجرار إلى رد فعل تجاه التربية العنصرية التي تربيها إسرائيل لأطفالها، هم عنصريون لأن العنصرية تخدم أهدافهم، ونحن يجب أن نكون إنسانيين لأن قضيتنا إنسانية نبيلة. الإنسانية لا تعني، كما قد يفهمها البعض، تسامحاً مع العنصرية أو قبولاً بالظلم، على العكس تماماً يعني رفض ذلك من حيث المبدأ ولكن دون أن نصبح أسرى لمعاناتنا ونحرّم على أنفسنا وعلى أطفالنا الاستمتاع بالحياة بموازاة النضال، المناضلون أيضاً يستمتعون بالحياة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، لا يبقون في حالة حداد دائم. ينبغي الحذر كل الحذر من تربية تحرق مرحلة الطفولة وتفرح لأن الأطفال صاروا “رجالاً” قبل الأوان وصاروا “أبطالاً” قبل الأوان ونفاخر بهم بذلك. من حق أطفالنا أن يعيشوا طفولتهم ونحميهم من منغصات الاحتلال حتى يتشكل إنسان المستقبل الذي يستطيع تحرير وبناء الوطن.

إلى الأعلى