الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / مسجد “الجامع” في أدم مركز ديني واجتماعي وعلمي أنجب العديد من العلماء
مسجد “الجامع” في أدم مركز ديني واجتماعي وعلمي أنجب العديد من العلماء

مسجد “الجامع” في أدم مركز ديني واجتماعي وعلمي أنجب العديد من العلماء

من أقدم مساجدها وأوسعها وأعرقها تاريخيا وعلميا وعمرانيا
المحراب مبني من الجص مستطيل الشكل وتحيط به أختام وأشكال هندسية ونباتية مزخرفة حفرت بالسكين
للمسجد خمس نوافذ مستطيلة بها زخارف هندسية.. ويرجح بناؤه عام 717 هجريا

أدم ـ (العمانية):
قامت المساجد في شتى بقاع الأرض منذ بداية الدعوة الإسلامية وحتى الآن بدور مهم، فقد كانت مركزا دينيا واجتماعيا وسياسيا.
وقد انتهج العمانيون في بناء المساجد نهجا شديد البساطة، وهي بساطة لا تعكس الذين بنوا المساجد أو الذين بنيت من أجلهم فحسب، بل تعكس كذلك البيئة المادية والإنسانية الخاصة التي تنتمي إليها هذه المساجد.
وخلت معظم المساجد الأثرية العمانية من القباب والمآذن، ولكنها تميزت في الوقت ذاته بـ”البومة” وهي فتحة في ركن المسجد يتوصل عن طريقها إلى سقفه، وتنقسم المساجد العمانية إلى ستة أنواع هي: المساجد الجامعة التي تؤدى فيها الصلوات الخمس إضافة الى الصلوات الجامعة الأخرى، ومساجد الفروض، ومساجد العباد، ومساجد الحصون، ومصليات العيد، إضافة إلى مصليات النساء.
ويعد مسجد “الجامع” في ولاية أدم بمحافظة الداخلية واحدا من المساجد الجامعة، وجاءت تسميته بهذا الاسم نسبة إلى حارة “الجامع” التي يقع في الجهة الغربية الشمالية منها، حيث يتم الوصول إليه عن طريق بوابة “الصباح”.
ولمسجد “الجامع” قيمة معمارية وعلمية واجتماعية، فمن الناحية المعمارية يحيط به فناء مسور بجدار ارتفاعه 70 سنتيمترا تقريبا تقام فيه الصلاة عند هبوب رياح “الكوس” أو عندما يمتلئ رواق المسجد إضافة إلى الفناء الذي يعتبر عنصر اتصال وحركة فهو يصل بين بيت الصلاة ومكان الوضوء ويحمي أرضية المسجد المنخفضة من دخول المياه إليها.
ويوجد بالجدار الشمالي والجنوبي للمسجد خمس نوافذ مستطيلة الشكل بها زخارف هندسية ويوجد في الجدار الشرقي زخارف جصية أما واجهة المسجد فهي تخلو من أي زخارف أو نصوص تأسيس وبها بابان بينهما محراب صغير.
أما محراب المسجد المبني من الجص وهو مستطيل الشكل يرتفع حتى يقارب السقف ويوجد به ثلاثة إطارات مستطيلة الشكل وتحيط به أختام وأشكال هندسية ونباتية مزخرفة حفرت بالسكين تتضمن الشهادتين اللتين نقشتا بالخط الكوفي وسطرين من الكتابة بخط النسخ متشابكة الحروف جاء فيها: “القائم على عمارة هذا المحراب المبارك الشيخ الأجل محمد بن نوح الأزدي”، وهو من أعلام ولاية أدم، عاش في نهاية القرن السابع والنصف الأول من القرن الثامن الهجريين، أما صانع المحراب فهو عيسى بن عبدالله بن مسعود البهلاني وكان ذلك في شهر جمادى الأولى عام 941 هجريا على أرجح الروايات حيث أصاب التلف بعض الكلمات والحروف والأرقام وقد لوحظ وجود تشابه في زخرفة محراب المسجد في أسلوبها وتركيبها
والنقوش المكتوبة وكذلك تشابه الاسم الأول لصانع المحراب فيه مع محراب المسجد الكبير في ولاية منح ومسجد “الشواذنة” في حارة العقر في ولاية نزوى وقد اختلفت الروايات حول التاريخ الصحيح لبناء مسجد “الجامع” ولعل الأرجح أنه بني في عام 717 هجريا.
ومن الناحية العلمية فقد بنى هذا الجامع الشيخ محمد بن نوح الأزدي في عصر الدولة النبهانية، وقد أنفق عليه الأموال الطائلة ليكون مدرسة علمية، كان لها أثرها فيما بعد، ولكن أزهى عصوره العلمية على الإطلاق كان زمن الشيخ العلامة سالم بن عبدالله بن خلف البوسعيدي في النصف الثاني من القرن الحادي عشر الهجري، حيث أقام فيه مدرسة علمية ومكتبة ضخمة توافد إليها الطلاب من جميع نواحي عمان وقد خصص لها مساكن خاصة، وأنجبت العديد من العلماء وعلى رأسهم الشيخ عمر بن مسعود بن ساعد المنذري صاحب كتاب “كشف الأسرار المخفية في علم الأجرام السماوية”، وقد ظل المسجد بمثابة مدرسة تدرس فيها مختلف العلوم الدينية كعلوم القرآن الكريم وعلوم اللغة العربية وعلوم الحديث الشريف والفقه والأدب، وممن
تولى التدريس فيه في آخر العهد محمد بن سالم بن سعيد البوسعيدي.
أما من الناحية الاجتماعية فقد كانت تقام في المسجد في فترة من الفترات مناسبات اجتماعية كالزواج مثلا لعدم وجود مجلس عام في الحارة، ويقام فيه العزاء أيضا، ومناسبات أخرى مثل عيد المسجد حيث يجتمع جميع سكان الحارة فيه ويتناولون الغداء كما يوزّع على البيوت.
وكان مسجد “الجامع” في ولاية أدم القلب النابض في حياة الحارة الاجتماعية، حيث يتم تبادل الأخبار بعد الصلاة في فنائه الخارجي، وحين يكون عند أحد أبناء الحارة عمل فإنه يستدعي المصلين بعد الصلاة لمساعدته، والحقيقة أن أدوار المسجد كانت أوسع من هذا بكثير، ولكن هذا القليل من الكثير، فمسجد “الجامع” من أقدم مساجد ولاية أدم وأوسعها وأعرقها تاريخيا وعلميا وعمرانيا .

إلى الأعلى