الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الشورى والتطلعات المجتمعية والدروس المستقاة “مواكبة للحدث الانتخابي الشوروي”

الشورى والتطلعات المجتمعية والدروس المستقاة “مواكبة للحدث الانتخابي الشوروي”

سعود بن علي الحارثي

مع اتساع قاعدة الناخبين التي بنيت على التدرج كانت صلاحيات المجلس وممارساته تشهد هي الأخرى تطورا ونموا ومرت بمراحل متعددة من الاتساع. من أهم ما ميز هذه الفترة، التطور المتواصل وبدون انقطاع في عدد الناخبين وعدد الأعضاء والصلاحيات، ودخول المرأة ناخبة ومنتخبة والممارسات البرلمانية ..

رابعا: مسيرة الشورى في عُمان .. مراحل التطور في الصلاحيات والممارسات:
عايش المواطن العماني مراحل التطور السريع الذي شهدته مختلف مؤسسات الدولة, وتابع تعاظم دورها واتساع أشكال ووسائل ممارساتها المرتبطة بحياته, ومنها مؤسسة الشورى التي جاءت انعكاسا لما شهدته البلاد من نهضة شملت مختلف القطاعات, فقد جاء إنشاء مجلس الشورى, بناء على الإرادة السامية لحضرة صاحب الجلالة سلطان البلاد المفدى ـ حفظه الله ورعاه ـ خلفا للمجلس الاستشاري للدولة, حيث مرت مسيرة الشورى في عُمان بمراحل عدة, روعي فيها التدرج والتطور في الصلاحيات وفي عدد الأعضاء الممثلين لولاياتهم داخل المجلس، وفي إشراك المرأة ناخبة ومنتخبة وفي العملية الانتخابية وبحسب الحاجة والظروف, وجاء إنشاء المجلس لتحقيق أهداف غاية في الأهمية تصب في مصلحة الوطن وتخدم مصالح المواطن, وتتلخص تلك الأهداف في تقديم المقترحات والرؤى، والمشاركة في إعداد وصياغة ومراجعة القوانين والخطط لتقديمها إلى الحكومة, والتي من شأنها دعم العملية التنموية وتحقيق مكاسب جديدة للمواطن تتواكب مع طموحاته وتعالج قضاياه, وقد حرص سلطان البلاد على منح المجلس المزيد من الصلاحيات والاختصاصات كان من بين مراحلها تفعيل مشاركته في الإسهام في وضع الخطط التنموية والموازنات العامة للدولة, والتأكيــد على أهمية إحالة مشروعات القوانين قبل إصدارها إلى المجلس, ((… وإننا ندعو الحكومة والمجلس إلى تكثيف جهود التنسيق الحقيقي بينهما, وتطوير أساليب التعاون بين الأجهزة التابعة لهما لنأمل أن يعمل ذلك على رفع مستوى الأداء فيما يقدم للمواطنين من خدمات)) هذا هو الهدف الحقيقي من إنشاء مجلس للشورى كما ورد في نص الخطاب السامي بمناسبة افتتاح الفترة الأولى لمجلس الشورى, واعتبر إنشاء المجلس في وقتها نقلة نوعية وخطوة متطورة على مستوى المنطقة الخليجية, شهدت للقائد بعد نظره وحسن قراءته للأحداث والمستجدات, وفهمه العميق لحاجة البلاد إلى ترسيخ منهج للشورى, وكان الطموح وما زال أن تستمر عملية الشورى في البلاد في التدرج ليصبح للمجلس سلطته التشريعية الكاملة, خاصة بعد أن أضحت الصلاحية في اختيار الأعضاء بيد المواطن دون تدخل من الدولة, وانتخاب رئيس المجلس من بين أعضائه, وعلى مدى ثلاثة عقود من الزمن, مرت المسيرة الشوروية بمراحل من التطور نستعرض أبرزها في المحطات الآتية:

1. المجلس الاستشاري للدولة:
في الثامن عشر من أكتوبر 1981م، صدرت المراسيم السلطانية بالأرقـام: 84 و85 و86 بإنشاء المجلس الاستشاري للدولة وتسمية أعضائه ورئيسه ونائبه وأمينه العام ووضع نظامه الداخلي، وتفضل حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ بافتتاح أعمال فترته الأولى بتاريخ الـ3 من نوفمبر 1981م، وقد جاء إنشاء هذا المجلس استمرارًا لسياسة ثابتة في “إعداد المواطنين للمشاركة بالرأي فيما تبذله الحكومة من جهود في سبيل تنفيذ خططها الرامية إلى دفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، وتحقيقًا للتوسع المطرد في هذه المشاركة من خلال التعاون الوثيق بين القطاعين الحكومي والأهلي”. واستمرت تجربة هذا المجلس لمدة عقد من الزمان، وكانت “تجربة متميزة نابعة من صميم الواقع العماني، أتاحت للمواطن قدرًا كبيرًا من المشاركة في جهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تقوم بها الحكومة، وأعطت أمثلة بارزة لما يمكن أن تقدمه هذه المشاركة من إسهام إيجابي في بناء وتنمية البلاد”. وجاء تشكيل هذا المجلس من أعضاء مختارين بالتعيين بمرسوم سلطاني، يمثلون القطاعين الحكومي والأهلي بنسب متفاوتة لصالـح الأخير، وقـد تألف فـي فترتـه الأولـى (1981 ـ 1983م) من 45 عضوًا موزعين بواقع 17 عضوًا للقطاع الحكومي مـن بينهم 10 وكلاء وزارات بحكم مناصبهم و7 بصفاتهم الشخصية، و28 من ذوي الخبرة وأهل الرأي يمثلون مختلف مناطق ومحافظات السلطنة. وقـد زاد عـدد أعضاء ذلك المجلـس اعتبـارًا مـن فتـرته الثانيـة (أكتوبر 1983 ـ 1985) إلى 55 عضوًا بمن فيهم رئيس المجلس، 18 عضوًا عن القطاع الحكومي، وتراوح عدد وكلاء الوزارات ما بين 10 ـ 11 عضوًا بحكم مناصبهم، وتراوح عدد المعينين بصفاتهم الشخصيـة بين 7 ـ 9 أعضاء. أما ممثلو القطاع الأهلي فقد زاد عددهم إلى 36 عضوًا منهم 11 يمثلون القطاع الخاص و25 يمثلون المناطق. وكان للرئيس نائب واحد في فترته الأولى، ثم نائبان بدآ من فترته الثانية، يعينان بمرسوم سلطاني من بين أعضاء المجلس. كان المجلس الاستشاري للدولة في فترته الأولى يعقد أربع دورات عادية خلال الأسبوع الأول من يناير وأبريل وأغسطس وأكتوبر من كل عام، على ألا تتجاوز مدة كل دورة أسبوعًا واحدًا، ويتولى المكتب التنفيذي مباشرة أعمال المجلس فيما بين دورات الانعقاد. وبتاريـخ الـ24 من رجب 1404هـ الموافق الـ26 من أبريل 1984م صدر المرسوم السلطاني رقم: 37/84 بتعديل في تحديد دورات انعقاد المجلس، قضي بأن يعقد ثلاث دورات عادية خلال الأسبوع الأول من يناير ومايو وسبتمبر من كل عام، ثم تغيرت مواعيد انعقاد هذه الدورات العادية بموجب المرسوم السلطاني رقم 102/85 لتكون خلال الأسبوع الأول من شهر يناير ومايو وأكتوبر، وأطلقت مواعيدها بعد ذلك بموجب المرسوم السلطاني رقم 4/90 لتكون خلال الشهور يناير ومايو وأكتوبر من كل عام، ويحدد نظام العمل بالمجلس عدد الجلسات وموعدها في كل دورة. أهم ما ميز مرحلة العمل في المجلس الاستشاري ما يلي:
• الالتفات نحو تطور القطاعات والمرافق المختلفة, وإيلاء المشاريع الخدمية الاهتمام الواسع في دراسات وأعمال المجلس, والحرص على أن تصل إلى مختلف مناطق وولايات السلطنة وتحقيق الرخاء والازدهار للمواطن العماني.
• الاهتمام كذلك بالقضايا والموضوعات الاجتماعية والاقتصادية التي تهم المواطن وتشغل باله, ودراسة الظواهر والأنماط والسلوكيات الدخيلة على المجتمع.
• شكل العمل المشترك بين الحكومة ممثلة في عضوية عدد من وكلاء الوزارات ومديري العموم وبالمسؤولين والقطاع الأهلي ممثلا في عدد من الأعضاء البارزين نجاحا كبيرا في التقاء المعلومة من جهة، والخبرة من جهة أخرى، وهو ما أسهم في نجاح العمل وتقديم دراسات وتوصيات قيمة تتسم بالموضوعية.
• كثافة الزيارات الميدانية والاطلاع المباشر على احتياجات المناطق، والتعرف على متطلبات المجتمع والتحاور البناء مع المواطن, مما ميز كذلك فترة عمل المجلس الاستشاري.

2. مجلس الشورى:
في احتفالات السلطنة بالعيد الوطني الحادي والعشرين المجيد صدرت المراسيم السلطانية بالأرقام: 94، 95، 96/91 بإنشاء مجلس الشورى وتحديد صلاحياته واختصاصاته وتسمية أعضائه ورئيسه ووضع لائحته الداخلية. واتسمت قاعدة الناخبين لأعضاء مجلس الشورى بالاتساع التدريجي كمًّا ونوعًا على امتداد الترشيحات الأربعة لعضوية المجلس في الأعوام 1991 ـ 1994 و1997 و2000م، في سعي دؤوب ومدروس لتوسيع قاعدة المشاركة السياسية ومنح المواطن حق انتخاب من يمثله في عضوية المجلس وحق ترشيحه للعضوية، وأصبحت هذه الانتخابات عامة وشاملة في انتخابات الفترة الخامسة للمجلس التي أجريت في الرابع من شهر أكتوبر 2003م. فقد عدت انتخابات الفترة الخامسة للمجلس في أواخر عام 2003م أول انتخابات عامة تجرى في السلطنة بعد استكمال قاعدة الناخبين وتعميم حق الانتخاب، ومن هنا تنبع أهميتها باعتبارها تمثل مرحلة فارقة في تطور مسيرة الشورى العمانية. وبناء على تعميم حق الانتخاب لكل من بلغ سن الحادية والعشرين، فقد زادت قاعدة الناخبين لمن لهم حق التصويت والاقتراع من 5900 مواطن من الذكور في ترشيحات عام 1991م لتصل إلى 822 ألف مواطن ومواطنة في انتخابات عام 3003م. ومع اتساع قاعدة الناخبين التي بنيت على التدرج كانت صلاحيات المجلس وممارساته تشهد هي الأخرى تطورا ونموا ومرت بمراحل متعددة من الاتساع. من أهم ما ميز هذه الفترة، التطور المتواصل وبدون انقطاع في عدد الناخبين وعدد الأعضاء والصلاحيات، ودخول المرأة ناخبة ومنتخبة والممارسات البرلمانية ..

3. مرحلة الأخذ بنظام المجلسين: مجلس الشورى ومجلس الدولة تحت مظلة مجلس عمان:
أعلن عن بدء هذه المرحلة بعد صدور النظام الأساسي للدولة، الذي نص في بابه الخامس على إنشاء مجلس عمان، وهو السلطة الرسمية التي أسندت إليها مهام الشورى على المستوى الوطني العام، ويتكون من مجلس الشورى المنتخب ومجلس الدولة المعين، ويبين القانون اختصاصات كل منهما ومدته وأدوار انعقاده ونظام عمله، كما يحدد عدد أعضائه والشروط الواجب توافرها فيهم وطريقة اختيارهم أو تعيينهم وموجبات إعفائهم، وغير ذلك من الأحكام التنظيمية (المادة 58 من النظام الأساسي للدولة). ويمثل الأخذ بنظام المجلسين خطوة إضافية على طريق تطوير مسيـرة الشورى.

4- المرسوم السلطاني رقم 99/2011م:
منح المرسوم السلطاني المشار إليه بتعديل بعض أحكام النظام الأساسي للدولة بموجب ما تضمنه من أحكام, مجلس عمان صلاحيات تشريعية ورقابية اتسعت معها ممارسات العمل البرلماني خاصة في اطاره التشريعي. وسوف أقدم عبر هذه السلسلة قراءة مختصرة لبعض مواده ذات العلاقة بصلاحيات مجلس عمان.

5- الانتقال إلى المبنى الجديد لمجلس عمان:
يجسد مبنى مجلس عمان مكانة الشورى ودورها الأساسي في نظام الحكم وتطور مسيرتها, إنه رمز يتعالى ويفتخر بعمارته وإبداع هندسته وعلو هامته وسعته وبهائه وجمعه لمكونات العمل البرلماني, وبما لديه من تقنيات حديثة وأنظمة متطورة ووسائل متقدمة وخدمات متعددة عالية الجودة. ومما لا شك فيه بأن اهتمام جلالته ـ حفظه الله ورعاه ـ وتوجيهاته السامية وإشرافه على دقائق وتفاصيل هذا المبنى الكبير وانتقاء موقعه الاستراتيجي ومن ثم رعايته وافتتاحه السامي له, لمما يدل على اهتمام جلالته ـ حفظه الله ورعاه ـ بقيم الشورى وموقعها الحيوي في نظام الحكم بالسلطنة, والحرص السامي على تيسير عملها وتفعيل أدائها وتوفير الوسائل والعناصر المتطورة والمبانـي المهيأة لممارسة دورها البرلماني وصلاحياتها التشريعية والرقابية على أكمل وجه, والتوجه نحو مواصلة مراحل تطور المؤسسة البرلمانية في عمان.

إلى الأعلى