الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / لله البقاء

لله البقاء

المدير العام يتصل، ماذا يريد المدير العام ؟ ليس من عادته أن يتصل بي، لا بد أن الأمر مهم.
تكلم المدير العام: الأخ أحمد، إنا لله وإنا إليه راجعون، البقاء لله، أحسن الله عزاءكم.
لم يعرف أحمد من المتوفى، لابد أنه أحد أقربائه وإلا لما تكبد المدير العام عناء الاتصال به ليعزيه شخصيا، ولكنه لم يرغب أن يقول للمدير العام بأنه لا يعرف من توفى والعزاء عزاؤه، حتى لا يظهر أمامه بأنه آخر من يعلم.
أخذ يفكر على مهل، من عساه توفى دون ان يصله الخبر، وإذا بإثنين من الموظفين يأتيان اليه والحزن باديا على وجهيهما، صافحاه بحرارة وعزياه: احسن الله عزاءكم الاخ أحـمد.
رسم أحمد ملامح الحزن على وجه مرددا: لله البقاء. حتى لا يبدو وكأنه لا يعرف شيئا، وتمنى لو يستطيع سؤالهما: من مات ؟ ولكن صاحب العزاء يجب ان يعرف أولا. هاتفه النقال في التصليح، ولم يتصل أحد من اهله بهاتف المكتب ليخبره اذا توفى أحد عندهم ليـقوم بواجب العزاء.
نظر إلى هاتف مكتبه يفكر بمن يتصل ليسأله من توفى من عائلته، فـالتعازي تـنهال عليه من كل جانب، وهو لا يعرف مـن توفى الى الان، ولكنه لا يتذكرالارقـام فهي مخزنه في هاتفه النقال المعطل الذي اوصله للتصليح. ولم يبادر احد من اهله إلى الاتصال به في عمله، أو يرسل أحدا يستدعيه، وبينما هو مطرق يفكر، أتى خمسة من الموظفين الى مكتبه يقدمون اليه التعازي والمواساة ووقف احمد يستقبل التعازي، واظهرالحزن والأسى على وجهه، مبديا شكره لتعزيتهم الصادقه له ومشاعرهم النبيلة ومبادرتهم الخيره في تجشم عـناء الحضور اليه لتعزيته فور تلقيهم الخبر، قائلا: سعيكم مشكور.
قال احمد: كل هذا الاهتمام من المدير العام والزملاء الموظفين لتعزيتي، لابد انه حدث جلل، وغير مستبعد ان يكون المتوفى يرحمه الله أحد أخوتي أو والدنا المسن أو حتى الوالدة ـ لا قـدر الله ـ وإلا لما فكر الجميع ان يهبوا لتعزيتي هكذا.
بدأ الخوف والشك ينتابا أحمد، ولكن بمن يتصل وذاكرته لا تحفظ الارقام ؟ ولماذا لم يفكر أحد من أهله لإبلاغـه بالخبر فورا، قال احمد: ربما الجميع مشغول بحالة الوفاة في هذه المناسبه الحزينة، ونسى الاتصال بي أو الجميع يعتقد بأن أحدا آخر أوصل الي الخبر، ولكن هذا ليس بعذر، كان لابد ان يبادر أكثر من شخص ويخبرني من توفى، حتى أحضر الغسل والدفن والعزاء. فالناس المعزيه تسأل عني، لماذا لم يأت أحمد ؟! هل هو مسافر؟!، لماذا لم يحضر العزاء ؟، لماذا يتركونني هكذا دون أن أعرف من المتوفى؟، وها هي التعازي تصلني إلى مكتبي.
لا استطيع أن اسأل الغريب من توفى منا، سيستغربون كيف أكون آخرمن يعلم وانا صاحب العزاء، ولكن من مات ؟! اذا قلت لا أعرف سيتعجبون وربما سيسخرون ويضحكون في سرهم، ولهذا مثلت الدور لأكسب الوقت لحين أعرف المتوفي ـ رحمة الله عليه ـ لكن لو يقول لي أحد المـعزين مثلا، اعزيك في وفاة اخوك الفلاني، ولكنهم لا يقولون، كل ما يقولون فقط، أحسن الله عزاءك، البقية في حياتك.
خرج أحمد سريعا من المكتب حتى لا يتعرض لمزيد من الاحراج، ويكتشف أحد الموظفين بأنه لا يعرف من المتوفى من خلال ارتباكه، بينما الجميع جاء لتعزيته.
توجه إلى المـسجد الذي من المعتاد أن يقام فيه عزاء العائلة حين تكون هناك وفيات لعله يكتشف من مات.
أوقف سيارته ودخل الى المسجد، اقترب من المعزين وحزنهم العميق باديا على محياهم، وسمعهم يرددون: عظم الله أجركم، إنا لله وإنا إليه راجعون، كل نفس ذائقة الموت، عليكم بالصبر، لا باق إلا وجه الله ذو الجلال والاكرام. وأحمد ما زال لا يعرف من المتوفى وانما يردد معهم كما يرددون، انا لله وانا اليه راجعون، لا حول ولا قوة الا بالله.
الآن شعر أحمد بانه فعلا حزين، وبه رغبه شديده في البكاء، قال أحمد: تقدمت أكثر الى صحن المسجد ورأيت والدي وأخوتي مكتملي العدد، فـرفعت يدي محييا لهم وهم منشغلون بالسلام على المعزين فوقفت بينهم أتلقى التعازي، وسمعتهم يتحدثون بأن جميع الاقرباء نساء ورجالا بخير، فلم يستطع أحمد أن يتمالك نفسه ، فـسأل : اذن من مات ؟!
فـلم يرد أحد على سؤاله، بالرغم من تكرارالسؤال، الجميع في صمت وحزن يتقبلون التعازي، لا يسمعون سؤاله، وشعر بأن صوته يأتي من العدم كالسراب.
نظر الى حـيث قـدميه ويديه فلم يبصر إلا الفراغ ، وتحسس رأسه وجسده فلم يلامس الا الهواء.
ادرك بأنه هو المتوفى ولا أحد غيره، وليس ذاك المسجى في الكفن سواه، وهذا العزاء عزاؤه، ولكن روحه مازالت ترفرف في المكان في حالة صدمة وإنكار غير مستوعبة التحول الكبير المباغت لخروج الروح من الجسد، بعد أن أتى الموت عليه فجأة.
انهمرت الدموع من عينيه لهذه الحقيقه الصعبة، نظـر الى الجميع نظرة مودعه، وهم لا يشعرون بوجوده بينهم. ارتفع الى الأعلى أكثر وأكثر، تلاشت روحه شيئا فشيئا بين السماء والارض في رحلة طويله لملاقاة قدرها، وهو يردد: لله البقاء، لله البقاء.

نمير بن سالم آل سعيد

إلى الأعلى