الإثنين 11 ديسمبر 2017 م - ٢٢ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / السياسة / أضواء كاشفة : العنف وصل مدارسنا

أضواء كاشفة : العنف وصل مدارسنا

كنت أجلس مع صديقي نحتسي الشاي كعادتنا في نهاية الأسبوع على شاطئ القرم الساحر ولاحظت أنه مهموم، فسألته عما يزعجه؟ قال لي إن ابنه الذي ما لبث أن عاد إلى المدرسة حتى بدأت مشاكله .. فتخيلت أنها مسألة عدم تمكنه من توفير الأموال اللازمة للدروس الخصوصية أو عدم مذاكرة ابنه بشكل جيد وانشغاله بالوسائل التقنية الحديثة أو ما شابه ذلك من المشاكل التي عادة تطرأ على أبنائنا .. ولكنني فوجئت بأنه يقول إن ابنه يعود يوميا من المدرسة وهو مصاب بجروح جديدة نتيجة اللعب العنيف الذي يمارسه مع أصدقائه أو المشاجرات أحيانا مع بعض زملائه.
لا أخفي عليكم أنني أصبت بصدمة، فالعنف الذي يجتاح العالم وصل إلى أطفالنا في المدارس، وتساءلت في نفسي عن الأسباب التي تجعل طلابا ينصرفون عن الهدف الأساسي من ذهابهم للمدرسة وهو تحصيل العلم للتركيز على الشجار واللجوء للعب العنيف؟
لقد كانت المدرسة قديما ملتقى الثقافات حيث ينتمي إليها طلاب من أسر ذات بيئات وثقافات مختلفة، وكان يجمعهم حب العلم والرغبة الشديدة في الاستفادة، والمنافسة القوية في تحصيل الدرجات النهائية، كما كانت الألفة والمحبة والصداقة الهادئة المخلصة هي السائدة في التعامل فيما بينهم .. أما الآن فإن هذا التنوع البيئي والثقافي أصبح نقطة اختلاف وفرقة لدرجة وصلت لحد سخرية البعض أحيانا من تصرفات أو عادات وتقاليد أو لهجات زملائهم المختلفة عنهم.
للأسف، العنف استشرى في مجتمعاتنا العربية في السنوات الأخيرة بصورة مخيفة، وهذا ليس على مستوى تظاهرات الشعوب فقط، بل إن العنف أصبحنا نراه في العمل وفي الأسواق، بل داخل الأسرة نفسها، وأصبح سمة التعامل بين أفرادها، فنجد الأم دائمة الصراخ من تصرفات أبنائها والأب دائم التذمر من صراخ الأم، ناهيك عن عوامل التفكك الأسري التي زادت في السنوات الأخيرة، وأثرت بشكل سلبي على الأبناء وجعلتهم أكثر عدوانية ورغبة في الانتقام من المشاكل التي يرونها في صورة من هم في مثل أعمارهم.
لا شك أن هناك عوامل كثيرة أخرى أثرت بشكل سلبي على أبنائنا وجعلتهم أكثر عنفا وأسرع غضبا منها الألعاب الإلكترونية التي أصبحت لا تفارقهم، سواء على الحاسوب أو التابلت أو الهاتف النقال .. فكثير من ألعاب الفيديو تعودهم على العنف كألعاب المصارعة والشجار في الشوارع والحروب المختلفة والقبض على اللصوص أو الهروب من الشرطة وغير ذلك من أشكال الألعاب التي أصبحنا نسمع عنها ونراها في أيدي أبنائنا وينفعلون معها بشدة ويتفاعلون مع الشخصيات التي يقودونها، فترى الطفل أو الشاب يحدث نفسه، ومن يقاتله وكأنه واقع أمامه .. وهذا بالتأكيد يستثير أعصابه ويجعله أكثر عنفا ويعوده على العدوانية.
كما أن كثيرا من وسائل الإعلام تساهم بشكل مباشر في شيوع العنف بين الطلاب فأفلام الأكشن وبرامج التوك شو وما يحدث بها من تراشق وتنابز في الألفاظ بين ضيوفها والمسلسلات التي أصحبت تتناول الجريمة والقيم السلبية كجحود الآباء والخيانة والسرقة والقتل كأنها من مسلمات المجتمع وحلقات المصارعة الحرة والأفلام الكرتونية، وغير ذلك من المواد الإعلامية التي تحض على العنف، نجد أن الأطفال يستقون منها القيم التي تحثهم على الانتقام والعدوانية في التعامل.
بالإضافة إلى أن هناك نوعية من أصدقاء السوء تتسبب في حدوث الشجار والعنف فنراها إما تستفز من أمامها كي يصارعها أو أنها تكون البادئة في الشجار أو الوسوسة للبعض كي يتشاجر مع من أمامه .. وهذه النوعية من الطلبة يشعرون بمتعة كبيرة عندما يشاهدون صراعا وشجارا بين زملائهم.
لا شك أن كل هذه العوامل وغيرها مما لا يسع ذكره تؤثر سلبا على تصرفات الطلاب، وتجعلهم دائمي الشجار مع أقرانهم إما تقليدا أو انتقاما، إلا أنه في النهاية يصبح سلوك الطالب عدوانيا مما ينعكس على مستواه التحصيلي ويقلل التركيز الدراسي.
لا بد أن يتحرك المسؤولون على أمور التربية سريعا كي يقضوا على المشكلة في مهدها، فيضعون أيديهم على أسبابها كي يتمكنوا من حلها؛ لأن تفاقمها سينعكس على المجتمع ككل خاصة أنها تتعلق بصغار اليوم شباب المستقبل حماة الوطن.
كما أن الأسرة عليها دور كبير في تنشئة أطفالها على مبادئ الدين الصحيحة التي تمنع العنف والاعتداء على الآخرين، وتحث على التسامح والرحمة والمودة في التعامل مع الآخرين، ومحاولة بناء شخصية سليمة قويمة تستطيع النهوض بالوطن وتنميته وتقوية شكيمته.

* * *
الهجرة غير الشرعية مأساة تبحث عن حل
ما زال ضحايا رحلة البحث عن الوهم والسراب يتساقطون، وفشلت كل الجهود المبذولة من أجل الحد من ظاهرة الهجرة غير الشرعية التي استشرت في الآونة الأخيرة، وصرنا نقرأ بصورة يومية تقريبا عن مأساة جديدة ووفاة العشرات وأحيانا المئات من المهاجرين الباحثين عن الاستقرار والأمان .. وقد أعلن الاتحاد الأوروبي فشله في مواجهة الظاهرة مؤخرا لنتساءل: ما السبيل لإنقاذ هؤلاء المهاجرين من المصير المظلم الذي ينتظرهم في نهاية الرحلة؟
لقد هانت على المهاجرين الدنيا ولم تعد لحياتهم قيمة أمام الوصول لهدفهم، فإما تحقيق أحلامهم أو الموت فداء لها .. فقد أوصلتهم الحروب والفقر والاضطهاد إلى حافة اليأس والرغبة في الهروب من نار أوطانهم إلى الجنة الأوروبية المنشودة حتى لو كان في ذلك هلاكهم، سواء على متن قارب متهالك من المعروف مسبقا أنه لن يجتاز كل هذه المسافة الطويلة في المحيط أو داخل شاحنة مكتظة بالبشر ينشدون نسمة هواء.
الغريب أن هؤلاء المهاجرين يعلمون جيدا من قصص من سبقوهم أو وسائل الإعلام وغيرها أن الطريق إلى أوروبا غير مفروش بالورود، بل كله شوك وعنصرية .. ففي حال نجاتهم من مخاطر البحر وعبورهم أحياء يجدون الأسلاك الشائكة في استقبالهم والجوع والأماكن القذرة ناهيك عن المعاملة السيئة التي تصل لحد العنصرية والتعنيف واللوم المستمر رغم وجود أطفال وأمهات خاصة مع تزايد الأحزاب المناهضة للهجرة وتواجد الأقليات بصفة عامة.
والأغرب أن هؤلاء المهاجرين يعلمون أيضا أنهم قد يقعون في فخ المتاجرين بالبشر مثلما حدث في النمسا منذ أيام عندما عثروا على جثث 71 مهاجرا أغلبهم من سوريا مختنقين داخل شاحنة متوقفة على جانب طريق سريع والذين في الغالب كانوا ضحية أحد المتاجرين بالبشر الذي أوهمهم بمد يد العون والمساعدة وتحقيق أحلامهم على الأرض، وغير ذلك الكثير.
لا شك أن تشديد الرقابة على الحدود الأوروبية ليست كافية للحد من ظاهرة تدفق المهاجرين لأن وسائل التهريب الملتوية متعددة، وبإمكان المهربين والهاربين التحايل لتنفيذ العملية، والمؤسف أن الحكومات الأوروبية لا تهب لعلاج المشكلة إلا بعد وقوع كارثة إنسانية مثل غرق الزورقين قبالة السواحل الليبية مؤخرا اللذين كانا يحملان المئات.
إن عدد اللاجئين الذين عبروا المتوسط منذ مطلع هذا العام حتى شهر يوليو الماضي فاق الـ340 ألف مهاجر، وهذا الرقم مخيف ويستدعي سرعة التصرف .. فأوروبا تنظر إلى القضية على أن هذا العدد الكبير من المهاجرين سيؤثرون بشكل سلبي على خطط التنمية، بينما ننظر لها نحن من الجانب الإنساني فنطالب بالبحث عن حل قبل أن يقع المزيد من الضحايا الحالمين الذين يبحثون عن حياة أفضل.
الحل يكمن في استئصال المشكلة من جذورها وإخماد الصراعات والحروب التي تدفع أهلها للفرار من نار النزاع، ولينظر المسؤولون في هذه الدول لحال شعوبهم فهم يدعون أن الصراع من أجل المواطنين ولكن الحقيقة أنهم يبحثون عن مصالحهم الشخصية فقط، بدليل أن الشعوب تفر هربا من جحيم الحرب غير آبهة بما ستلاقيه من تحديات ومخاطر تحدق بهم خلال الرحلة تاركة الجمل بما حمل لحكوماتها.
يجب أن يتحمل المجتمع الدولي ككل مسؤوليته في تفاقم مشكلة اللاجئين غير الشرعيين عن طريق القضاء على الصراعات التي يتغاضى عن حلها والتي تعد السبب الرئيسي لفرار المهاجرين حتى يحصل كل إنسان على العيش الكريم ويحقق حلمه على أرضه.

* * *
حروف جريئة
البنك الدولي نشر إحصائية توضح أنه على الحكومات توفير 600 مليون وظيفة خلال الخمسة عشر عاما القادمة للشباب الذين ينشدون الانضمام لسوق العمل .. فهل تستطيع الحكومات توفير هذا الكم من الوظائف؟.. لا أعتقد، ويبدو أن مشكلة (البطالة) ستظل تقض مضجع البشرية لمدة طويلة.
تقدمت فلسطين بمشروع قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة لرفع أعلام الدول المراقبة غير الأعضاء بمقر المنظمة الدولية بصفتها مراقبا غير عضو في الأمم المتحدة .. نتمنى أن يأتي اليوم ويرفرف فيه العلم الفلسطيني فوق كل هيئة أممية وغير أممية كدولة عضو في كافة المحافل الدولية.
ارتفاع منسوب المحيطات أثار قلق علماء من وكالة الفضاء الأميركية “ناسا” لاحتمالية اختفاء العديد من الجزر وغرق الكثير من المدن فأطلقوا تحذيرا لضرورة معالجة ارتفاع درجة حرارة الأرض الذي يتسبب في ارتفاع منسوب المحيطات .. فهل تستجيب الدول الصناعية قبل أن تحل الكارثة على الأرض بأكملها؟

* * *
مسك الختام
قال تعالى: “الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون”.

ناصر اليحمدي

إلى الأعلى